شرح الباعث الحثيث 28

الدرس في شرح الباعث الحثيث 28، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الفرق بين العنعنة والأنأنة في مصطلحات الحديث وحكم الاتصال والانقطاع

يشرح المقطع الفرق بين صيغتي "عن" (العنعنة) و"أن فلانًا قال" (الأنأنة) في أسانيد الحديث، مبينًا أن الجمهور على أنهما سواء في الدلالة على الاتصال ما لم يقم دليل على الانقطاع، بينما ذهب بعض الأئمة ك أحمد بن حنبل إلى التفريق بينهما في حال مخصوصة توهم فيها الراوي الحضور ولم يحضره، والراجح أن الأصل في الأنأنة الاتصال كالعنعنة.

حكم الأنأنة ومكانة الصحابة في الرواية

توضح المادة أن الأصل في صيغة "أن" هو الاتصال كصيغة "عن"، ولا يحكم بالانقطاع إلا بدليل كعدم حضور الراوي. كما تؤكد أن روايات الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها معتبرة متصلة سواء قال "قال" أو "عن" أو "سمعت"، لأن الله زكاهم وعدلهم في القرآن، فلا يضر عدم حضور بعضهم للواقعة لثقتهم وتلقيهم الوحي عن ثقات مثلهم.

منهج المحدثين في ترجيح المسند على المرسل أو العكس عند التعارض

يناقش المقطع قاعدة تعارض الحديث المسند والمرسل، مبينًا أن المحدثين لا يعتمدون قاعدة مطلقة كقول الفقهاء "الزيادة من الثقة مقبولة"، بل يفصلون في كل واقعة بحسب قرائن الأسانيد وحفظ الرواة، مستدلين بأقوال أئمة الحديث كالبخاري وأحمد ومالك وابن معين، وأن الحكم يعود إلى نظر المحدث الجهبذ بعد استقراء الطرق.

تعريف الحديث المعضل

يوضح المقطع أن الحديث المعضل هو ما سقط من إسناده راويان أو أكثر على غير التوالي، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام العماد أبو الفداء عماد الدين بن كثير إسماعيل بن عمر المتوفى سنة ٧٧٤ هجرية في كتابه النافع "شرح اختصار علوم الحديث": وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: "أن فلانًا قال"، فهذه مسألة تسمى بالأنأنة. أن كذا، أن فلانًا قال كذا، أن فلانًا قال كذا، هذه المسألة تسمى بالأنأنة. فما هي العنعنة؟ هذه الأنأنة: الأنأنة أن فلانًا قال. طيب، العنعنة: هي "عن فلان عن فلان"، هذه العنعنة. قال رحمه الله تعالى وغفر له ولجميع علمائنا المسلمين: وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: "أن فلانًا قال"، هل هو مثل قوله "عن فلان" فيكون محمولًا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أو يكون قوله "أن فلانًا قال" دون قوله "عن فلان"؟ هذه هي المسألة الجديدة الملحقة بمبحث المعضل: هل هي صيغة اتصال أم صيغة انقطاع؟ "أن فلانًا قال"، ما الأصل فيها أنها صيغة اتصال أو أنها صيغة انقطاع؟ قال رحمه الله تعالى: كما فرق بينهما أحمد بن حنبل، ويعقوب بن أبي شيبة، وأبو بكر البرديجي، وأبو بكر البرديجي - فجعلوا "عن" صيغة اتصال، وقوله "أن فلانًا قال كذا" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه - ففي هذه الحكاية عن هؤلاء الأئمة نظر، فإنهم إنما حكموا في وضع خاص وحال مخصوصة، علم فيها أن الراوي يحكي شيئًا لم يحضره بصيغة توهم حضوره. ولهذا فالأصل في صيغة "أن فلانًا قال" أنها مثل "عن فلان"، صيغة اتصال، حتى يثبت بالدليل الانقطاع، أو أن فلانًا لم يحضر هذه القصة التي يقول فيها عن شيخه أو عن الراوي عنه: "أن فلانًا قال". هذا الأصل الذي هو الراجح والتحقيق في المسألة. أما إذا ظهر أن الراوي يقول: "أن فلانًا قال كذا"، ثم يظهر أنه لم يحضر القصة ولا الواقعة، حكمنا بالانقطاع. فالأنأنة في حكم العنعنة، الأنأنة في حكم العنعنة. ومن فرق بينهما، فرق في حال مخصوص ووضع مخصوص أوجب له التفريق في ذلك الموضع. قال رحمه الله تعالى: وذهب الجمهور - أي جمهور أهل الحديث - وعلى قولهم الاعتماد، والأول لا يعارضه إن شاء الله، إلى أنهما سواء، إلى أنهما سواء في كونهما متصلين. قاله ابن عبد البر، وممن نص على ذلك مالك بن أنس. وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد، الإسناد المتصل بالصحابي، سواء فيه أن يقول "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو يقول "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". هذه مسألة أخرى: مسألة الأنأنة هي كالعنعنة، إلا أن يظهر أن الراوي لم يحضر القصة، كان يقول: "أن فلانًا قال كذا يوم كذا وكذا". طيب، أنت كنت حاضرًا؟ قال: نعم. هذه صيغة اتصال. هل أنت حاضر؟ قال: لا. هذه صيغة الانقطاع. ما الأصل في الأنأنة؟ الأصل أنها كالعنعنة، كلاهما صيغة اتصال حتى يثبت الانقطاع بالدليل، ككون الراوي لم يحضر. لأن صيغة "أن فلانًا قال" فيها معنى الحضور أعظم من صيغة "عن فلان". "أن فلانًا قال" فيها معنى أنه كان حاضرًا لهذا الأمر. "أن فلانًا قال" فيها معنى الحضور، فيها معنى الحضور. فإن ثبت عدم حضوره حكم بالانقطاع. قال رحمه الله تعالى: وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي... هذه مسألة أخرى: إذا قال الصحابي "قال رسول الله"، أو قال الصحابي "عن رسول الله"، أو قال الصحابي "سمعت رسول الله"، كلها سواء، كلها سواء. لأن الصحابة لا يقال فيهم بالانقطاع، ولا يقال في الصحابة بالتدليس، ولا يقال في الصحابة: حضرت القصة أو لم تحضر القصة. بل مجرد كون الصحابي ثبتت صحبته، فحجة الحديث قائمة به. لا يضر أن يقول: "قال رسول الله"، أو يقول: "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم". وإن علمنا أنه حين قال "عن رسول الله" أو قال "قال رسول الله" لم يكن حاضرًا للقصة، كما يحصل في ابن عباس وأبي هريرة في بعض ما ينقلانه مما جرى في مكة في أول الإسلام. كذلك ما ينقله جرير بن عبد الله، فإنه أسلم عام خيبر، فما ينقله قبل ذلك لا شك أن الصحابة كانوا يجلسون في مجالسهم، ولا شك أن من أعظم الأعمال عندهم أن يتناقلوا أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، فهذا يسمع هذا وهذا يسمع هذا، والكل ثقة صادق، وهم ثقات. فلا يضر أن يقول الصحابي "عن رسول الله" أو "قال رسول الله"، وإن جزمنا أنه حين حصل ما حصل لم يكن حاضرًا، أو يقول: "أن رسول الله فعل كذا وكذا بمكة" وهو إنما أسلم بعد ذلك بزمن في مدينة رسول الله. فلا يقال: كيف تحدث عن واقعة لم تحضرها كأنك حاضر فيها؟ لا يقال هذا. الصحابة كلهم عدول، كلهم ثقات أثبات، كلهم صادقون ومصدقون. فما الدليل على أن الصحابة صادقون، ومن حكم بأنهم صادقون؟ الله سبحانه وتعالى. والدليل: ما الدليل من القرآن أن الله عدل الصحابة ووصفهم بأنهم صادقون، ووصفهم بأنهم مفلحون؟ رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. فبعد تعديل الله، أي يحتاج إلى تعديل أحد؟ رضي الله عنهم ورضوا عنهم. هذه في الرضا. هذا يستدل به: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ثم قال بعدها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. طيب، وأيضًا: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، المهاجرين، ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] إلى أن قال: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. فأولئك هم المفلحون. الشاهد: عدّ لهم الله عز وجل فكانوا ماذا؟ أن جرحهم فلان من أهل الفسق والأهواء ضرّ نفسه. إذن الصحابي بأي صيغة عبر، فحجة معتبرة. وبحث: قال رحمه الله تعالى، وبحث الشيخ أبو عمر هاهنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره. إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، أي حصل الخلاف: فهذا يرسل، وهذا يسند. فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك، إذا كان المخالف له أحفظ منه أو أكثر عددًا. ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ. ومنهم من قبل المسند مطلقًا إذا كان عدلًا ضابطًا، وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين. وحكى عن البخاري أنه قال: "الزيادة من الثقة مقبولة". سيأتي الكلام على تعارض الوصل والإرسال، والأصل في هذه المسألة. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على باب زيادة الثقة عندما يأتي الكلام على الشاذ والفرد إن شاء الله تعالى. والخلاصة عند المحدثين في هذه المسألة: أنهم لا يطلقون حكمًا مطلقًا بقبول مرسل على مسند، أو بتقديم مسند على مرسل، بل كل حالة لها قرائنها التي تحكم فيها. فربما يتعارض حديث مرسل وحديث مسند فيقال: المحفوظ المرسل. وربما يتعارض مسند ومرسل فيقال: المحفوظ المسند. ولا يحكم في هذا الباب بقاعدة مضطردة، بل الأمر عائد إلى القرائن بحسب نظر العالم المحدث الجهبذ، وبحسب بحثه في تلك الطرق والأسانيد، يحكم بما يبدو له بعد نظر واستقراء للطرق والمرويات. لا نحكم ونقول كما يقول الفقهاء: "الزيادة من الثقة مقبولة"، فالمسند قوله مقدم على المرسل. لا، هذا ليس بصحيح عند المحدثين. بل الصحيح الصواب أن الإرسال والإسناد قد يكون هذا في موضع أقوى، وقد يكون هذا في موضع أقوى، بحسب القرائن الدالة على رجحان أي منهما. هذا الذي عليه البخاري، وأحمد بن حنبل، ومالك، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأئمة المحدثين الذين عليهم الاعتماد في مثل هذه الأبواب، لا على الفقهاء ولا على الأصوليين، لأن هذا فنهم وهذا شأنهم، وهم أعرف بفنهم وأتقن في إسنادهم وعلمهم وشأنهم. هذا خلاصة المسألة، خلاصة هذه المسألة، والله أعلم. وبها ينتهي الكلام على نوع المعضل وما أردفه ابن الصلاح وابن كثير من فروع تابعة للمعضل. فما هو المعضل عندك أخانا؟ ما سقط من أثناء إسناده راويان فأكثر على غير التوالي، هذا هو الحديث... لا على التوالي، هذا هو الحديث المعضل. هذا هو. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر