شرح الباعث الحثيث 27

الدرس في شرح الباعث الحثيث 27، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف المعضل وحكم الإسناد المعنعن

يُعرّف المعضل بسقوط راويين فأكثر متتاليين من الإسناد، ويُبيّن أن الإسناد المعنعن يُحكم بوصله إذا تعاصر الرواة وبرئوا من التدليس مع تفضيل شرط إمكان اللقاء. ويذكر أمثلة على حرص العلماء على التلقي والتحصيل.

شروط الإمام مسلم في تصحيح رواية العنعنة

يشترط مسلم ثقة الراوي وشيخه وإمكان اللقاء بينهما وسلامة الراوي من التدليس، ويكتفي بإمكان اللقاء دون ثبوت السماع الصريح. ويوضح موقف مسلم الشديد ممن يشترط اللقاء الصريح معتبراً ذلك مخالفة للإجماع.

مقارنة شروط البخاري ومسلم في العنعنة

يناقش خلاف المحدثين في شرط الاتصال عند العنعنة، ويرجح أن مذهب مسلم قوي وصحيح لكن مذهب البخاري أقوى وأصح. ويستعرض أقوال ابن رشيد والسمعاني والداني والقابسي ومسالك العلامة المعلمي في أن عنعنات الصحيحين غالباً تصرف من الرواة.

اختصار الأسانيد المتكررة بالعنعنة

يلجأ الرواة إلى العنعنة في الأسانيد المشهورة المتكررة مثل مالك عن نافع عن ابن عمر اختصاراً وتخفيفاً. لأن هذه السلاسل صارت أعلاماً على السماع لا يشك فيها فاكتفوا بذكرها مختصرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في كتاب الباعث الحثيث، ونحن في نصف مبحث المعضل. والمعضل: أولا ما هو عندك يا أخي؟ ما تعريف المعضل؟ ما سقط من أثناء إسناده راويان فأكثر على التوالي. ما سقط من أثناء إسناده راويان فأكثر على التوالي. قال رحمه الله تعالى: قال، وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم الإرسال أو الانقطاع. قال: أي ابن الصلاح، الإسناد المعنعن: أولا هو أن يقول الراوي: عن فلان، عن فلان، عن فلان. مالك عن نافع عن ابن عمر، أبو الزنادي عن الأعرج عن أبي هريرة. هذا صورة الإسناد المعنعن: أن يعبر الراوي بصيغة "عن" موضع التحديث أو الإخبار أو نحوه. قال رحمه الله تعالى: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم الإرسال أو الانقطاع. قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل، محمول على السماع. هذا الذي عليه العمل وهو الصحيح، وفي مقابله القول الضعيف. هذا الصحيح الذي عليه العمل، أي عمل الأئمة والجهابدة، عمل الأئمة والجهابدة. والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع، وإن كانت الصيغة محتملة للسماع ولغير السماع. الصيغة محتملة: "عن فلان" يحتمل أنه متصل، ويحتمل أنه منقطع، كلاهما سواء في الاحتمال. أن تكون الصيغة صيغة احتمال، وأن تكون الصيغة صيغة... صيغة احتمال للانقطاع، أو أن تكون صيغة اتصال واضح محتمل. قال رحمه الله تعالى: إذا تعاصروا... إذا تعاصروا، أي كان هذا في عصر هذا. ولو قال: إذا أمكن اللقاء، كان أضبط للعبارة؛ لأن المعاصرة قد يمكن معها اللقاء وقد لا يمكن. لكن إن كان اللقاء أخص، فلو قال رحمه الله: إذا أمكن اللقاء، فهذا هو الأولى في العبارة، الأولى في العبارة... فيرضون إذا أمكن اللقاء. الآن في هذا الزمان كلنا عاصرنا الشيخ ابن باز، والشيخ الألباني، وغير الشيخ ابن عثيمين، ومنكم من عاصر الشيخ الوادعي. طيب، هل هذه المعاصرة تقتضي السماع؟ الجواب: لا تقتضي، إذ قد يمنع المانع من اللقاء به. إذن المعاصرة لا يلزم منها اللقاء. هذا في كل زمان. لكن إمكان اللقاء، ما صورته؟ صورة إمكان اللقاء والمراد باللقاء: السماع. صورة ذلك: أن يكون من بلده، ويصليان الجمعة في مسجد واحد. أليس اللقاء... اللقاء هاهنا ممكن؟ اللقاء بمعنى السماع: هل السماع ممكن بين هذا الطالب وهذا العالم وهما يصليان في مسجد واحد؟ ممكن أو غير ممكن؟ ممكن. نحن نشترط الإمكان، وهو عندنا كاف في الباب. وأمكن اللقاء كاف عندنا. ذلك أن الطالب حريص، والعالم يبذل. فتجد طالب العلم إذا سمع بفائدة حرص عليها، رحل إليها، دونها، سأل عنها، ضبطها. فكيف إذا سمع بإنسان له فائدة أو حديث سمعه؟ يحرص على أن يذهب إليه ويسمع منه. كيف إذا كان يصلي معه في نفس المسجد؟ أتظنه لا يأتي إليه فيقول له: بلغني حديث كذا أنك رويته، فهل رويته؟ قال: نعم، حدثني فلان، قال كذا وكذا، وساق. أليس هذا حال طلاب العلم الحريصين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من هما لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا، لا يشبعان»؟ الذي يريد الدنيا ما يشبع أبدا، وطالب العلم كذلك الذي يريد العلم لا يشبع، يحرص على العلم. قال الشافعي رحمه الله: قيل له: كيف شهوتك إلى العلم؟ قال: أسمع بالحرف منه لم أسمعه من قبل، فأتمنى لو أن لجوارحي آذانا تسمع لتتمتع بما تسمع. هكذا يقول أبو عبد الله الشافعي رحمه الله. ولهذا طالب العلم حريص على الفائدة، حريص على العلم. ولهذا يقول العلماء: إذا أمكن اللقاء، يعني أن اللقاء في الغالب الأغلب موجود؛ لأن هذا طالب علم حريص ومتواضع، يبحث عن الفائدة، فهو يرحل إليها، يحرص عليها. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي هريرة عندك يا أبا ركاش؟ دعا له. صدقت، ولكن ليس هذا هو الجواب. وماذا سأله؟ سأله عن الشفاعة: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد علمت أنه لا يسألني أحد... أو ما ظننت أحد يسألني عن هذا غيرك، لما رأيت هذا الشاهد من إيش؟ من حرصك على الحديث». قدمنا مرارا أن طالب العلم حريص، حريص، كما أن صاحب الدنيا حريص. فطالب العلم أعظم حرصا على العلم والفائدة. يذكر أن بعض المحدثين في مرض موته تذاكروا حديثا ونسيت اسم الراوي، فقال لبعض من عنده وهو في سكرات الموت: اكتب هذا في أي... في فوائد، اكتب هذه الفائدة، أي اكتبها لي. قال: الآن أنت الآن في سكرات الموت وتريد أن يكتب هذه الفائدة التي ذكرها أحد الطلبة؟ سبحان الله! قال: نعم، لأن أكون عالما بها فأموت خيرا من أن أموت جاهلا بها. هؤلاء هم أهل الحديث الذين هم حريصون على العلم والفائدة، حريصون على العلم والفائدة. ولهذا من ليس بحريص هل ينال العلم؟ حتى لو كان أذكى الناس وأفهم الناس وأحفظ الناس، لكنه ليس بحريص، فإنه لا ينال العلم، يفوته من العلم أشياء كثيرة، والسبب عدم حرصه على العلم. فينبغي لطالب العلم أن تكون عنده كراسة صغيرة، كراسة صغيرة، ما مر به من إشكال أو مر به من استشكال أو مر به من سؤال أو مسألة تحتاج إلى ضبط يكتبها، فإذا لقي من يلقاه عدها يوم غنيمة. قال وكيع: لا يزال الرجل بخير ما أخذ عمن فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه. وكان الرجل إذا لقي من هو أعلم منه عده يوم غنيمة، عده يوم غنيمة. وإذا لقي من هو أصغر منه عده يوم إفادة. فيوم غنيمة عندهم: ما حكم كذا؟ ماذا سمعتم في كذا؟ ما مسألة كذا؟ ثم يدون المسائل ويدون الأجوبة. رأيت في... في حج سنة خمسة وعشرين هجرية تقريبا، ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين، في العزيزية بمكة، في مسجد فقيه، كانت هناك دروس للشيخ العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله. فرأيت الشيخ العلامة الزاهد محمد بن عبد الوهاب حاضرا في وسط المسجد، ليس هذا فقط، ومعه كراسته وقلمه يكتب، يكتب رحمه الله الفائدة، المسألة، الفائدة، مسألة، يكتب رحمه الله وتعالى. وهكذا دأبه، دأبه هكذا رحمه الله. فكان مثالا لحرص أهل العلم على العلم، لحرصهم على الفائدة والعلم. شاهد أن عبارة "إمكان اللقاء" أضبط، كما سيأتي. قال رحمه الله: قال، والصحيح الذي من الذي قال؟ من الذي قال؟ ابن الصلاح رحمه الله. قال رحمه الله: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس. التدليس: أن يسقط الراوي شيخه ثم يروي عن شيخ شيخه بصيغة محتملة للسماع، موهما أنه سمعه منه. يروي عن شيخه ما لم يسمع... هو أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه، موهما سماعه منه بصيغة تحتمل السماع، كما سيأتي في مبحث مدلس من الأحاديث. قال رحمه الله تعالى: وقد ادعى الشيخ أبو عمر الداني المقرئ، أحد كبار الأئمة من أئمة أهل السنة والجماعة، صاحب علوم في علوم القرآن، من أساطين علم القراءات والقرآن، أبو عمر الداني، إجماع أهل النقل. وقد ادعى الشيخ أبو عمر الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا. ابن عبد البر أيضا ادعاه كذلك. دخلنا في مسألة وهي شرط البخاري ومسلم. قال ابن كثير: قلت: وهو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع عليه، وشنع في خطبته على من يشترط المعاصرة مع المعاصرة اللقية. هذا فيه توسع في نقل مذهب الإمام مسلم رحمه الله. فمسلم لم يشترط مطلق المعاصرة، وإنما اشترط إمكان اللقاء، وفرق بين مطلق المعاصرة وبين إمكان اللقاء. فما ذكره ابن كثير هاهنا وابن حجر في النزهة وغيرهم من أن شرط مسلم المعاصرة، من أن شرط مسلم المعاصرة، خطأ. بل شرط مسلم: المعاصرة مع إمكان اللقي. هذا مذهب سيأتي إن شاء الله ذكر لفظه. قال رحمه الله: أشنع الإمام مسلم رحمه الله كما سيأتي، حتى قيل إنه يريد البخاري. مذهب الإمام مسلم قائم على أمور ثلاثة: الحديث الذي راويه ثقة، ورواه عن ثقة، وأمكن لقاء الثقة للثقة. هذا الشرط الثاني: وأمكن لقاء الثقة بالثقة، هذا الشرط الثاني. ولم يكن الراوي الأول ممن رمي بالتدليس. هذا الشرط الثالث. إذن ما هي شروط الإمام مسلم التي ذكرها في مقدمة صحيحة؟ ثلاثة: أن يكون الراوي ثقة وشيخه ثقة، الشرط الأول. الشرط الثاني: إمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، هذا الشرط الثاني. شرط الثالث: أن يكون هذا التلميذ بريئا من وصمة التدليس. هذه شروط ثلاثة أوردها الإمام مسلم في مقدمة صحيحة. فما هي هذه الشروط؟ هذه شروط ثلاثة. عندك يا أبا الزبان؟ ما هي الشروط الثلاثة التي اشترطها الإمام مسلم لتصحيح رواية العنعنة؟ ما هي الشروط الثلاثة؟ فكرنا: ثلاثة شروط. فلو رتبت كان أفضل: أن يكون الراوي ثقة وشيخه ثقة، هذا الشرط الأول. شرط الثاني: إمكان اللقاء بين الراوي وشيخه، هذا الشرط الثاني. الشرط الثالث: أن يكون هذا التلميذ الراوي عن ذلك الشيخ، وكلاهما ثقتان، بريئا من وصمة التدليس. عندك يا أخي؟ نحن ما هي الشروط الثلاثة التي هي شرط الإمام مسلم في صحيحه؟ طيب: كون التلميذ وشيخه ثقتان. طيب: إمكان اللقاء بين التلميذ والشيخ. إمكان اللقاء أظن واضحة. إمكان اللقاء ما معناه؟ طيب: أن سلامة التلميذ عن وصمة التدليس. هذه ثلاثة شروط ذكرها مسلم في مقدمة صحيحه. هل اشترط مسلم مطلق المعاصرة؟ عندك يا أخي بشير؟ لم اشترط مطلق المعاصرة. ما معنى إمكان اللقي؟ ما معنى إمكان اللقي؟ عندما نسأل... عندك يا أفندم عبد الله؟ ما معنى إمكان اللقي؟ ما معنى إمكان اللقي؟ يعني أن يأتي بالقرائن ما يدل على إمكان سماع هذا من هذا، ككونهما ببلد واحد، ويصليان في مسجد واحد، فيلتقيان في الصلاة، يلتقيان على باب المسجد، يلتقيان خارج المسجد، وهما ذاهبان إلى المسجد، إلى آخره. قد يكون الشيخ عنده حلقة في المسجد فيحضرها، اللقاء ممكن. يقول العلامة ابن كثير رحمه الله: قلت: وهذا هو الذي اعتمد مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي. الإمام مسلم شدد. قال: وهذا قول مختلق، قاله بعض من ينتحل صناعة الحديث، وهو مخالف للإجماع، وقائله لا مستند له إلا الدعوى. إلى آخره. فشنع الإمام مسلم على من يشترط اللقي، أي السماع. سيأتي الكلام. شنع، وقال: هذا منتحل الصناعة، منتحل بهذا اللفظ، منتحل للصناعة، أي ليس من أهل الحديث المتمكنين ولا من علمائه المحققين. ثم ادعى أنه خالف الإجماع على قوله. قال رحمه الله تعالى: وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقية، حتى قيل إنه يريد البخاري. البخاري مذهبه أنه لا يقول بإمكان اللقاء، بل يقول: لابد من ثبوت السماع ولو مرة. لابد من أن يأتي هذا التلميذ في حديث واحد يقول: سمعت فلان، ولو مرة في عمر، أو يقول: حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو يقول نحوها من الصيغ التي تدل على السماع ولو مرة واحدة. فإذا عنعن لم يلتفت البخاري إلى عنعنة. فالبخاري أشد في هذا الباب. والإمام مسلم جار على ما عليه جماهير المحدثين: أنه ثقة، وأنه ليس بكذاب، بل هو ثقة، وأنه ليس مدلسا حتى نخاف من عنعنته، وإمكان اللقاء، السماع موجود. فهذا الفرق بين مذهب البخاري ومسلم. فما هو مذهب البخاري في العنعنة عندك يا أخي عبد الرحيم؟ ما هو مذهب البخاري في العنعنة؟ البخاري يشترط السماع ولو مرة واحدة. اشترط السماع ولو مرة واحدة. ولما مسلم يقول: لا داعي لهذا، يكفي أن يمكن السماع لكونهما في بلد واحد في مسجد واحد. حتى قيل إنه يريد البخاري. والظاهر أنه يريد علي بن المديني. هكذا استظهر ابن كثير، وهذا فيه بعد. إذا نظرت إلى كلام الإمام مسلم رحمه الله، فإنه يتخاطب مع شخص جاهل بالعلم، ولهذا سماه منتحلا. وحاشى الإمام مسلما أن يصف الإمام الحافظ علي بن المديني الذي لقب بحية الوادي. ما معنى حية الوادي؟ يعني أنه إمام في باب العلل والحديث. معروف أن بعض الوديان إذا قيل إن هذا الطريق فيه هام عظيم وثعبان عظيم من أعظم الثعابين، وكان الوقت بعد المغرب، يقولون: يا فلان، رح، توكل على الله، عبر الوادي. هذا يعبر أو ما يعبر؟ وادي فيه هام عظيم وثعبان كبير، يمكن يبيج عند بعض أقارب، خاصة مع الظلام. الصباح ممكن يمر، العصر ممكن، لكن بعد العشاء؟ كيف هذا الوادي فيه ثعبان عظيم وهام عظيم يقدر يمشي فيه؟ يقول: ماذا نستعجل؟ بيت الليل والصباح إن شاء الله. نسأل الله العافية. معنى هذا أن علي ابن المديني كان مهابا. إذا تكلم في الحديث، تكلم في العلل، هاب الناس أن يخالفوه، كخوفهم من الوادي الذي فيه هذا الثعبان العظيم أن يمروا فيه. حية الوادي. وكان علي ابن المديني يقول: البخاري أعلم مني، أو نحو هذا. فكان إذا... فكان البخاري يقول: ما رأيت أعلم بالعلل من علي ابن المديني. له كتاب وجد منه قطعة يسيرة في علل الحديث، كان كتب المخطوطة ووضعها في جرة، ثم ذهب وسافر وجاء، ولم يبق منها إلا قطعة يسيرة. فلعله لم ينشط بإكماله، كما في ترجمته رحمه الله. الشاهد: يبعد أن الإمام مسلما يقصد علي ابن المديني، أو حتى يقصد البخاري، لأنه يعرف مكانتهم. والإمام مسلم يقول في البخاري: يا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين، ويا طبيب الحديث في علله. لما سأله عن حديث كفارة المجلس: ما علته؟ قال: فرفض البخاري، فقال: دعني أقبل يديك ورجليك. هكذا يقول الإمام مسلم في شيخه البخاري. فكيف يصفه في مقدمته ويقول: بعض منتحل علم الحديث؟ حاشا وكل. أو كيف يصف علي ابن المديني بقوله: بعض منتحل علم الحديث؟ حاشا وكل. إنما يتكلم مسلم على بعض منتحل علم الحديث، كما قال: أما المحدثون فلا. والظاهر، يقول الحافظ ابن كثير: أنه يريد علي ابن المديني. أيضا هذا بعيد، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث. وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة. هذه مسألة أخرى. والظاهر أنه اشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح. وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة. وهذا لا داعي... يعني أن يكون تلميذا لسنوات، يصحبه فترة طويلة توصف بطول اللقاء، طول الصحبة. وهذا لا يحتاج له. الذي عليه العمل أن يقال: إن مذهب مسلم صحيح، ومذهب البخاري أصح. مذهب مسلم: مذهب مسلم صحيح، خلافا لبعض المشايخ المعاصرين يضعفون مذهب مسلم. وهذا فيه نظر، ليس ضعيفا، بل مذهب مسلم قوي وصحيح، ولكن مذهب البخاري أقوى وأصح. فأيهما أقوى في باب العنعنة: مذهب مسلم أو البخاري؟ عندك يا أخي؟ البخاري مذهبه أقوى في العنعنة، ومذهب مسلم أكمل. يا أخي؟ مذهب مسلم ضعيف؟ قوي. نعم، مذهب مسلم قوي. ورأيت بعض المحدثين المعاصرين، كنت عنده في بيته في سنة ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين، فكان جرى البحث في هذا، وحصل نقاش حول هذه المسألة، هو يضعف شرط مسلم، يضعف شرط مسلم. ومسلم ألزم بإلزامات قوية، ألزم بإلزامات قوية. من يرد العنعنة مع إمكان اللقاء وثقة الشيوخ والبراءة من وصمة التدليس؟ هذه المسألة اجتمع فيها عالمان محدثان: أحدهما ابن رشيد الفهري السبتي، من بلاد المغرب، صاحب كتاب "ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الرحلة ما بين مكة وطيبة". كتاب من أبدع كتب الرحلات. كتاب "ملء العيبة". العيبة هي الجراب الذي يوضع فيه الحلوى ونحوه. "ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الرحلة ما بين مكة وطيبة". طيبة هي أيش؟ وين طيبة هذه عندها يا أخي عبد الرحمن؟ المدينة. وهذا الحي أيضا سمي بطيبة، تيمنا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. التقى هذان العالمان. انظروا إلى المذاكرة بين أهل العلم. فجلس ليلة يتناظران في شرط البخاري ومسلم. فجاء ابن الرشيد ولخص تلك المناقشة في كتاب طبع، لعله بحجم هذا الكتاب أو نحوه، سماه "السنن الأبيل في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن". يعني بين البخاري ومسلم. في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن. ولكن ابن رشيد انتصر للإمام البخاري انتصارا مطلقا، رحمهم الله تعالى جميعا. وهي من مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الأخذ والرد. قال رحمه الله تعالى: وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة. وقال أبو عمر الداني: إن كان معروفا بالرواية عنه قبلت العنعنة. وقال القابسي: إن أدركه إدراكا بينا. هذه كلها ليس عليها العمل عند المحدثين. لا طول الصحبة، ولا أنه يكون معروفا بالرواية عنه، ولا أنه أدركه إدراكا بينا. كل هذا مما لا داعي له. هذه مسألة مهمة، مسألة مهمة في مذهب البخاري ومذهب المسلم. رحمهم الله تعالى وغفر لهما جميعا. يسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم ويرفع درجاتهم في المهديين، ويجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء. والوقت دخل علينا، فإنه خضل يا إخوتي، ليس بصواب. من أين نأخذ كلام الإمام مسلم؟ أليس في المقدمة صحيحة؟ هو يقول في مقدمة صحيحة: فإذا كان الراوي ثقة وشيخه ثقة، وأمكن لقاء بعضهم بعضا، وكان الراوي بريئا من التدليس، حكمنا بصحته، أو بهذا المعنى. فاشترط ثلاثة شروط: إمكان اللقاء. لم يأت مسلم ويقول: مطلق المعاصرة. فهذا نقل بالمعنى، نقل بالمعنى، ولا ينبغي هذا. هذا نقل بالمعنى، يجوز، يجوز، لكن الأولى أن يقال... بكسر الصاد؟ إذا كان هكذا: مع اللقاء، مع طول الصحابة، والمراد الصحبة، المراد الصحبة. ويجوز أيضا الفتح: الصحابة، بمعنى الملازمة في الصحبة. صاحبه يصاحبه مصاحبة وصحبة وصحابة وصحابة، كل ذلك من تصريف الكلمة. فإذا كان لم يتضح لكم شيء في هذا، وإلا وقفنا ها هنا، وندخل إن شاء الله في الإسناد المؤنن. بالنسبة لما في صحيح البخاري ومسلم: قد يقول قائل: نقرأ في صحيح البخاري يقول البخاري: حدثنا، حدثنا، حدثنا، حدثنا فلان، مثل عبد الله بن يوسف أو فلان، قال: حدثنا فلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. يقول في موضع آخر: حدثنا فلان، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. فهل قال مالك في الرواية عن نافع حين حدث، أم أن العنعنة ها هنا تصرف من الراوي عن مالك، أو تصرف من الراوي عن أبي الزناد؟ هذه مسألة مهمة، وقل من يطرقها في هذا المبحث. قل من يطرقها لأنه لا يعقل أن مالكا يقول في الرواية عن نافع... هذا لا يعقل، لا يعقل أن يقول مالك: عن نافع كذا، عن نافع كذا، عن نافع كذا. لا يعقل. وكذلك لا يعقل أن نافعا يقول: عن أبي هريرة، عن أبي هريرة كذا، عن ابن عمر كذا. الأصل أن يقول مالك: حدثني نافع، هذا الأصل. ويقول نافع: سمعت ابن عمر، هذا الأصل. فالأصل أن ما بين نافع وابن عمر صيغة سماع، وما بين نافع ومالك صيغة سماع. فالعنعنة لا يبتدأ بها، حتى في كلامنا اليوم: تريد أن تخبر بكلام مثلا سمعته من الشيخ ابن باز، فتقول: عن ابن باز أنه كذا وكذا؟ تقول: قال ابن باز كذا وكذا، سمعت ابن باز قال كذا وكذا. هذه عادة أهل العلم. ولهذا الراجح في هذا أن هذا تصرف، إما من الراوي عن مالك، أو من الراوي عن الراوي عن مالك. لا يخل الأمر من الأمرين. هذه العنعنات التي في الصحيحين لا وجود لها في أصل الحديث، وإنما هي تصرف من الرواة، إما من الشيخ الذي يروي عن أبي الزناد أو مالك، أو من شيخ شيخه. لكونها صارت سلاسلة، يقولون: سلسلة، سلسلة الذهب: مالك عن نافع عن ابن عمر، أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، عبيدة السلماني عن علي، الزهري عن سالم عن ابن عمر، صارت سلاسلة. بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، عمر بن شعيب عن أبيه عن جده. هذه تسمى إيش؟ سلاسلة. يروى بها كم من الأحاديث؟ أحاديث كثيرة. وهذا ما استظهره العلامة أبو عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في بعض رسائله رحمه الله، استظهر هذا، رحمه الله وغفر له، استظهر هذا. إذن هذه تصرف من الرواة، لا يعقل أن يكون الرواة فعلوها، لا يعقل، وإنما فعلت لأجل الاختصار، هذا الأمر الأول، ولأجل أيضا كثرة الاستعمال: مالك عن نافع عن ابن عمر، مالك عن نافع عن ابن عمر، أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، الزهري عن سالم عن ابن عمر، وهكذا. كثر استعمال هذه السلاسل، فبدل من أن يقولوا: قال مالك حدثنا نافع، قال نافع حدثنا ابن عمر، قال مالك حدثنا نافع، قال نافع حدثنا ابن عمر، قال الزهري حدثنا سالم، قال سالم حدثنا ابن عمر، فيه نوع ثقل، فأرادوا الاختصار، كأنهم يقولون: هذه علم على السماع لا يشك فيها، فتذكر بالعنعنة. عندك بعد الله واضح المسألة؟ طيب، جزاك الله. إذا كان لكم شيء، ولو وقفنا ها هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر