الدرس في شرح كتاب التوحيد 149، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي حول النشرة وفك السحر، وتناول تحريم بعض أنواع النشرة التي كانت متبعة في الجاهلية. النبي صلى الله عليه وسلم بين أن النشرة من عمل الشيطان.
استدل العلماء بحديث جابر على عدم جواز الذهاب للسحرة لفك السحر، وأشاروا إلى خطورة التمائم حتى لو كانت من القرآن. السحرة يسحرون الناس ليبتزوا أموالهم.
تناول المقطع معنى الكراهة في الشريعة وتطور استخدامها بين السلف والمتأخرين. السلف كانوا يستخدمونها بمعنى التحريم واستشهدوا بآيات القرآن وأقوال الصحابة والتابعين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان ما جاء في النشرة، فقول جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، مر معنا بدرس أمس ما معنى النشرة، وأن النشرة طريقة من طرق العلاج في علاج من كان به مرض من مس، ثم اصطلح العلماء على أن معنى النشرة حل السحر عن المسحور، أي فك السحر عن المسحور، هذا معنى النشرة كما اصطلح عليه العلماء. فهنا نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من عمل الشيطان». هذا الحديث إخواني في الله، أولًا من خلال النظر إلى صحته وعدم ذلك، اختلف العلماء في ثبوت هذا الحديث. شيخنا مقبل ابن هادي الوادعي رحمه الله ضعف هذا الحديث، وأورده في كتابه «أحاديث معلة»، ظاهرها الصحة. وأورد حديث جابر؛ لأنه من طريق وهب بن منبه عن جابر، ووهب لم يسمع من جابر، فالحديث فيه انقطاع. ولهذا أورده شيخنا في «أحاديث معلة». لكن هذا الحديث جاء له شواهد، فقد جاء له شاهد من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى بهذا المعنى، وهو أيضًا فيه ضعف، وجاء كذلك من طريق آخر مرسلة. فمن خلال توافد هذه الطرق مع ما فيها، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحديث يثبت بشواهده، فهو حسن بشواهده، كما ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم كصاحب «النهج السديد» وغيره. فعلى قول هؤلاء النخبة والثلة من أئمة أهل السنة، فالحديث حسن بشواهده. فحكم نبينا صلى الله عليه وسلم عن النشرة بأنها من عمل الشيطان، وهذا الحكم وهذه اللفظة تدل دلالة ما على التحريم؛ لأن كل ما كان من عمل الشيطان فهو محرم بدلالة الألفاظ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ولا يشك أحد أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كلها من أعظم المحرمات، فوصفها ربنا جل وعلا بقوله: «من عمل الشيطان» دل على أن هذه اللفظة «من عمل الشيطان» كل ما كان من أعماله ومن أفعاله فهي من عداد المحرمات. فلما يقول نبينا عن النشرة بأنها من عمل الشيطان، دل على أنها محرمة. يأتي الإشكال ها هنا، قد يقول قائل: قد علمت وتعلمت على أن النشرة - وهي فك السحر عن المسحور - منها ما يكون جائز، ومنه لا يكون جائزًا، أي يجوز ومنه لا يجوز. فكيف هذا الحديث الذي فيه نبينا صلى الله عليه وسلم حكم على جميع النشرة بأنها من عمل الشيطان؟ فقال العلماء: فهم هذا الحديث ليس على هذا المنحى؛ لأن هنا جابر قال: «سئل رسول الله عن النشرة»، هنا تفقه يا عبد الله وتفطن للألف الموجودة هنا، النشرة هنا «أل» يسميها الفقهاء والعلماء وأهل البلاغة والبيان بـ«أل العهدية»، أي أن الصحابة سألوا رسول الله عن النشرة و«أل» العهدية، أي النشرة المعروفة عندهم. فهم سألوا عن نوع معين من النشرة، فهنا «أل» ليست للجنس وليست للعموم، وإنما هنا «أل» للعهدية، يا رسول الله ما تقول في النشرة؟ وما الذي أراد جابر ومن معه في النشرة؟ أي النشرة التي نعملها في أوقاتنا في أيام الجاهلية. فقال عليه الصلاة والسلام: «هي من عمل الشيطان»، فهنا هذا الحديث يُحمل على تحريم ما كان من أمر الجاهلية. وماذا كان يعمل أهل الجاهلية؟ أهل الجاهلية كانوا يفكون السحر بسحر، ما كان عندهم رقى، ما عندهم قرآن، ما عندهم أذكار، ما عندهم أدعية، ما عندهم ما في هناك إلا سحر بسحر، مقارعة الأسحار، مقارعة السحرة، تتدخل الكبار، وكلما أبطل إنسان بسحر ساحر، بحث عن ساحر أقوى من الأول، أقوى من الأول، هذا يبطل عمل ذاك، فأصبحت مهنة السحر تنمو عند العرب، فجاء الإسلام بقطع الطريق لهذا النوع من أنواع النشرة، وأنه لا علاج فيها، وأنها من عمل الشيطان. وبهذا نعلم، وبهذا الحديث استدل به الكثير من أهل العلم على عدم جواز الذهاب للسحرة حتى يفك السحرة عن المسحور؛ لأنها من عمل الشيطان، وهذا الذي كان يعمل عند العرب. وقد أشرنا في أوائل الدروس إخواني في الله حول ما يفتح المجال لمثل هذه المسائل، لو أتيح المجال يا مسحور اذهب إلى ساحر آخر حتى يعينك على فك سحرك، لرأينا يا عبد الله أن الشرور والفتن ستعم وتطم على هذه المجتمعات، بذكر جماعة من أهل العلم، كما أشار ذلك الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى: أن من خبث بعض السحرة، ماذا يفعل؟ لربما ركدت المعيشة عنده، ضعفت، ما هناك دخل، ما هناك زبائن، فماذا يفعل؟ هو شيطان، ويوحي له الشيطان بفكرة شيطانية أخرى، ألا وهي أنه يعمل سحرًا لشخص ما، لكن ليس لأي شخص، يختار الأسرة التي يرى أن من ورائها الأموال والأرزاق، فيتعمد مثلًا إلى هذا الساحر، طبعًا ما أحد أمره ولا أحد طلب منه، لكن هو الذي يقوم بهذه الخطوة الاستباقية، فيذهب ويسحر ابن فلان أو بنت فلان من التجار؛ لأنه يعلم أن مآلات الأمور هؤلاء إذا أرادوا أن يفكوا السحر سيلجأون إليه. فحين إذًا جاءوا إليه، ماذا سيفعل؟ سيفرض عليهم الأموال طلبًا للعافية، سيذهبون هنا إلى الخارج إلى الداخل، وقد أنفقوا الأموال، ثم حينها يأتون إليه: يا شيخ أخي، بنتنا سأعينكم، ما فيها سحر، أنا سأفك السحر، لكن المبلغ يحتاج إلى جهد ويحتاج إلى ثلاثمائة ألف، أربعمائة ألف، ابتزاز، ابتزاز الأموال. قد أشار الحافظ الحكمي رحمه الله إلى فعل جماعة من السحرة في ارتزاقهم الأموال عن طريق أن يسحروا غيرهم حتى يطلب منهم فك السحر عنهم. فتفطن العلماء لهذا الباب، فألغوا الإتيان إلى السحرة، لا لعمل السحر، ولا أيضًا لفك السحر، «ولا يفلح الساحر حيث أتى»، هذا ما يتعلق بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي سئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان». قال رحمه الله تعالى: وسئل أحمد عنها، فقال: «إن ابن مسعود يكره هذا كله». مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بعد إيراده لحديث جابر هذا الأثر عن الإمام أحمد: أن الإمام أحمد سئل كذلكم عن النشرة، فقال: «إن ابن مسعود يكره هذا كله». وكان كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في مسألة ماذا؟ في مسألة من يجعل القرآن يجعل القرآن حصنًا حصينًا له من السحر من الحسد من العين، لكنه يجعلها بطريقة معينة. وما هي الطريقة المعينة؟ أن هذا الإنسان المسلم يحتمي بالقرآن من العين والسحر بالصرف، بجعل القرآن تميمة، بجعل القرآن تميمة. فهنا قال إمام أحمد: «إن ابن مسعود يكره هذا كله»، أي بمعنى أن التمائم بشكل عام لا تنفع، لا تنفع في رد السحر، ولا في رد الحسد، ولا في رد العين، على أي وجه كانت، سواء كانت بالقرآن أو بغير القرآن. وهذه مسألة قد مرت معنا إخواني في الله في أوائل رسالة كتاب التوحيد، في مسألة الرقى، وأشرنا إلى مباحثها ومسائلها. وكان الكلام على هذه المسألة بالذات، ونجدد البحث فيها، وهي مسألة قلنا: أن الرقية الشرعية - وهي علاج من الأمراض، وكذلك من الأمراض العين والسحر والصرف - يكون بالقرآن، لكن الذي نعنيه بالقرآن: بقراءته، بجعله وردًا، بجعله ذكرًا، بتلاوته. لكن يلجأ بعض الناس إلى أنه يحتمي بالقرآن بجعل القرآن تميمة، كيف تميمة؟ مثل يجعل القرآن معلقًا، يجعل القرآن معلقًا، هل هذا ينفع؟ الجواب: لا، هذا ما ينفع، فالتميمة تكون تميمة ولو كانت قرآنًا، ما تنفع صاحبه، ولن ينتفع بها صاحبها في رد السحر أو رد المرض أو رد العين أو التحصن من الجان والشياطين؛ لأن هذا ما عرف عن سلفنا الصالح. وانظر للمسعود، وهو من خيرة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال الإمام أحمد: «إن ابن مسعود يكره هذا كله». وما معنى «يكره»؟ انتبه هنا «يكره» الذي عليه الأوائل من الصحابة، ومن شأن بعض العلماء أنهم يستخدمون الكراهة بمعنى التحريم، يستخدمون الكراهة بمعنى التحريم، للكراهة عند المتأخرين يعني: يقولك هذا مكروه، أفضل لك تتركه، الأفضل أن تتركه، هذا الذي عند المتأخرين، لا، لكن عند الآوائل «مكروه» عنده بمعنى المحرم، هذا مكروه أي حرام. وهذا قد جاء به نص القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، الله سمى الأشياء الماضية «مكروه» فما الذي مضى؟ أتدل من الذي مضى؟ في الآيات السابقة فيها: «ولا تقربوا الزنا»، فيها: «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق»، وفيها: «ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلمًا»، كل هذه المحرمات موجودة، ثم ختمها ربنا: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، سماه ربنا «مكروه» بمعنى محرم. فالشريعة تستخدم لفظ الكراهة في الأشياء المحرمة، وهذا كان عليه السلف الصالح، منهم ابن مسعود، فلما يقول ابن مسعود: «يكره هذا»، أي حرم هذا عندنا، أي هذا حرام. ومما أذكره من باب الفائدة: أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان يستخدم هذا الأسلوب، لعظيم تأثره بنص القرآن، كان كثيرًا ما يستخدم لفظ الكراهة وهو يريد التحريم، كما حرر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين». ولهذا جاء من جاء من الخلف، وإذا رأى عبارة عن إمامنا الشافعي: «وأكره كذا»، وأكره كذا، الشافعي يقول: الأكره عن الأفضل، لا تفعله، لا يا عبد الله، لا تفهم كلام الشافعي هذا، كما تجد في باب الجنائز، تجد يقول: «وأكره أن يبنى على القبر»، وأكره، وأكره، هل تظن أن الشافعي يكره عن الأفضل؟ لا، إذا قال الشافعي: «أكره»، أي أحرم هذا، فهو حرام عنده. والأمثل على ذلك كثير جدًا، ولماذا الشافعي يستخدم لفظ الكراهة بدل التحريم؟ قال العلماء: أولًا تمشيًا مع نص القرآن، ثانيًا أن هذا فعل جماعة من السلف، يحاولون أن لا يستخدموا بكثرة لفظ الحرام؛ لماذا؟ حتى لا يدخلوا في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾، من خوفهم من خوفهم أن لا يندرجوا تحت هذه الآية، فكانوا يمتنعون خوفًا من لفظ التحريم، فيقول: «كراهة» ويكره، وهذا «مكروه»، وأكره كذا. فينبغي لمن يأتي من بعدهم - كحالنا - أن نفهم نصوص الأئمة؛ لأنك تأتي إلى نص، وتقول: «وكره»، وتفهم على فهمك أنت، لا يا عبد الله، فهمك دخيل، فهمك دخيل، وإنما تفهم عبارة الإمام أو المتكلم بما يعنيه من معنى. ولهذا إخواني في الله، فعبارة الإمام أحمد هنا قال: «إن ابن مسعود يكره هذا كله»، أي أن ابن مسعود كان مما يراه حرامًا أنك يا عبد الله تستعين بالقرآن حماية من الصرف والصرف والعين إن جعلته تميمة. وهذا إخواني في الله نجده متداولًا هذه الأيام، بل في الزمن السابق، لا زال الناس يتداولون هذه المسألة، يأتي إلى القرآني قل له: يا عبد الله، إذا أردت أن تحصن نفسك، تحصن عيالك، الله الله بالقرآن، لما نعنيه بالقرآن؟ ماذا؟ أن يكثر من ذكره، أن يكثر من تلاوته، لا، بعض الناس ما الذي يفعل؟ أول ما يبني بيتًا يجعل في صدر البيت ينحت: «قل ما شاء الله»، وإذا دخلت إلى الصالة تجد الأوراق والأوراق، وإذا دخلت السيارة تجد المنشورات والأوراق، أشهد يا عبد الله هل ترى أن هذه حماية تحميك؟ أو بعض الناس يوجد الآن يوجد من يأتي مع وجود هذه المطبوعات المصاحف الصغيرة جدًا، مصحف صغير لو ربما على حجم البنان الأصبع، على حجم بنان الأصبع، هذا ما يقرأ، صحيح ما يقرأ، طب لماذا يطبع؟ لماذا يباع؟ لماذا يشترى؟ يشتريه أناس لجعل القرآن تميمة، لجعله في لفافة أو في ظرف ويعلقه في بيته أو يعلقه في سيارته أو يعلقه في الأماكن التي يريد أن يحترز منها، هذه تميمة، هذه تميمة. فإن أردت يا عبد الله الحرز بالقرآن، إنما يكون بتلاوته، بقراءته، بإتيان بالأذكار الصباح، بأذكار المساء، بأذكار النوم، بأذكار الاستيقاظ، بأذكار الدخول والخروج، إلى غير ذلك، قرآنًا وسنة. فشاهد إخواني في الله في هذه الآثار أورد المؤلف رحمه الله تعالى حديث جابر الذي مر معنا: أن النبي سئل عن النشرة، فقال: «هي من عمل الشيطان»، وقلنا: وهذا إشارة إلى ما كان عليه من عمل أهل الجاهلية من فك السحر بالسحر، فهذا لا يجوز. ثم عقب المؤلف بأثر الإمام أحمد: «إن ابن مسعود يكره هذا كله»، وهو جعل القرآن تميمة، فإن هذا ليس من العلاج المشروع، هذا الذي أذكره في هذا المقام. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.