التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 1

التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 1

الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم والدورات العلمية

يُشيد الشيخ بالدورات العلمية والجامعة الإسلامية لدورها في نشر العلم النافع ومحاربة أهل الباطل. يُبين أهمية هذه المؤسسات في تخرج علماء ودعاة ينشرون الحق في المجتمع.

رسالة ابن تيمية وأهميتها

المقطع يتحدث عن أهمية رسالة ابن تيمية 'رفع الملام عن أئمة الأعلام' وفوائدها العديدة في الرد على أهل التقليد والتعصب. الرسالة تشجع على أدب الخلاف والتعامل العادل مع أخطاء الأئمة والعلماء.

منزلة العلماء ووجوب موالاتهم

يجب على المسلمين موالاة العلماء لأنهم ورثة الأنبياء وهداة الأمة. العلماء هم خلفاء الرسول لأمته والمحيون لما مات من سنته، وبه قام الكتاب وبه قاموا.

أعذار وقوع الخطأ في النقل

المقطع يبين أن الخطأ في النقل لا يسلم منه أحد، وأن من وقع منه ذلك على غير عمد يعذر. يشير إلى أن الأعذار سيتم ذكرها في الفقرة التالية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي منَّ علينا بمثل هذه المجالس المباركة والدورات العلمية النافعة، التي فيها من المنافع الكثيرة والفوائد العديدة ما هي كذلك من عظيم نعم الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحن في هذه الدورة الثالثة، هذه الدورة العلمية لقبول طلاب الجامعة الإسلامية، وبفضل من الله لفائدتها لا تنحصر ولا تقتصر على المتقدمين للجامعة، بل لعظيم نفعها وعموم فائدتها، فإن الجميع ينتفع بهذه الدورة، المدرس والطالب والقريب والبعيد. لأنها دورة تقوم على تدريس كتب أهل السنة والجماعة في أبواب من العلم متنوعة، لا يستغني عنها المنتهي كما كذلك يفتقر إليها المبتدي، فالكل يحتاج إلى مذاكرة العلم عمومًا ومثل هذه الكتب خصوصًا. ويناسب كذلك مقدمة هذه الكلمة أن نذكر بفضل الله عز وجل علينا كذلك بطلب العلم عمومًا، ووجود الجامعة خصوصًا، والجامعة جزء لا يتجزأ من طريق العلم الذي فيه من المنافع الكثيرة في حفظ دين الله عز وجل في المجتمع، فينتفع بذلك الناس أفرادًا وجماعات. ويكون به من المنافع العديدة الكثيرة ما يحصل به الخير للمجتمع، فإن الجامعة مدرسة أخرى تشق طريقها في إثبات الحق ومحاربة أعدائه من الملحدين والليبراليين وأعداء الدين جميعًا، بل ومن الحزبيين فضلًا عن الخرافيين والمشركين وأصناف المبتدعين. ودين الله عز وجل بين الغالي والجافي، ولذلك لا نستغرب أن يوجد لها أعداء ومخالفون، فيسلينا في ذلك قول الإمام أحمد رحمه الله في مقدمة كتابه في الرد على الجهمية، والذي فيه: «وما أحسن أثرهم على الناس وأسوأ أثر الناس عليهم». ويسلينا كذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء في الصحيحين من حديث ثوبان ومعناه جاء من حديث معاوية وغيره: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». ودين الله عز وجل بين الغالي فيه والجافي عنه، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الصراع بين أهل الحق والباطل، أن يجد حامل الحق وصاحبه من المخذلين والمعارضين المعاندين والمخالفين من يكون له بالمرصاد، ولكن لا يضره ذلك. فيسلينا ما سار عليه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن اتبعهم بإحسان من الصادقين المخلصين من أئمة الدين، أئمة الهدى ومصابيح الداء الذين استنار الناس بعلومهم، واستفادوا من حسن مواقفهم ما كان فيه الخير لهذه الأمة. والجامعة والجامع طريقان ينفع الله عز وجل بهما المجتمع، وبفضل الله سبحانه وتعالى أن وفق الله أهل السنة، أهل الوسطية بحق، أهل العدل والاعتدال، أهل البذل والإحسان، ولا نزكي على الله أحدًا. ونرجو أن الله عز وجل أن يعيننا على أداء الأمانة والمسؤولية، أنهم هم من يقوم بهذا الواجب، فبفضل من الله سبحانه وتعالى أدت هذه الجوامع والمساجد، وهذه الدور هذه الرسالة في إخراج العلماء والأئمة والخطباء والدعاة والقراء. فبفضل من الله انتشروا في بلادنا اليمنية وخارجها، عددًا من العلماء والدعاة والخطباء والأئمة والقراء، نفع الله عز وجل بهم نفعًا عظيمًا. فما تجد قرية ولا مدينة ولا حاضرة ولا بادية إلا وفيها من خريجي هذه الدور المباركة من نفع الله عز وجل بهم. وبما كان من طلبهم العلم في هذه الدور المباركة، وهكذا نرجو بإذن الله تعالى أن يخرج الله عز وجل من هذه الجامعة وفرعها من ينفع الله عز وجل بهم في هذه المنابر الأخرى، وهي منابر علم ودعوة وتعليم في الأماكن التي ربما لا يصلها إخوانهم والآخرون فيصلها هؤلاء بهذه الشهادات الأكاديمية. فيزاحمون أهل الباطل ويأخذون هذه المناصب بحق، فيؤدون بعض الأمانة التي حملنا الله عز وجل إياها في إبلاغ هذه الرسالة صافية نقية كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما جاء في حديث العرباض المشهور الصحيح: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضل بعدي أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه»، فلذلك في هذه الأمانة من التكليف ما هو أعظم من التشريف، فهي أمانة مسؤولية يتعاون الجميع في إيصال الحق والهدى الذي أمرنا الله عز وجل بإيصاله. بل أمر رسوله ونبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو الأمر لأمته من بعده، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون. دين الله عز وجل الذي هو بين الغالي والجافي لن يصل إلا بكم يا أهل السنة الذين تدعون الناس بالعلم بالحق والعدل في الخلق، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا يضركم من خذلكم ولا من خالفكم، تريدون ما عند الله سبحانه وتعالى، لا تجازون السيئة إلا بالحسنة، ولا يشغلكم مشاغبة المشاغبين وتخذيل المخذلين وتثبيط المبطلين ومخالفة المخالفين. لأنكم ترجون ما عند الله سبحانه وتعالى، ولا تريدون أن تتأخروا في سيركم إلى الله وفي إيصال الحق إلى من يحتاجه ويفتقره، فعندنا ما يشغلنا من تعلم العلم النافع والتقوى فيه وإصلاح أنفسنا وأسرنا وأبنائنا ومجتمعاتنا علميًا وإيمانيًا. وإيصال ذلك إلى الخلق بقدر ما نستطيع، والصبر والتعاون على البر والتقوى على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضى، ولذلك أحث نفسي وإخواني آباء وإخوة وأبناء أن نجد ونجتهد في تحصيل العلم النافع والانشغال به وتعليمه بعد تعلمه وتبليغه. والصبر على ذلك كله، وأن نعلم أننا كما نفتقر إلى التقوى في العلم كذلك نفتقر إلى التقوى بالعمل، وكما نفتقر إلى التقوى بالعلم والعمل نفتقر إلى التقوى في الدعوة وتبليغ هذه الدعوة والأمانة. وكما نفتقر بهذه ثلاث نفتقر كذلك إلى الصبر على ذلك كله، عسى الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على أداء هذه الأمانة على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. ونبشركم بفضل من الله سبحانه وتعالى أن هذه المنهجية هي منهجية مشايخنا وعلمائنا وأكابر أئمتنا، وكذلك دعاتنا، فإنهم على هذه المنهجية الجمع بين العلم في المساجد والجامعات على الوجه الشرعي الصحيح. فهؤلاء مشايخنا، الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كان رئيسًا للجامعة الإسلامية في المدينة النبوية حين كان من مدرسيها الشيخ الألباني رحمه الله، وغيره من المشايخ الكبار في ذاك الزمان. وهكذا قل أن تجد أحدًا من كبار مشايخنا وعلمائنا إلا وهو ممن درس أو درس في هذه الجامعات الإسلامية التي صارت بفضل من الله سبحانه وتعالى منبع الخير للعالم الإسلامي، خرجت العلماء والدعاة والقراء والفقهاء في أنحاء العالم بفضل من الله سبحانه وتعالى. فكبار مشايخنا جميعًا إما كان مدرسًا أو طالبًا في هذه الجامعات، شيخنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، شيخنا الشيخ الفوزان حفظه الله، شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله، شيخنا الشيخ عبيد رحمه الله، وغيرهم من المشايخ والعلماء الأحياء والأموات. فهم بين مدرس وطالب كانوا في هذه الجامعات، وكانت لهم جهود مباركة في المساجد والجامعات، حتى شيخنا مقبل رحمه الله فهو من خريجي الجامعة الإسلامية، خرج فيها بشهادتين اثنتين، شهادة من كلية الشريعة وشهادة أخرى في الجغرافيا. وليس شهادة واحدة بل شهادتان، سبحان الله، وهو الوحيد من المشايخ الذي خرج بشهادتين، ونجد بعض طلابه اليوم من يجد في نفسه على هذه الجامعات، مع حرص من فيها على الخير وعلى الصفاء والنقاء قدر المستطاع. فكيف بجامعة قد أنشأها إخوانكم أهل السنة والجماعة بحرص شديد وتدقيق في مناهجها وفي مدرسيها، وفي كذلك آلية سيرها بما يوافق الصفاء والنقاء الذي تربوا عليه عند هؤلاء المشايخ السلفيين بفضل من الله سبحانه وتعالى. فكادر بفضل من الله سبحانه وتعالى تربوا كابرًا عن كابر على أيدي المشايخ السلفيين بفضل من الله، سواء أكانوا في جهة التعليم والإدارة أو غيرها من الجهات الأخرى. فهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، وأقول هذا لأننا وللأسف نجد من يشغب في كل مرة وفي كل كرة تكون فيها مثل هذه الدورة، نجد من يشغب ويشوش، ولكن نذكر بما سبق بأننا نسلي أنفسنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». نسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللجميع التوفيق والسداد، وهذه الدورة المباركة قد احتوت على عدد من الكتب النافعة المفيدة، ولأن وقت الدورة مختصر وكذلك قصير، فإنه لزامًا يكون القراءة في هذه الكتب بشيء من العجالة. يتوقف فيها بوقفات يسيرة على أهم ما يحتاج إلى التنبيه عليه في هذه الكتب التي قررت في هذه الدورة طيبة المباركة، وإن شاء الله تعالى على ما هو مقرر، نقرأ في هذه الرسالة رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «رفع الملام عن أئمة الأعلام»، هذه الرسالة من أنفع وأنفس رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ألفها في أواخر حياته رحمه الله، وهي رسالة نافعة ماتعة على صغر حجمها، قد احتوت مسائل جمة وفوائد عديدة، تدلك على تبحر الشيخ رحمه الله وسعة علمه. حتى قال من قال من العلماء حين وقف على هذه الرسالة أنها رسالة كبيرة صدرت من عالم كبير، ولا يمكن أن تصدر إلا من عالم كبير أو كما قال رحمه الله، لأنها فعلًا تدلك على سعة اطلاع شيخ الإسلام في المذاهب والأصول والأدلة والترجيحات وعللها وعدر أصحابها فيها. وألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الرسالة العظيمة النافعة لعدة فوائد من أهمها خمسة فوائد، أولها أن يرد على أهل التقليد والتعصب ما هم عليه من التعصب لأقوال أئمتهم ومذاهبهم على خلاف الدليل الظاهر الذي يخالف قول الإمام. فكأنه يقول: كان لأئمتكم عذر فما عذركم وقد قامت عليكم الحجة وظهر أمامكم البرهان. والثانية أن فيه كذلك ضرب الأمثلة العملية والعلمية لكل من لم يعرف مذاهب العلماء في الخلاف، كيف كان تعامل العلماء في مسائل الخلاف. وهو من أنفس وأفضل ما في هذا الكتاب، فإنه يربي طالب العلم ويهذبه، وكذلك يدربه على كيفية التعامل مع المسائل العلمية والعملية الخلافية التي تقع في مسائل الفقه الكثيرة. والثالثة أن فيها كذلك إعذار هؤلاء إلى إمامة الأعلام فيما وقعوا فيه من خطأ، وأن ما من أحد منهم إلا كجواد لا يسلم من كبوة، كما أن العالم مهما بلغ من العلم فإنه لا يسلم من هفوة. فكبوة الجواد لا تعيب الجواد، جواد ولكن قد علم كل فارس أنه ما من جواد إلا وله كبوة لا تنقصه ولا تحقره، وكذلك العالم مهما بلغ من العلم فإنه لن يسلم من هفوة لن تصطفه ولن تحقره، ولكنها تغمر في حسناته. والعدل عند ذلك أن يميز بين الصواب والهفوة فيأخذ الصواب وتترك الهفوة، والرابع أن في هذه الرسالة كذلك تهذيب في التعامل مع الأئمة فيما يقع فيه من خطأ، كيف ينبغي أن يكون التعامل مع أخطاء الأئمة. فإذا كان قد تقرر أن هؤلاء العلماء الكبار على كبر منازلهم لم يسلموا من هذه الأخطاء، فإن من دونهم من باب أولى، ثم كيف كان يتعامل بعضهم مع بعض في مثل هذه الأخطاء من أدب الخلاف والاحترام وغير ذلك مما ينبغي أن يكون عليه حملة العلم. فلا يكون التعصب على خلاف الحق والحجج والبراهين، ولا يكون كذلك في المقابل الجفاء مع العالم بسبب خطأ تغمر في بحر حسناته، فلا تسقط منزلة العالم كما لا يتابع على الخطأ، وهذا هو الوسط والعدل في التعامل مع المسائل التي وقع فيها الخلاف. والصواب الذي يخرج من هذا الخلاف، والأخيرة وليست الأخيرة ولكن كما قلنا من أهم ما يذكر من خمس فوائد، وفوائدها كثيرة، أنها كذلك تشيع في المجتمع أدب الخلاف الذي ينبغي أن يسلكه حملة العلم فضلًا عن طلابه. كيف يكون أدب الخلاف والتعامل فيه بهذه الأمثلة الكثيرة التي وضحها وبينها شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الرسالة الماتعة النافعة رحمه الله رحمة واسعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الشيخ الإمام القدوة العالم الجليل مجتهد العصر أوحد الدهر تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه وسمائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه وسلم تسليمًا. فيجب على المسلمين بعد موالات الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم وراثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، فقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول لأمته والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وهذا منه توطئة أو تمهيد للدخول في المقصود. وهذا من براعة الاستهلال، فمن براعة استهلاله في دخوله في المقصود بيّن ما يجب على المسلمين من موالاة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين، وهذا لا يشك فيه أحد كما نطقت بذلك أدلة الكتاب والسنة. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الباب. خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، كما نصت بذلك أدلة الكتاب والسنة، فالعلماء ورثة الأنبياء، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ أخذ بحظ وافر». وهكذا كذلك قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32]، أي من العلماء الذين أخذوا العلم عن الأنبياء، وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، وأن هذه الأمة لا نبي بعدها، فعلماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل». وهكذا أحاديث أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى، فإن منزلة العلماء منزلة عظيمة في دين الله عز وجل، وهم كالنجوم كما ذكر رحمه الله يهتدى بهم كما يهتدى بالنجوم في السماء في ظلمات البر والبحر. فإن النجوم جعلها الله كما روي عن قتادة رجومًا للشياطين وعلامات يهتدى بها، رجومًا للشياطين وكذلك العلماء جعلهم الله عز وجل رجومًا لشياطين الجن والإنس، بالحق والبرهان الذي معهم يردون الباطل الذي يأتي به شياطين الجن والإنس. وهكذا علامات يهتدى بهم في معرفة الحق والوصول إليه، فبقول العالم يصل الناس إلى الحق بعد فضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، وهكذا غير ذلك من المنافع فهم كالنجوم. وقوله رحمه الله: «وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم» أي علماء هذه الأمة، لأن علماء هذه الأمة الصادقون هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بحق وصدق، ابتداء من الصحابة ثم من تابعيهم بإحسان. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، قال العلماء: «الذين يلونهم في الزمان والذين يلونهم في الاتباع»، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137]. هؤلاء هم الذين يلون السلف الصالح بالسير بسيرهم والاقتداء بهديهم وسمتهم، وهؤلاء هم علماء السنة الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100] إلى قيام الساعة. فسره سفيان بن عيينة وغيره بحديث ثوبان ومعاوية وغيرهم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وعلماء هذه الأمة هم خيار الناس بعد الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، بدليل أحاديث كثيرة منها ما تقدم، حديث جابر: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، والآية وغيرها من الأحاديث الكثيرة. والحديث الذي تقدم: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ أخذ بحظ وافر»، فالعلماء ورثة الأنبياء كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا اللفظ في عدة أحاديث. ولهذا قال: «فإنهم خلفاء الرسول لأمته والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب» يعني بالثناء عليهم وذكرهم والتنبيه على منزلتهم، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وهم حملة العلم. «وبه قاموا» أي قاموا بالكتاب، وقام بذكرهم الكتاب، وبهم نطق الكتاب، وبه نطق، يعني نطق الكتاب بفضلهم بالإحالة إليهم كما تقدم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وبه نطق أي بالإحالة إلى الكتاب، فهم لا ينطقون إلا بالكتاب والسنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضل بعدي أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه»، فعلماء الكتاب والسنة هم أهل الحق الذي بهم نطق الكتاب وبه نطقوا. وبهم قام الكتاب وبه قاموا، ولهذا كان علماء هذه الأمة خير الناس وخير العلماء في الأمم جميعًا، قال رحمه الله: «ليعلم أنه ليس أحد من الأمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من سنته دقيق ولا جليل». فإنه متفقون اتفاقًا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يأخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لاحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه. وهذا بداية شروع في المقصود في بيان عذر العلماء فيما وقع منهم مما يخالف الصواب، وأنهم إن وقع منهم ذلك فإنهم لم يتعمدوا، ولهذا قال رحمه الله: «وليعلم أنه ليس أحد من الأمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا». وأخرج بهذا ثلاثة أصناف، الصنف الأول أن يكون من الأمة المقبولين، فهناك من المرفوضين كالرافضة والصوفية وسائر أهل البدع من المتكلمين كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية والمرجئة وغيرهم. إن من سلك سواء في باب العقائد أو في باب الفقهيات على غير طريق أهل السنة فإنهم ليسوا من الأمة المقبولين، والثاني قوله: «قبولًا عامًا» لأنه قد يوجد من يكون هناك له قبول ولكن ليس قبولًا عامًا. فتقع منه بعض الشذوذات، فلا يؤخذ بذلك الشذوذ، كما سيأتي عن بعض أهل الرأي وغير ذلك ممن تعصب لبعض الأقوال، فيكون بالجملة من المحسوب من الأئمة ومن طلاب الأئمة، لكن بشذوذه وتعصبه صار ليس من أهل القبول العام. والثالث أنه لا يقع عن عمد، أما الخطأ فهذا لا يسلم منه أحد، فإنه لم يقع من أحد العمد، وإذا كان كذلك فإن الأمة متفقة على أن من هذا حاله فإنه يعذر، وأنه لا شك وقع منه ذلك على وجه الإعذار. وهذه الأعذار سيأتي ذكرها إن شاء الله في الفقرة الآتية التي سنقرأ إن شاء الله في درسنا اللاحق. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. لانتهاء الوقت نكتفي بهذا، والله أعلم.