تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة المنافقون من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الإلهاء بالأموال والأولاد

الآيات تحذر من الإلهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله وتأمر بالإنفاق قبل الموت. يُبين أهمية تقديم حق الله على حقوق المخلوقين.

توجيهات نحو الإنفاق وترتيب الأولويات

يبرز أهمية تقديم واجبات الله على حقوق المخلوقين ويشير إلى خطورة المعاصي والانشغال بالمباحات عن الواجبات. يُوضح معنى الإنفاق الواجب والمستحب.

الإيمان بقدر الله والتوكل عليه

يشرح معنى آية ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ويبين أهمية الإيمان بقدر الله وعدم الخوف من المستقبل أو الموت.

أهمية اللغة ومنزلة القرآن الكريم

يوضح أهمية اللغة وعلاقتها بالقرآن الكريم ويشير إلى منزلة اللغة في الإسلام. يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال المفسر رحمه الله: «يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله» - الصلوات الخمس - «ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون * وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت» فيقول: «رب لولا» - بمعنى هل لا أو لا زائدة ولو للتمني - «أخرتني إلى أجل قريب فأصدق» - بإدغام التاء في الصاد، الأصل في الصاد أتصدق - بالزكاة - «وأكن من الصالحين» - بأن أحج -. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما قصر أحد في الزكاة والحج إلا سأل الرجعة عند الموت. «ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة - سورة المنافقون - وما فيها من عظة وعبر وأحكام وحكم، وختمت هذه السورة بهاتين الآيتين العظيمتين، نداء لأهل الإيمان. كما مر معنا في أثر بالمسعود، وتقدم وتكرر وتقرر أنه إذا سمعنا مثل هذا النداء فإنما بعده من لوازمه، أي مما يستلزمه هذا الإيمان. فمن كان مؤمنا حقًا وصدقًا، لا ينبغي أن تشغله وتلهيه أمواله ولا أولاده؛ لأن المؤمن حقًا وصدقًا يقدم ما عند الله على غيره مما في هذه الدنيا، حتى ولو كان ألصق الناس به كأهله وأولاده وأمواله. قول المفسر رحمه الله: «تشغلكم» هذا من التفسير ببعض المعنى؛ فالإلهاء أوسع من الإشغال، فكل ما صرف عن ذكر الله عز وجل فهو ملهي. فقد تكون بأن تشغلك، أي تأخذ وقتًا وزمانًا ومكانًا يزاحم الزمان والمكان الذي ينبغي أن يبذل في ذكر الله عز وجل. والمقصود ههنا الواجب والمستحب، وما زاد عن الواجب والمستحب فإنه يقدم في ذلك ما يحتاجه الإنسان إن احتاج، وما كان من واجب في حق الأهل والأولاد والأموال فإنه يقدم على المستحب من الذكر. وهذا من فضل الله عز وجل على أهل هذا الدين - ترتيب الأولويات والمطلوبات - الذي هو من مواضع كمالي وجمالي هذا الدين العظيم؛ فإنه رتبت فيه ترتيبًا عظيمًا، فيقدم حق الله، فإذا عارض غيره من حقوق المخلوقين، فقد يقدم حق المخلوق على حق الله عند التزاحم، ولكن ليس فيما ينافي ما أمر الله به من ثوابت الدين، ولكل مسألة حكمها. ومن الإلهاء وما هو فوق الإشغال أن تشغلك بالخواطر والأفكار وتعلق القلب وانشغال الجوارح؛ فإنه مما يدخل فيه الإلهاء عن ذكر الله عز وجل. أنت في الصلاة، فلا ينبغي أن يشغلك حبك لأهلك وأولادك ومالك على أن يأخذ من وقت صلاتك، فينبغي أن تكون الصلاة خالصة لله سبحانه وتعالى. ومن دخلت في صلاته خواطر أمواله وأهله وأولاده، فإنه قد شغل وألهي عن ذكر الله، وهذا ينافي الإيمان وكماله في ذكره سبحانه وتعالى. وهكذا قل في سائر الطاعات والقربات - الواجب والمستحب منها -؛ فإن من ثوابت هذا الدين ترتيب هذه الأولويات بحسب حقيتها، وهذا من فضل الله عز وجل على أهل هذا الدين. وقوله سبحانه: «عن ذكر الله» قال: الصلوات الخمس، وهذا من التفسير ببعض المعنى أو بالمثال، كما يقول بعض أهل التفسير؛ لأن ذكر الله أوسع من أن تحصر في الصلوات الخمس، بل من ذكر الله الصلوات الخمس. فذكر الله منه الواجب، مثاله الصلوات الخمس، ومنه واجب مثل الصيام، وهكذا كذلك أداء حق الله عز وجل في الحج وغيره، وهكذا كذلك الواجبات الأخرى من الأمر بتوحيده، وهو من أعظم ذكر الله سبحانه وتعالى وعبادته وطاعته، كل ذلك من ذكر الله سبحانه وتعالى. ومنها المستحبات، ففي الصلوات كنوافلها ورواتبها، وفي غيرها كذلك النوافل والمستحبات الكثيرة، كلها من ذكر الله سبحانه وتعالى. فلا ينبغي أن يشغلك المستحب من حق الأهل والأولاد والأموال عن المستحب في حق الله، كما لا ينبغي أن يشغلك الواجب في حق الأهل والمال والأولاد عن الواجب في حق الله. وإذا حصل التزاحم، فإن في الشرع ما بيّن لنا ماذا يصنع في التزاحم؛ فالضرورات لها أحكام. فمثلًا على عظم منزلة الصلاة ورفيع قدرها في دين الإسلام، إلا أنه إذا عارض ذلك هلاك قد يعرض للأهل أو المال، فيجوز لك أن تقطع الصلاة. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. مثاله: امرأة صلت، وفي أثناء صلاتها رأت ابنها يتوجه إلى التنور، صغير غير مميز، تخشى عليه أن يحرق نفسه أو أن يسقط في التنور، فماذا تصنع؟ هنا هي في صلاة واجبة، ودفع الضرر عن ابنها واجب، تزاحم أمران، ماذا يتقدم؟ هذه المرأة، الإسلام يأمرها أن تدفع الضرورة عن ابنها، فتخرج من الصلاة وتأخذ ابنها، ثم ترجع وتكمل الصلاة. انظروا، هذا واجب، وهذا واجب، لكن عندنا قاعدة بالشرع: دفع المحظور مقدم على جلب المحبوب. فالصلاة في واجب مطلوب، ودفع الضرورة عن الابن في واجب آخر، وهو دفع محظور، فيقدم هذا على هذا عند التزاحم. وغير ذلك مما ذكر في ثوابت هذا الدين، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته. لكن إذا استوى الأمرين، فقدم حق الله على حق المخلوقين، فضلًا أن لا يستوي الأمرين. وهذا هو الغالب؛ فإن أكثر ما يشغل الإنسان عمومًا والمؤمن خصوصًا هو الانشغال بالمباحات، وربما المستحبات عن الواجبات والمستحبات في حق الرب العظيم سبحانه وتعالى. وقوله: «ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون». كما مر معنا أن تعريف طرفي الجملة يفيد أمورًا ثلاثة، أولها استحقاق وصف المبتدأ بالخبر، فكأنه قال: هذا هو الوصف الصحيح لمن فعل هذا. والخسارة ثابتة في الدنيا وفي الآخرة. أما في الدنيا، إذا كان فيما هو إثم، فهو فيما يكون من تبعات هذه المخالفة. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فينبغي للمسلم أن يحذر من كل مخالفة لأمر الله في ترك واجب أو فعل محرم. والدافع لذلك أسباب كثيرة، وقد يكون من الدافع لأجل المال والأهل والأولاد. كم من الناس رضي بالعمل المحرم حبًا في أهله وأولاده وبقاء ماله؟ فآثر حب المخلوق على ماذا؟ على حب الله سبحانه وتعالى. هذا اشتغل في الربا، وذاك اشتغل في بيع بعض المحرمات من المسكرات والمخدرات والمضرات، خوفًا من الفقر على أهله وأولاده، أو ضياع ماله، وغير ذلك مما هو في هذا المعنى. فهذا خاسر، خسر الدنيا بما هو من شؤم المعصية؛ فللمعاصي شؤم. فالربا يمحق المال، «يمحق الله الربا ويربي الصدقات». هذا الذي يريد يكثر ماله بالربا، أو الذي يريد أن يحفظ أولاده من الفقر بالربا، لم يدرك حقيقة عقوبة الربا الذي هو أعظم من سبعين زنية في الإسلام. فللربا وللمعاصي عمومًا شؤم، من هذا الشؤم ما يصيب الإنسان في الدنيا. وهكذا كذلك في الآخرة عقوبة الله بالدنيا العاجلة والمكتنزة المدخرة في الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يدفع عنا وعنكم. وهكذا كذلك الأمر الآخر: إفادة الحصر بقوله: «هم» يعني كأنه لا خاسر إلا هؤلاء، لا خاسر إلا هؤلاء. وقوله سبحانه وتعالى: «وأنفقوا» في الزكاة. قال المفسر: في الزكاة. والإنفاق أعم من أن يحصر في الزكاة؛ فالإنفاق الواجب في موضعين: في الزكوات المفروضة في الأصناف الخمسة من الأموال التي أوجب الله عز وجل فيها الزكاة في النقدين، وبهيمة الأنعام بشروطها، وهكذا كذلك في الزروع بشروطها، وكذلك ما يلحق ذلك مما ذكره العلماء، كعروض التجارة وغيرها. وهكذا كذلك من الواجب دفع الضرورات عن المسلمين في أوقاتها، فهو من الواجب. وهناك المستحب، وأبوابه كثيرة. فقول سبحانه: «وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت» إلى آخره، أمر بالنفقة الواجبة والمستحبة. وكذلك أمر بالنفقة في الأموال، وفي غيرها من المحسوسات أو غيرها من الأمور المعنوية؛ لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. فمن كان معه علم، ينفق من العلم - الواجب والمستحب -، ومن كان معه منصب، ينفق من هذا المنصب - الواجب والمستحب -؛ فمن الواجب دفع الضرورات عن المضطرين، ومن المستحب مساعدة المحتاجين، وهذا من الإنفاق كذلك. وهكذا قل في غيره مما أمر الله عز وجل به من الإنفاق. وقول سبحانه: «مما رزقناكم» تنبيه لهذا الإنسان وللمؤمن خصوصًا أن ما في يدك إنما هو رزق من الله؛ فالذي أعطاك قادر على أن يأخذه. ولذلك فعجل بالانتفاع منه في آخرتك قبل دنياك؛ لأنه هذا هو الذي يبقى لك. فما أعطاك الله عز وجل إلا امتحانًا وابتلاء لينظر أتطيع الله عز وجل فيه وتسابق فيما ينفعك في آخرتك أم غير ذلك؟ وكم من إنسان رزقه الله ما رزقه من الأمور الحسية أو المعنوية، فلم يضعها، فندم حين لا ينفعه الندم. سَواء أعطاك مالًا فصرت فقيرًا بعد ظنى، يندم الكثير ممن أعطاه الله عز وجل المال أن لم ينفقه في أبوابه التي يحبها الله. وهكذا كذلك من أعطاه الله منصبا ثم فاته، يندم أنه لم يستغله فيما يقربه إلى الله، وغير ذلك. فينبغي للإنسان أن يعجل. وأمر آخر: إما أن يؤخذ منك، وإما أن تؤخذ منه. الأول كثير، والثاني ليس بقليل. كم من النعم التي تأتي في يد الإنسان، فيأخذها الله منه؟ أو العكس، تبقى لورثته أو لمن بعده، ويأخذ الله عز وجل روح هذا الإنسان. فللأمرين جميعًا، ينبغي أن يحذر المسلم أن تفوته ما أعطاه الله من الأرزاق، ولم يوجهها فيما يحبه الله من الواجبات والمستحبات. وقوله سبحانه وتعالى: «من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربي لولا» وهذا أحد الأمرين كما تقدم: إما أن يؤخذ بالموت عما في يده، وأما أعطاه الله، وإما الثاني: أن يؤخذ ما في يده ويبقى متحسرًا متندمًا، كأصحاب البستان الذين ذكرهم الله عز وجل، بخلوا بالزكاة، فأصبحوا وقد أحرق الله عز وجل وأهلك مزرعتهم وبستانهم، فتندموا، لكن حين ماذا؟ لم ينفع الندم. وهكذا كذلك ينبغي أن يعتبر الإنسان. وقوله سبحانه: «فيقول ربي لولا» قال: بمعنى هلا. وعلى هذا قول الكثير من المفسرين؛ لأن اللغة العربية لغة واسعة، لغة المباني والمعاني. والمباني باللغة العربية تحمل معاني كثيرة، وإتيان باللفظ على خلاف معناه له كذلك أسرار وحكم ذكرها أهل اللغة والتفسير. ومن ذلك: تضمين الجملة معنيين: معنى اللفظ الظاهر، واللفظ المبطن لهذا الظاهر بما اقتضاه السباق والسياق. فإن السباق والسياق في هذه الآية يدلان على أن المعنى هلا: «فيقول ربي هلا أخرتني» يعني طلب، يطلب أن يؤخر الله عز وجل، ولكن الأمر ليس كذلك - تمني في وقت الندم - حين لا ينفع الندم. وهكذا كذلك قد يكون على ظاهره: «فيقول ربي لو» للتمني «أخرتني». وهنا قال بعض أهل اللغة والتفسير: أن «لا» زائدة؛ لأن المعنى لا يستقيم بذكر النفي. لو قلت: «لو أعطيتني» ثم قلت: «لو لا أعطيتني» يعني أنت تريد أن يعطيك، أو لا يعطيك؟ بالأول - بدون لا - تريده أن يعطيك، وبالثاني - مع وجود لا - تريده ماذا؟ أن لا يعطيك. والمعنى ههنا هو الطلب التأخير أو عدم طلب التأخير. طلب التأخير لهذا قالوا: «لا» على ظاهر اللفظ، «لو» تكون زائدة. ولكن هذا ليس بصحيح؛ فليس في القرآن لفظ زائد، بل ههنا صلة وتوكيد لدفع الموت، فالنفي لما قبله، فيكون المعنى: «لولا أخرتني»، «لولا» دفعت عني هذا الموت وأخرتني. وهذا من فوائد الإتيان بمثل هذا اللفظ؛ فيكون اللفظ تضمن معنيين اثنين: بظاهره، وبما تضمنه من معنى هلا أو «هلا». وقوله: «إلى أجل قريب فأصدق» يعني أنه يتمنى ولو تأخيرًا يسيرًا يتدارك فيه، بينما كانت معه حياة طويلة لم يستدركها، ولم يعمرها فيما ينفعه. وفي هذا عظة وعبرة: أن الإنسان يستطيع في اللحظات اليسيرة أن يأمر بالأوامر الكثيرة التي ينتفع بها، وذلك حين يرى الموت بين يديه، ولكنه لا ينفعه ذلك. فإذن ينبغي للمسلم أن يستغل ما أعطاه الله عز وجل من الصحة والفراغ والعافية والرزق فيما يحبه الله سبحانه وتعالى. وقوله: «فأصدق» قال: بإدغام التاء في الأصل في الصاد، يعني أصله أتصدق. هذا مبحث معروف في كتب الصرف وقواعده، وله ضوابط، وللإتيان به كذلك أسباب. والأصل في ذلك السماع في اللغة؛ فإنه سمع هكذا. والسبب: تقارب المخرج؛ فعند ذلك يدغم إذا تقارب مخرج بعض الحروف، وتكون أحد الحرفين من الحروف الزائدة مثل التاء ههنا. والحروف الزائدة عند أهل اللغة خمسة، ومنها التاء؛ فإن إدخال التاء في الصاد تجعلها تنقلب من جنسها. فلهذا يقال: «فأصدق» تخفيفًا للغة، وتأكيدًا للمعنى. وهذا من بلاغة وفصاحة اللغة العربية: أن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. والتاء غالبًا يؤتى بها للطلب: «فأصدق» أي فأطلب الصدقة. ولكنه لا يمكنه ذلك؛ لأن وقت الأوان فات. وعند ذلك لا ينتفع بهذا الطلب، ولا بهذه الصدقة. وأكثر من الصالحين قال: بأن أحج. ثم ذكر الأثر عن ابن عباس. والأثر عن ابن عباس - كما أشار بالتعليق - لم يصح، رواه الترمذي وغيره، وهو ضعيف، ولكن معناه صحيح؛ فإنما ذكره بعض ما يطلبه الإنسان عند حسرته إذا قرب منه الموت، وهو لم ينتفع بما أعطاه الله فيما يحبه الله. ثم الآية الأخيرة: «ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون». هذا حكم الله وعدله سبحانه وتعالى: أن من جاء أجله فلن يؤخر. وفي هذا أولًا: ما يتعلق بمعنى الآية. وفيه ثانيًا: ما يتعلق بقدر الله. وفيه ثالثًا: أن الإنسان لا ينبغي أن يخاف من المستقبل؛ لأن كله بقدر الله سبحانه وتعالى. ولذلك لن يتقدم أحد أجله، ولن يتأخر. وأخذ الإنسان بالأسباب لا يقربه من أجله، ولا يبعده من أجله. ولهذا ينبغي أن يكون على ثقة بربه وخالقه: بأن يفعل ما أمره، ويجتنب ما نهاه، ويعمل بطاعته، ويجتنب معصيته، ويتوكل على الله. ويكون على ثقة: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء، فلن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له. وأنهم لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء، فلن يضروه بشيء قد كتبه الله عليه. ومن أكثر ما يوقع الناس في مخالفة أمر الله وتقديم حق المخلوقين هو الخوف من المستقبل، وكذلك خوف - يعني - الفقر، ونحو ذلك. وكل هذا منافي لقدر الله، أو الخوف من الموت. ولن يموت إنسان إلا بأجله. والله خبير بما تعملون. كما مر معنا وتقرر وتكرر: أن اسم «خبير» يدل على بواطن الأمور؛ فإذا علم الله بواطن الأمور، ومنها المستقبل، فإنه للحاضر من باب أولى، وهو بكل شيء عليم. ومن علم هذا وتقرر في قلبه واستيقنه، لا ينبغي أن يدخله في قلبه شك ولا خوف في أمر توكله على الله، وتقديم طاعته عن معصيته، بتقديم شيء من أمور المخلوقين عن أمر الرب العظيم رب المخلوقين. وقوله: «بما تعملون» بالتاء والياء، قراءتان سبعيتان مشهورتان. واختلاف القراءات، وأوجه الكلمات، وتقديم وتأخير الجمل والألفاظ، لها معاني بديعة في كتاب الله عز وجل، بل وفي اللغة العربية؛ لما تتضمنه من المعاني المضافة، وليس هو من التضاد كما يقول الملحدون، ولا من التعارب والاختلاف، بل هو من الاختلاف اللفظي الذي يزيد في المعنى، ولا يعارضه. فإن «تعملون» و«يعملون» لفظ لا يختلف كثيرًا، لكن أضاف معنى آخر؛ فـ«بما تعملون» أيها المسلمون، أيها المؤمنون؛ لأن أول الآية الخطاب والنداء باسم من؟ أهل الإيمان. وبـ«ما يعملون» غير المسلمين، سائر بني آدم، كل إنسان. فالخطاب يتناول هؤلاء وهؤلاء؛ لأن العقوبة لا تقف عند أهل الإيمان، بل الكافر يؤاخذ على تركه أصل الإيمان، وفروع ومسائل الإيمان، كل واحدة بحسبها. ومنها هذا الباب؛ فإنه يؤاخذ عليها كذلك. وبه تعرف عظيمة منزلة اللغة، وكذلك أثر هذه فيها. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.