التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 40

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 40

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التشبه بالكفار وأثر الجاهلية على المهتدين الجدد

يبيّن المحور حرمة التشبه باليهود والنصارى والمشركين في أقوالهم وأفعالهم المذمومة، وأن العبادات لا تصح إلا بتوقيف شرعي. كما يربط بين ثبات المسلم على الإجابة الصحيحة في القبر بعمله في الدنيا، مشيراً إلى أن حديثي العهد بالإسلام قد تبقى فيهم رواسب من عادات الكفر تحتاج إلى وقت للصفاء.

حكمة تغريب الزاني ومنهج أهل السنة مع التائبين

يشرح المحور حكمة تغريب الزاني البكر بعد جلده لقطع علائق القلب بالمعصية، ويبين منهج أهل السنة في عدم تمكين التائب من التعليم إلا بعد ثبوت صفاء عقيدته وزوال رواسب البدعة بشهادة العلماء.

تعليق ابن عثيمين على باب الذبح لغير الله

يستعرض المحور تعليق ابن عثيمين على عنوان باب الذبح لغير الله في كتاب التوحيد، مبيناً أن الشيخ أراد تدريب الطالب على استنباط الحكم من الدليل، وأن الذبح لغير الله ينقسم إلى جائز وشرك أكبر، لذا لم يجزم بالعنوان بأنه شرك.

حكم الذبح لغير الله وأدلة تحريمه من القرآن

يقرر المحور أن الذبح عبادة لا تصح إلا لله، فمن ذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي...﴾ وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، موضحاً أن النسك يشمل كل أنواع الذبح لله وحده.

أولوية الأمة الإسلامية والأولوية المطلقة

يذكر المحور أن الأمة الإسلامية تتميز بأولوية إضافية خاصة بها، بينما توجد أولوية مطلقة تشمل جميع الأمم منذ بدء الخلق حتى قيام الساعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فتتمة للمسائل التي ذكرها في باب: أن تبرك بشجرة أو حجر أو نحوهما. قال: التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا، ومعنى أنه لنا: أي مذموم علينا، كما أنه ذم على أهل الكتاب. فعلى سبيل المثال: قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، لأن اليهود نهوا عن ذلك لغرض سيء، فنهينا عن التشبه بهم. وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي ذم الله عز وجل بها اليهود والنصارى في القرآن، فصارت كذلك بالنسبة لنا. وأخذ هذه الفائدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة لما قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، قال: «لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، فتشبهتم بهم في هذا، فكما أن اليهود ذموا على هذا القول، فكذلك المسلمون ذموا على هذا القول. قال: العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، يعني التوقيف من الشرع بأمر وإذن من الشرع. قال: فصار فيه التنبيه على مسائل القبر: أما «من ربك» فواضح، وأما «من نبيك» فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما «ما دينك» فمن قولهم: «اجعل لنا إلها» إلى آخره. ومعنى كلامه هذا: أن هذه المسائل الثلاث ينبغي للمسلم أن يعمل بها في حياته، فلا يوفق للثبات على الجواب الصحيح فيها في القبر إلا إذا كان عاملا بها في حياته. فقوله: «من ربك» فواضح، أي أنهم كان متقررًا عندهم هذا الأمر حتى عند مشركي قريش، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فهذا الأمر واضح بالنسبة لهم. ثم أن معنى «من ربك» يعني يشمل الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، لكن أراد المؤلف النقطة الأخيرة، وهو «ما دينك»، فما سيأتي. وأما «من نبيك» فمن إخباره بأنباء الغيب، يعني في قوله: «إن سنن من كان قبلكم»... هذا فيه إخبار عن أمر مستقبل، فالإيمان والتصديق فيه هو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: «ما دينك» فمن قولهم: «اجعل لنا إلها»، أي أن من الدين أن تصرف العبادة لله عز وجل وحده، أن تصرف العبادة لله عز وجل وحده. قال: الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين. يعني في هذا الحديث: إنما طلب الصحابة التشبه بالمشركين من أهل مكة، وليسوا أهل كتاب. فاستدل النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة بكذلك تشبههم باليهود في قولهم: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، في قوله: «لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها». استدل النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء في شأن اليهود على ما طلب الصحابة لضل عنهم وهو في شأن المشركين. فالتشبه لا يجوز بشكل عام، سواء كان التشبه باليهود أو بالنصارى أو بالمشركين، وإن لم يكونوا من أهل الكتاب. قال: الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقوله: «ونحن حدثاء عهد بكفر». ولذلك تبقى عنده ترسبات، كما يقال: إنسان مثلاً كان على الكفر فأسلم، وما بقي من إسلامه إلا فترة يسيرة، فلا شك أنه ما سيتخلص من كل ما كان يعمل في حال الكفر في لحظة واحدة، وإنما ستبقى عنده رواسب وأشياء كذلك مما كان يعمله في كفره. فالصحابة رضي الله عنهم اعتذر لهم بأنهم حدثاء عهد بكفر. ولذلك الجديد في الإسلام لا يمكن من مفاصل مهمة في بلاد الإسلام حتى يصفو، وحتى يتغلب على تلك الرواسب المتعلقة في ذهنه أو في عمله حال كفره. ولذلك علق العلامة ابن العثيمين على هذه الفائدة فقال: «ولهذا كان من الحكمة تغريب الزاني بعد جلده عن مكان الجريمة، لألا يعود إليها». يعني مثلاً: إنسان زنى وهو ليس بثيب، إنما هو بكر، فمع الجلد يغرب سنة. لماذا؟ ما هي الحكمة من هذا التغريب؟ ذكر العلماء أنه إذا لم يغرب، لعل في قلبه رواسب من هذا الفعل، فلربما يعاود الزنى لوجوده في هذا المجتمع الذي ألف فيه الزنى. فعند تغريبه يزال هذا الأمر، ويذهب مكانًا بعيدًا عن تلك الفاحشة، وتيسر أسبابها. فهذا فيه هذا المعنى، هذا فيه هذا المعنى: أن من تاب من جريمة ما، لربما لا يزال يعلق في قلبه شيء من هذا الأمر الذي تاب عنه. ثم قال: فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن مواطن الكفر والشرك والفسوق. وطريقة أهل السنة: الأخذ عن العلماء الربانيين، وأن من رجع إلى السنة وكان في الضلال لا يؤخذ عنه حتى يشهد العلماء بصفاء ما يعتقد، وزوال ما كان عليه من ضلال. وهذا الكلام موجه لرجل كان مثلاً من الفرق الضالة، كأن يكون مثلاً صوفيًا، وعنده شيء من العلم، عنده شيء مثلاً من علم الفرائض، أو عنده شيء مثلاً من علم اللغة، أو عنده شيء من الفقه، أو نحو ذلك. فرجع إلى أهل السنة، فلا يمكن أهل السنة مباشرة يفتحون له المساجد والحلقات والدروس، لأنه لربما ما زال يعلق في ذهنه شيء من تلك العقائد الصوفية، فيبثها بين طلابه. ويحتاج إلى أن يتعرف أولاً فترة من الزمن على معتقد أهل السنة، وعلى طريقة أهل السنة. فإذا صفا منهجه ومعتقده، وتخلص من تلك الرواسب، حينئذ لا بأس أن يقرب، لا بأس أن يمكن، وأن يمكن العلم. هذا دين، كما قال العلماء: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فلا يؤخذ العلم حتى يشهد العلماء بصفاء ما يعتقد هذا التائب، وأنه قد صفا وتخلص من جميع الشوائب التي تعلق في ذهنه. نعم، فهذا أمر مهم جدًا ينبغي لأهل الحق أن يأخذوه بالاعتبار. فمن الخطأ أن كل تائب يتوب من ضلال يمكن من مجالس وحلقات أهل السنة، وإنما يعطى مهلة، فينظر إلى سيره وإلى صدقه، فإذا صلح وصفا من تلك العقائد، حينئذ لا بأس أن يمكن، ولا يكون ذلك إلا بشهادة أهل العلم له. فهذه مسألة مهمة جدًا ينبغي أن ننتبه لها. ثم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: باب ما جاء في الذبح لغير الله. أولاً: طرح الشيخ العثيمين سؤالاً هنا: لماذا قال: «باب ما جاء»، ولم يقل: «من الشرك الأكبر الذبح لغير الله»؟ لماذا هنا ما جزم بأن الذبح لغير الله شرك؟ ذكر أمرين اثنين: الأمر الأول: أنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا من التربية العملية. يعني كأن الشيخ هنا وضع سؤالاً، شيخ الإسلام عبد الوهاب وضع سؤالاً للطالب، فكأنه يقول لطالب العلم: ما حكم الذبح لغير الله؟ تستنبط هذا من الأدلة التي أوردها في هذا الباب، استنبط هذا من الأدلة التي أوردها في هذا الباب. هذا أمر، وهذا من التربية العملية. والأمر الثاني: لأن الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين: جائز، وشرك أكبر. فمن الذبح مثلاً لغير الله كالذبح للضيف، فقد هذا يلتبس بذبح المحبة لغير الله والتعظيم. في هذا الذبح لغير الله كما سيأتي معنا. فحتى يبين المؤلف أن ليس كل ذبح لغير الله يعد شركًا، يعد شركًا، فقد يكون ذبحًا لضيف أو لحم ونحو ذلك. فأراد أن يبين أنه ليس كل ذبح لغير الله يعد شركًا. وما وجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد؟ واضح: لأن الذبح عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، فمن ذبح لغير الله ذبح محبة وتعظيم فهو شرك أكبر يخرج من الملة، وهذا يناقض التوحيد، وهذا يناقض التوحيد. ثم ذكر دليلين من القرآن. الآية الأولى: قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قل: أي محمد عليه الصلاة والسلام، لهؤلاء المشركين، معلنًا لهم قيامك للتوحيد الخالص. فقل لهم: إن صلاتي، أي أعمالي البدنية. صلاتي، أي أعمالي البدنية، ومن أفضلها الصلاة، سواء كانت فريضة أو نافلة، فما دونها من الأعمال البدنية من باب أولى أنها تدخل في هذا الأمر. فيكون معنى الآية: إن صلاتي وزكاتي وحجي، وكذلك قراءتي للقرآن، وكل هذه الأعمال لله. فذكر الأعلى ليدخل فيه الأدنى. وقوله: «ونسكي»: أي ذبيحتي. نسكي: أي ذبيحتي، وهي أعمال المالية، ومن أفضلها الذبح لله تعالى، فيدخل في ذلك كل الأعمال المالية، كل الأعمال المالية. فذبحي فذبحي لله، وزكاتي لله، وصدقتي لله، وكذلك إنفاق على الأهل والأولاد لله، ونحو ذلك من جميع أنواع العبادات المالية. وقوله: «ومحياي ومماتي»: أي التصرف فيه وتدبير أمري حيًا وميتًا لله تعالى. فهو الذي خلقنا، وهو الذي يدبر أمرنا، ويتصرف في جميع حركاتنا وسكناتنا. فكل محياي ومماتي لله، لا أعمل عملاً في حياتي، ولا كذلك يدبر الله أمري بعد مماتي، إلا وهو لله سبحانه وتعالى وحده. وقوله: «لله رب العالمين»: أي مخلصًا في ذلك كله لله عز وجل لا شريك له. هذا من باب التوكيد. فقوله: «لله رب العالمين»: أي ليس فيه شرك. وقوله: «لا شريك له»: هذا تأكيد للإخلاص لله سبحانه وتعالى في هذا الأمر. ووجه الشاهد من هذه الآية: «ونسكي». وتقدم معنا أن النسك هو الذبح، فيدخل في ذلك جميع الذبح الذي يذبح، سواء كان ذبح هدي أو أضاحي أو عقيقة، أو تقرب إلى الله بنذر، أو نحو ذلك. فكل هذا يكون لله. فمن ذبح لغير الله محبة وتعظيمًا أو خوفًا، فهذا يعد من الشرك، يعد من الشرك. فمن يذبح للجن، أو يذبح وينذر للأولياء والقبور، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر، لأنه ذبح لغير الله. ذبح لغير الله. وما يذبح هؤلاء للجن أو للقبور إلا خوفًا منها وتعظيمًا لها ومحبة لها، ومحبة لها. فعلى سبيل المثال: مثلاً يقول قائل: مثلاً إذا شفان الله سأذبح كبشًا لفلان من الأولياء. طيب، لماذا خص هذا الولي بالذبح؟ يتقرب إليه حتى يشفع له عند الله، وحتى يستجيب لدعوته، ويعني يستنجد به في رفع كربته، وفي شفائه، ونحو ذلك. فهذا كله يعد من التعظيم. كذلك من يذبح للجن، كأن يبني بيتًا فيذبح كبشًا على أركان البيت أو على جدران البيت. فهذا الذبح خوفًا من الجن. الذي يذبح عند دخول العروسة إلى بيتها، هذا خوفًا من أن يؤذيه الجن في بيته. فكل هذا من الذبح لغير الله عز وجل. فالشاهد من الآية: «ونسكي»، أي وذبحي لله سبحانه وتعالى وحده. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. «فصل لربك وانحر». وقبل ذلك جاء في الآية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ما معنى «وأنا أول المسلمين»؟ الأولية تأتي على نوعين، كما ذكر ذلك ابن العثيمين: أولوية إضافية. فعلى هذا يكون معنى الآية: «وأنا أول المسلمين»، أي وأنا أول المسلمين من هذه الأمة، فهو من باب الإضافة، ليس من باب الإطلاق أنه أول مسلم على وجه الأرض، وإنما المراد: وأنا أول المسلمين من هذه الأمة. فيكون المعنى: تمسكًا بهذا الإسلام، تمسكًا بهذا الإسلام، واستجابة لله سبحانه وتعالى فيما يأمر به عباده. هذه تسمى أولوية إضافية. وهناك أولوية مطلقة، ويكون المراد: أعظم الناس إسلامًا، وأتمهم اقتداءً في الأمم، يعني على مستوى جميع الأمم. الأولى على مستوى المسلمين فقط، هذه تسمى أولوية إضافية إلى هذه الأمة. وأما الأولوية المطلقة، فهي على مستوى الأمم جميعًا، منذ أن خلق الله عز وجل الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.