الدرس في مباحث في البدعة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل خطورة البدع في الإسلام وتأثيرها السلبي على الأمة، مشيراً إلى أن جميع البدع مذمومة. يستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار الصحابة لإثبات تحريم البدع.
يتناول هذا الفصل الأدلة من القرآن والسنة على تحريم البدع، مستشهدا بآيات وأحاديث نبوية تؤكد أن البدع ضلالة ومردودة. يشير إلى أن أئمة العلماء قد أكدوا على تحريم البدع وردها.
يشرح هذا الفصل تحريم البدع ومخالفة السنة النبوية، مستشهدا بأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين الذين نهوا عن الابتداع في الدين والتأكيد على اتباع السنة.
يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت مقدمة حول ما نحن بصدده في ذكر المخالفات التي يقيمها الناس، ونحن في هذا الشهر المفضال، وهو شهر ربيع الأول. ومن هذه المخالفات التي أود أن أشير إليها ما يكون من فعل البدع والمحدثات. فكان مما مضى التنبيه على خطورة البدع، وأن شرها يصل أولا إلى صاحبها، فهي شؤم ووبال عليه في دنيا وما يعقبه في أخرى. وليس هذا فحسب، بل إن شؤم البدع يصل كذلك للدين والملة، إذ أن البدع لو ترك لها المجال لتغير الدين، وكان ذلك على حساب أنقاض السنن، ستهجر وتترك وتلغى، وتحيى بدلا عنها البدع والمحدثات، كما رأينا وكما هو حاصل في هذه البلاد وفي غيرها، حينما انتشرت البدع، كيف أن الكثير من السنن اختفت. وهذا من التغيير للدين والملة. ليس هذا فحسب، بل كذلك من خطورة البدع أنها تعود على أهل الإسلام بالويل. وقد ذكرنا في درس أمس بعض النماذج كيف أن المبتدع أصبحوا شؤم على الأمة الإسلامية، ومعول هدم، وكم هي الهزائم المنكرة التي ابتليت بها الأمة على أيدي أهل البدع الذين خانوا أبناء الأمة، كما فعل التتر وكما فعل الخوارج وغيرهم. ولا زال هؤلاء يعدون الطابور الخامس في الأمة المحمدية. وذلكم لأن المبتدع، متى ما تلقف البدع، جعلها دينا يتقرب به إلى الله، فإذا وصل المبتدع إلى حد التدين بالبدع، فيرى أن من لم يفعل هذه البدع بلا دين. ومن هنا يتجرأ المبتدع على رمي المخالفين بالتكفير، بحمل السلاح عليه، باستحلال دمه، كما نرى. كما نجد حتى نسمع من بعضهم ممن يرى أن أهل السنة لا يقرون المولد، قالوا: هؤلاء ما يحبون النبي. سبحان الله، وما حكم من لا يحب النبي؟ كافر صريح. قولوا أن هؤلاء كفار صريح. قولوا بها، لأن هذا معروف، الذي لا يحب النبي مبغض له، فهو كافر. ما الذي أوداهم إلى هذا السلوك؟ عندما تقحمت البدع واستفحلت في قلوبهم. وهكذا كل مبتدع خارجي، ما تريدي أشعري، قدري، مرجئي، جهمي، معتزلي، صوفي، قبوري، إخواني، عزبي، ما من مبتدع إذا تلقف البدعة يجعلها دين، يجعل عليها الولاء، ويجعل عليها البراء. لربما هذا ما فعله في أصول الدين، ما يفعل هذا يفعل هذا في البدعة، فإذا أخذها اعتصم به، ويجعلها ولاء وبراء. من أتى ببدعته هو منه وإليه، ومن لم يأتي بها فإنه لربما نطق باستحلال دمه وماله وعرضه. ومن هنا كان المبتدع شؤم على الأمة الإسلامية. كل مبتدع يحاول أن يحيك المؤامرة على الأمة، لأنهم ما تبعوه على هواه ولا على مجتهد. فكان في درس أمس، إخواني في الله، مقدمة لخطورة أمر البدع. في درسنا في هذا اليوم، بإذن الله، ومن المباحث المهمة المتعلقة بأمر البدع، أن نعرف حكم الشرع فيها. وحكم الشرع في أمر البدع واضح بين، ألا وهو التحريم والتجريم والتضليل لكل من سولت له نفسه أن يأتي ببدعة ويقدمها في شرع الله جل في علاه. وهذا المبحث مهم جدا، لأننا نسمع من كثير من الناس من يهوّن من شأن البدع، بحجة أن البدع فيها ما هو من البدع المحمودة، وفيها ما هو من البدع المذمومة. ومنهم من يرى أن من البدع ما هو بدعة حسنة، ويرى أن من البدع ما هي بدعة سيئة. وبالمقابل منهم من يرى أن البدع تصل إلى المراتب الخمسة، هناك بدع واجبة، بدع مستحبة، بدع محرمة، بدع مكروهة، بدع مباحة. وهكذا أصناف من الناس ذهبوا إلى أن البدع فيها وفيها، وليست على وتيرة واحدة. ومن هنا ظهر التساهل عند كثير من الناس، إذا فعل بدعة ما دافع عنها، وقال: هذه من البدع المحمودة، هذه من البدع الحسنة، هذه من البدع المستحبة. وأخرجها بهذا المخرج. والقول الصحيح والفصل في هذا الباب أن البدع كلها مذمومة، ما يستثنى منها شيء. وسأورد في هذا المقام، إخواني في الله، شيئا من آي القرآن، ومن أحاديث مصطفى عليه الصلاة والسلام، وبعض الآثار عن الصحابة الكرام، في بيان أن الجميع سار على هذا المنهج السوي، لا هوادة في أمر البدع، البدع جميعا تمنع. ومما نبدأ به من كلام الله جل وعلا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فالدين كامل مكمل، ما يحتاج إلى أن يأتي مبتدع ويزيد عليه هنا وهناك، يزيد عليه هنا وذاك. فأتوا بالزوائد والحواشي. الدين ما يحتاج إلى حاشية من أحد. ولهذا كان من فقه السلف رحمهم الله تعالى أنهم فهموا الآية على هذا الفهم، كما نقل عن إمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال في هذه الآية: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة. من زعم أن من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة. إن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فمن لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا. هذا فقه الإمام مالك، إمام أهل المدينة، من أئمة السنة. فهم من هذه الآية على أن الدين كامل، فلا يحتاج إلى ما يسميه بعض الفقهاء وبعض العوام بالبدعة الحسنة. بل إن هذا الكلام في الحقيقة طعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أنه قصر في التبليغ. ونبيه ما قصر، لما قام في حجة الوداع، لما قام في حجة الوداع، قال: ماذا تقولون؟ ماذا تقولون؟ قالوا: نشهد بأنك نصحت وبلغت وأديت الأمانة. فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد. اشهد يعني قد بلغت، بلغت. فمن يأتي الآن ويدعي أن هناك أمرا ما لم يأتي به رسول الله، ما الذي تعنيه؟ قصر، قصر نبينا في التبليغ، فليعد نظرا. فهذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، من أعظم الآيات التي تنسف قواعد المبتدعة. كذلك مما يذكر من الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾. الدين هو دين الله، فلا مشرع له سواه جل وعلا، هو الذي يفرض علينا الفرائض والواجبات والنوافل والمستحبات، وهو الذي ألزمنا باجتناب المحرمات والحرمات والموبقات والعظائم والجرائم، هو الله، هو الله سبحانه وتعالى. فمن هذا الذي يزاحم الرب في تشريعه، فيدعي أن هذه سنة حسنة، وهذه سنة، وهذه سنة، وهذا مما يستحق الأذان، وهذا مما يستحق الإيقام، وهذا مما ينبغي أن يفعل في ربيع الأول، وهذا يفعل في شعبان، وهذا من عند حتى تأت وتفرض على الناس هذه الشرائع. ورحمة الله على الإمام الشافعي حيث قال: من استحسن فقد شرع. جاءت هذه العبارة عنه بألفاظ: من استحسن فقد شرع. الذي يستحسن الأشياء والطاعات للناس هو في الحقيقة مشرع، مشرع. وسيأتي معنا في دروس خاصة ما يتعلق بموقف الإمام الشافعي والشافعية من المبتدعة، سيأتي الحديث عن هذا في فصل خاص. إذن الآية الثانية: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، فمن أدخل في الدين البدع والمحدثات، هو في الحقيقة جعل من نفسه مشرعا مع الله جل في علاه. وهكذا من الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. أمر ربنا جل وعلا باتباع الصراط المستقيم الذي جاء به نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل. ما هي السبل؟ نقل عن إمام المفسرين عن مجاهد بن جبر رحمه الله قال: السبل البدع والشبهات. هذه من أعظم الطرق التي وضعها الشيطان لكي يصد الناس عن الصراط المستقيم. هذا صراط مستقيم وضعه الله لنا، ليسير عليه، فاتبعوه. بينما نحن نسير في هذا الصراط المستقيم بما جاء به رب العالمين في الوحي المبين، وفي رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، إذ نجد أن الطرق انظهرت. من الذي وضع هذه الطرق المعوجة؟ الشيطان. ولو تأملنا هذه الطرق، ما هي؟ كما يقال: الشبه والبدع. الشبه والبدع. فالبدع، عبد الله، ليس من الصراط المستقيم. فالبدع كلها تذم، وما هناك منها ما يستثنى. وأيضا من الآيات القرآن، وأما من الأحاديث فهي كثيرة جدا. منها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «وكل بدعة ضلالة». جاء هذا من حديث جابر في صحيح مسلم. وجاء ذلك من حديث العرباض عند الإمام الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح. وأن هذا من كلامه الذي يأتي به في كل خطبة، قوله عليه الصلاة والسلام: «وكل بدعة ضلالة». وكل عند أهل الأصول هي من أقوى وأصرح ألفاظ العموم. إذا قيل: كل، كل ما يستثنى شيء. فإذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة»، الجواب: إذن جميع البدع ضلالة، حكمها الضلال، ما يستثنى منها شيء. لا يقال: هناك بدعة حسنة، ولا يقال: هناك بدعة محمودة، ولا يقال: هناك بدعة مستحبة. البدعة كلها ضلالة، من قوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الحافظ ابن حجر: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ومن أئمة الشافعية، كما في فتح الباري، معلقا على هذا الحديث، قال: «كل بدعة ضلالة»، قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها. قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، قاعدة عامة. هكذا يفهم العلماء أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. كذلك من الأحاديث ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، من حديث عائشة، كما في الصحيحين، قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». من أحدث كائنا من كان في أمرنا، وهو الدين الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، بمعنى مردود. ومثله جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا يشمل كل من أحدث بدعة، فهي مردود على وجهه. هذا ليس فهمي، تريدون يا قوم أن تسمعوا من قال بهذا؟ هو الإمام النووي، من أئمة الشافعية، لا غبار عليه في هذا المقام. يقول رحمه الله تعالى، معلقا على هذا الحديث: والذي ثبت في صحيح مسلم، قال رحمه الله: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم، فإنه صريح في رد كل البدع والحوادث. صريح في رد كل البدع والاختراعات. هكذا قال رحمه الله، هذا فهمه. ومن أئمة الشافعية، فلا تظنون عندما نحرم جميع البدع أن هذا اجتهاد مننا، بل هذا من أقوال أئمتنا رحمهم الله تعالى. كذلك مما يستدل به من التحذير من البدع ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس، في قصة الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله عليه الصلاة والسلام، سألوا عن تعبده، فكأنهم تقالوها. فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أرقد. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. بلغ نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الخبر، فقام بين الناس وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني لست بأشكم لكم لله وأتقاكم له. مثلي ما أحد مثلي في الخشية والتقوى، يعلم هو من أعلم الناس برب العباد. أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». يشير إلى أناس عندهم حب الطاعة، حب العبادة، حتى أنهم وصلوا إلى هذا الحد، صيام بلا إفطار، قيام بلا نوم. لكن هل أقرهم نبينا؟ لا، هذه ليست سنته، هذا ليس هديه. فتبرأ منهم ومن أعمالهم. من رغب عن سنتي فليس مني. عباد الله، إذا كان هذا الخطاب في حق أناس أرادوا أن يتعبدوا الله، لكن بعبادات ما عليها السنة، فما تقولون في الذي يريد أن يتعبد الله يريد أن يتعبد الله بالرقص وبالطبل وبالدف وبتحريك الرؤوس؟ رأيتموهم رأيتموهم في الزوايا وفي الخبايا وفي أماكنهم في حضاراتهم، هز الرأس والطبل والدف والترنم. بالله عليكم، إذا كان نبينا عاتب ووبخ من أراد أن يصوم ولا يفطر، ويقوم ولا يرقد، فما ظنكم بنبينا إذا رأى من أمثال هؤلاء؟ ما الذي سيفعل بهم؟ هذا حكم عائد إليكم. وبهذا تعلمون أن هديه عليه الصلاة والسلام أنه يلغي كل إحداث في دينه. ومثل أيضا ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد يوما، فإذا بحبل ممدود، حبل ممدود. فسأل عن هذا الحبل، ما هذا الحبل؟ قالوا: يا رسول الله، إنه حبل لزينب، تصلي الليل، فإذا فترت تعلقت به. حب للعبادة، تستعين بهذا الحبل لكي تواصل قيام الليل. لكن هل رضي نبينا عن هذا التعبد الذي ليس من هديه، ولم يكن من طريقته؟ لا. قال عليه الصلاة والسلام: حلوه، المرة الثانية حلوه. وليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد. يقعد. حبال ما عندي حبال في مسجدي. كل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس كيف يتعبدون الله، بماذا؟ بما كان من هديه، وبما سار عليه، صلوات ربي وسلامه عليه. وهكذا، إخواني في الله، أحاديث كثيرة. ونختم هذا المقام ببعض الآثار عن الصحابة ممن ساروا وتربوا على هذا المنهج القويم، لا إحداث في الدين تحت أي مبرر كان. أثر ابن مسعود المشهور والشهير، عندما كان في أرض الكوفة، من أرض العراق، قوم جلسوا حلقا حلقا، الحلقات في المساجد، أنعم بها مجالس ذكر وخير. لكن إذا كانت هذه المجالس تحولت إلى هيئة تعبدية ما أنزل الله بها من السلطان، وما اعتادها الصحابة عن رسول الله، هنا لا تمكن. إذ أن هؤلاء حلقا حلقا، ومعهم رجل يكبر، كبروا الله مئة. ومعهم حصى يكبرون الله مئة، حصى. والجهر الجماعي بهذا التخصيص من الأعداد، طريقة مبتكرة. فلما قام عبد الله بن مسعود، قام على أحد هذه الحلقات، وهي من أكبرها جمعا، عاتبهم وقال: ويحكم، أو ويلكم، يا أمة محمد، ما الذي رأى؟ هل رأى فجورا؟ رأى منكرا؟ رأى ذكرا يسبحون ويحمدون الله ويكبرون الله، وهم جلوس في بيت من بيوت الله، ليس في مأثور، ليس في حانات، وليس في بارات، بل في بيوت الرحمن. لكن البدعة لا تمكن في بيوت الله. فلما رآه مسعود على هذه الهيئة، قال: يا ويلكم، يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم. فهذه آنية رسول الله لم تكسر، لم تكسر، قريب وفاته. وثيابه لم تبل. فقالوا: وعندك يا أبا عبد الرحمن، والله ما أردنا إلا الخير. ما أردنا إلا ذكر الله. ما أردنا إلا السيرة النبوية. ما أردنا إلا أن نرقق قلوبنا. ما أردنا إلا الخير. قالوها، قالوها من قبل. يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لم يدركه. ثم أمرهم بالانصراف. هكذا تربى الصحابة، لا تمكن الحوادث والبدع في أي مكان، وتحت أي مبرر من المبررات. كذلك من هذه الآثار ابن عمر رضي الله تعالى عنه، في مجلسه سمع رجلا عطس، عطس، فقال بعدما عطس: الحمد لله، اللهم صل على محمد. ماذا تظنون بهذا الرجل؟ نقول: أنه رجل محب لرسول الله، رجل يريد أن يغتنم فضل الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن حبه لرسول الله أنه جعله في ذكره، وجعله في ورده، حتى جعله في مسألة العطاس. لما عطس، قال: الحمد لله، اللهم صل على محمد. قاله ابن عمر، لما سمعه، قال: ما هكذا علمنا رسول الله، علمنا أن نقول: الحمد لله. ما رأي المبتدع الآن؟ المبتدع الآن لو سمعوا بهذا، قال: إيش ابن عمر؟ ما له ابن عمر؟ على رسول الله، خلي الرجل يخي يصلي على رسول الله. لا، ليس الأمر هكذا، يا عبد الله. عشوائي، كل من حك رأسه بذكر، أتى به في الصلاة، أتى به في القياءة، في الإقامة، أتى به في أوقات المراسيم. هذا الأمر ليس فوضى، الأمر اتباع. فلما قال ابن عمر، وسمع هذا الرجل صلى على رسوله في مقام ما يصلى عليه، قال: ما هكذا علمنا رسول الله، علمنا أن نقول: الحمد لله فقط. أسكت، أسكت، ولا تزيد، لا تزيد. لكن من الذي يفقه هذا الكلام؟ أخيرا، إخواني في الله، مما أختم به هذا المجلس، ما جاء من الأثر الطيب عن سعيد بن المسيب، من سادات التابعين، رحمه الله. وجد ذات يومه في المسجد أن رجلا يصلي بعد الفجر، في وقت النهي، يصلي أكثر من ركعتين، وقد أكثر من ركوعها وسجودها. فقام ابن سعيد المسيب ونهى الرجل عن يؤدي هذه الصلاة في الوقت الذي نهى عنه نبينا. لكن الرجل أراد أن يتفلسف، أراد أن يستفسر، لما رأى أن سعيد ينهى عن الصلاة، قال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟ يعني يا سعيد، أنا الآن أصلي، صحيح الصلاة هذه ما كانت على هده، لكن أنا أسألك: هذه الصلاة، هل الله سيعذبني عليها يوم القيامة؟ هل تتوقع أن الله يقول: أين فلان بن فلان، ادخل النار، لأنك صليت هذه؟ هذه الشبهة الموجودة عند كثير من المبتدعة، إذا نهيت أهل البدع عن هذه الأوراد والأذكار المبتدعة، يقول: يا أخي، هذا خير، الله سيعذبني على هذا الخير؟ على الصلاة على النبي، على التسبيح، على التحميد، على التكبير؟ أيعذبني الله؟ فقال هذا الرجل لسعيد: أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، لا، لكن يعذبك على خلاف السنة. هنا العقوبة. وهذا كما قال الشيخ الألباني: قال الشيخ الألباني رحمه الله، بعد إيراده لهذا الأثر الصحيح، قال: وهذا من بدائع الأجوبة، من بدائع الأجوبة الذي يسكت بها المبتدعة، الذي دائما يرددون هذه العبارة: نحن في ذكر الله، يعذبنا على الذكر؟ لا، ما يعذبكم الله على الذكر، لكن يعذبكم على خلاف السنة. كما قال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. فشاهد إخواني في الله، هذه خلاصة في هذا الدرس المهم، في معرفة حكم الشريعة الإسلامية أمام البدع، حكمها التحريم والتجريم والتضليل لجميع البدع، ما يستثنى منها شيء. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.