مباحث في البدعة 4

مباحث في البدعة 4

الدرس في مباحث في البدعة 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

البديل عن الابتداع في الدين والتمسك بالسنة

الدرس يتناول البديل عن الابتداع في الدين وهو الاعتصام بالسنة والتمسك بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. الشريعة حثت على التمسك بسنته عليه الصلاة والسلام لضمان العصمة من الخطأ والزلل.

أهمية الاتباع في العبادات والمعاملات

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية الاتباع في العبادات، ويشمل ذلك الطهارة والصلاة والحج والعمرة وإقامة الحدود والأذكار والأوراد. يجب أداؤها كما أداها عليه الصلاة والسلام دون زيادة أو نقصان.

التمسك بالسنة وترك البدعة والاحتفالات المبتدعة

يشرح المقطع أهمية اتباع السنة النبوية في العبادات وترك البدع، مستشهدًا بقصة أبي إسرائيل. كما يبين أن الاحتفال بالمولد ليس من السنة، ويوصي باتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع الأحوال.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، وحديثنا عن البدع والمخالفات، وعن الاختراعات والضلالات التي تقام في هذا الشهر بالذات، أشرنا إلى عدة مسائل، إلى المسألة الأولى، إلى خطورة البدع، ومن ثم الحديث عن حكم البدع، ثم أشرنا إلى ما معنى البدعة. وفي هذا الدرس حديثنا وإياكم، إخواني في الله، يأتي بذكر ما هو البديل إذا كان الشرع الحكيم حرم ومنع ورمى بالتضليل لكل من ابتدع في الدين. إذا ما الجواب؟ وما هو الحل البديل عن الابتداع؟ الجواب: الاعتصام بالسنة، هذا هو البديل الذي حثت ورغبت فيه الشريعة، أن يكون الإنسان سنيا. والسنة هو التمسك بما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام في كل شيء، في أقواله وأفعاله، في اعتقاداته وأحواله، في ملبسه ومأكله ومشربه، في أخلاقه وآدابه، تكون يا عبد الله كما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا هو البديل، ولهذا جاءت الشريعة حاثة الخلق جميعًا على ضرورة التمسك بسنته عليه الصلاة والسلام، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن الميزان والمعيار في محبة الخلق وفي رفعتهم ما يكون من اتباعه عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخبر عليه الصلاة والسلام أن التمسك بسنته فيه العصمة من الخطأ والزلل، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي». وقال عليه الصلاة والسلام: «فإن من سيعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». وهكذا عندما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن صفات أهل الضلال، كما جاء في الصحيحين في حديث حذيفة، عندما أخبر عليه الصلاة والسلام عن ظهور شر في هذه الأمة، فقيل له: يا رسول الله، وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دحن». فلما سئل عليه الصلاة والسلام عن هذا الدحن، قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هدي». فأخبر عليه الصلاة والسلام أن من صور أهل الشر ومكامل الشر أن الإنسان يستن بغير سنته عليه الصلاة والسلام. ولهذا، إخواني في الله، كان التمسك بالسنة من أعظم وسائل الثبات على هذا الدين، وأعظم ما يكون فيه التمسك بالسنة فيما جاء به عليه الصلاة والسلام من طاعات وعبادات. الطاعات والعبادات ينبغي أن تكون على سنته، ومن هنا اشترط العلماء أن العبادات تكون مقبولة بشرطين اثنين: الشرط الأول الإخلاص، أن تكون لله، والشرط الثاني المتابعة، أن تكون على وفق سنته عليه الصلاة والسلام. وقد جاء الشرط الأول والثاني مجموعًا في قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾. من كان يرجو لقاء ربه، أي الأجر والمثوبة والرفعة والجنة، فليعمل عملًا صالحًا، هذا الشرط الأول. ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، لا بد في كل عبادة أن تكون خالصًا صوابًا، خالصًا لوجه الله، وهو الإخلاص، صوابًا أن يكون على وفق سنته عليه الصلاة والسلام. ولهذا، إخواني في الله، كان عليه الصلاة والسلام إذا أدى العبادات وفعل الطاعات، كان يأمر الناس أن يأتسوا به في هذا المقام. مثاله في باب الطهارة، ثبت في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». فهذا الأجر العظيم، مغفرة الذنوب، إنما يكون بالإتيان بالوضوء على أي صورة؟ لا، شرطه أن يكون على وفق ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، فقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا». لا بد أن يكون وضوءك منضبطًا بوضوئه عليه الصلاة والسلام، لا زيادة ولا نقصان، حينها يعطيك الله الأجر الكبير، ما يكون من مغفرة الذنوب. وهكذا قل في أمر الصلاة، عندما تصلي هذه العبادة العظيمة، وهذه الشعيرة الجليلة، ينبغي أن تؤدى كما أداها عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء أيضًا في الصحيحين أنه قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فمن أراد أن يقيم الصلاة، فلابد أن يقيمها كما أقامها عليه الصلاة والسلام، حذو القذة بالقذة، لا يزيد عنها ولا ينقص. إذا جئت بالصلاة موافقًا للسنة، فاعلم يا عبد الله أنك صليت كما صلى نبيك. كذلك قل في من أراد منسك الحج أو العمرة، وكم من أناس منا سافروا للحج والعمرة، إلا أنهم أخلوا بالشرط الأعظم، ألا وهو الاتباع. وغثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». قالها في حجة الوداع، عندما كان يطوف بالناس في المشاعر والمناسك، كان يأمرهم أن يفعلوا في الحج وفي أداء العمرة كما فعله. وهكذا في باب إقامة الحدود وإقامة شرع الله، لا يكون هذا عائدًا إلى دساتيرنا أو إلى قوانيننا أو إلى أعرافنا أو إلى أسلافنا، وإنما هذا يؤخذ من كتاب ربنا ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا ثبت عنه في الصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني، خذوا عني، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». الشاهد أنه قال: «خذوا عني». فهذا الباب يؤخذ من بابه ومن هديه صلى الله عليه وسلم. وهكذا قل في باب الأذكار والأوراد، ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للبراء: «إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». قام البراء رضي الله تعالى عنه بتكرار هذا الذكر، إلا أنه بدل أن يقول: «وبنبيك»، قال: «وبرسولك الذي أرسلت». فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا، يا براء، وبنبيك». عدل له عليه الصلاة والسلام هذه اللفظة. مع أنه قد يقول قائل: وما عسى الفرق بين النبي والرسول؟ إلى أن الأذكار ينبغي أن تأتي بها كما أتاها عليه الصلاة والسلام. فغير البراء كلمة «نبي» بـ«رسول»، فأرجع النبي التصحيح، فعدل «الرسول» إلى «النبي»، قال: «قل وبنبيك الذي أرسلت». واستفاد العلماء على أن الأذكار توقفية. وبهذا نخلص، إخواني في الله، إلى أن العبادات ما تؤتى إلا من قبل بابه، ما هناك مجال للإحداث أو الابتداع أو الاجتهاد، وإنما تأتي بما أتاه عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل، فسأل عنه، فقالوا: إنه أبو إسرائيل، وإنه نذر نذرًا. نذر ماذا؟ أن لا يقعد، وأن لا يستظل، وأن لا يتكلم، وأن يصوم. نذر أربعة نذور في نذر واحد: عدم القعود، سيبقى قائمًا، وعدم الاستظلال، سيبقى في الشمس، وعدم الكلام، فيلزم الصمت، والصوم. فنبينا صلى الله عليه وسلم أمام هذه النذور، ما كان موافقًا لهديه أقره، وما لم يكن حضره ومنعه، فقال عليه الصلاة والسلام: «مروه أن يجلس، وأن يستظل، وأن يتكلم، وأن يتم صومه». القعود هذا ليس من الدين في شيء، والتعبد في شيء، وترك الكلام ليس من الدين في شيء، وعدم الاستظلال ليس من الدين في شيء. فأمر أن لا يقوم بهذه النذور رأسًا، «مروه أن يجلس، أن يقعد، وأن يتكلم، وأن يستظل، وأن يتم صومه». هذا مما جاء في هديه الصيام. فدل ذلك، إخواني في الله، على أن الإنسان ينبغي إذا أراد أن يؤدي عبادة من العبادات، يلتزم بهذا الشرط قدر الإمكان، في صلاتنا، في صيامنا، في آذاننا، في إقامتنا، في حجنا، في عمرتنا، في كل شيء من العبادات التي نتقرب بها إلى ربنا، ننظر هل هي على سنته أم لا؟ فإن كانت على السنة فأنعم بها، وإن لم تكن على السنة فأرح نفسك يا عبد الله، فأنت لست منها في شيء. ولهذا، إخواني في الله، نسأل أهل البدع الذين خاضوا في طابور طويل من المبتدعات، مثل الاحتفال بالمولد، هذا الذي آن سوقها، وما يقوم به أصحابه من الحرص عليها. نسألهم سؤال: هل هذا من سنته صلى الله عليه وسلم أم لا؟ أجيبوا: فعله أو لم يفعله عليه الصلاة والسلام؟ إما نعم وإما لا، وانتهينا. إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب الشأن المولد، مولده، فلو كان خيرًا لأشاعه ولأذاعه ولأمر به وندب إليه، وعقد عاش دهرًا من الزمن، ثلاثة وعشرين عامًا بعد بعثه الله عز وجل، كان في سنة من السنوات يقول: «من أقام مولدي فله كذا»، «من احتفل بميلادي فله كذا». ما أمر ولا أرشد ولا ندب ولا فعل ولا فعل عليه الصلاة والسلام. إذن دل أن هذا ليس من سنته. لو أنه من السنة لحث عليه. لكن بالمقابل هناك أمر في مولده، في ميلاده، هناك أمر هي سنة، افعلها يا عبد الله، افعلها. ألا وهي: سئل عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم الاثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه». يا من أردت أن تعظم هذا اليوم، صم يوم الاثنين، وجزاك الله خيرًا. صم يوم الاثنين، هذه السنة، هذه السنة، ما هناك نزاع بين أهل العلم قاطبة أبدًا. واسمعها مني: أن تصوم يوم الاثنين لما قاله، لما سئل عن صوم يوم الاثنين والخميس، قال: «ذاك يوم ولدت فيه». إذن تريد يا عبد الله الشيء فيه ذكرى، صم يوم الاثنين. لكن ما بال القوم إذا جئنا لهم بالسنة الصحيحة، طمسوها وألغوها وهولوا من شأنها، بينما هم يتجشمون عن ما أنزل الله به من سلطان. فافهم يا عبد الله، يا من تحتفل ببعدك كل البعد عن السنة، وأن الشيطان أقحمك في البدعة. ولهذا، إخواني في الله، فحوى هذا الدرس أن نعلم أن مما يضاد البدعة التمسك بالسنة. كن يا عبد الله متبعًا لسنته عليه الصلاة والسلام في كل أحواله، في اعتقاداته، في منهاجه، في أخلاقه، في آدابه، في علاقته مع ربه، وفي علاقته مع خلق الله ومع الناس قاطبة، وخاصة في باب العبادات. لا تعمل عملًا ترجو منه وجه الله إلا وتظفر فيه على سنة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.