الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع صفة النزول في السنة النبوية واختلاف العلماء في تحديد وقت نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا. ثبتت أحاديث متعددة في نزول الله تعالى في أوقات مختلفة من الليل.
اتفق العلماء على نزول الله تعالى في الثلث الأخير من الليل، حيث يُثبت أهل السنة صفة النزول لله تعالى كما يليق بجلاله دون تشبيه أو تكييف. وردت أحاديث مختلفة في تحديد وقت النزول.
يناقش إثبات صفة النزول لله عز وجل كما ورد في الأحاديث النبوية، مستشهدًا بأقوال السلف الصالح. يُظهر المقطع رفض التأويلات الجهمية لصفة النزول.
يتم الاكتفاء حاليًا بالتأويلات المذكورة مع الإشارة إلى مناقشتها بشكل أوسع في درس لاحق. يشير المتحدث إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله: ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا»، وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»، وقوله: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة». فهذا بعد ما ذكر المؤلف رحمه الله بعض الصفات من القرآن، ذكر الآن بعض الصفات من السنة، إنما ثبت في السنة، فذكر الصفة الأولى صفة النزول؛ لأن صفة النزول ثبتت بالسنة، ولم يأت في القرآن صفة النزول إلى سماء الدنيا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا». وهذه الأحاديث التي جاءت في النزول جاءت على ثلاثة أنواع. جاءت على ثلاثة أنواع: ما جاء في الصحاح والسنن، وأيضا متفق عليه عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينفجر الفجر». فهذا الحديث متفق عليه، ورواه السبعة -أصحاب الأمهات الست والإمام أحمد- وغيرهم من الأئمة. وجاء أيضا كذلك لأنه في النصف الأخير، في النصف الأخير من الليل: «إذا كان النصف الأخير من الليل نزل ربنا جل وعلا». وهذه جاءت رواية في مسلم من حديث أبي هريرة. وجاء كذلك في مسلم من حديث أبي سعيد: «في الثلث الأول من الليل إذا كان الثلث الأول من الليل نزل ربنا عز وجل». فهي على ثلاثة أنواع. واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأنواع مع اتفاقهم على الأول، أن اتفق العلماء على نزول الله عز وجل في الثلث الأخير من الليل، لكن اختلفوا في الأحاديث كيف توجيهها. فمنهم من أشار إلى أن الثابت هو الثلث الأخير من الليل، لكن أيضا قد جاءت الأحاديث صحيحة -كما قلنا- حديث أبي هريرة في النصف، حديث أبي سعيد في الثلث. ولهذا جمع بعضهم على أن النزول قد يكون في الثلث الأول، قد يكون في النصف الأول أو في النصف أو بعد النصف، لكن قوله جل وعلا: «من يدعوني فأستجيب له»، هذا يكون في الثلث الأخير من الليل. هذا جمع القاضي عياض، وكذلك أيضا ذكر مثله الحافظ ابن القيم، كذلك الحافظ ابن حجر. وذكر النوع رحمه الله في شرح مسلم، فقال: أن الله عز وجل أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ينزل بالثلث الأخير من الليل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم أعلمه أنه ينزل في النصف الأخير من الليل، فأخبر أصحابه، فسمع أبو هريرة كلا الحديثين فرواهما. وأيضا سمع أبو سعيد أنه ينزل في الثلث الأول، أيضا رواه. معنى أعلم النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأشياء، وهذا معنى لصحة هذه الأحاديث، لكن كما قلنا مع اتفاقهم على الثلث الأخير من الليل، وأنه الثلث الذي يقول فيه الله عز وجل: «من يدعوني فأستجيب له، ومن استغفرني فأغفر له». وجاء في رواية: «من يسألني فأعطيه، ومن يستعيذني فأعذه». وهذه الصفة صفة النزول هي من الصفات الفعلية التي أثبتها السنة لله عز وجل كما يليق بجلاله وأعظمته، نزول يليق بالله وبجلال الله جل وعلا. وأهل السنة جميعا لا ينظرون إلى ما ينظر إليها البدع؛ لأن البدع يقولون: إذا كان هناك نزول ستكون حركة وتكون حيز -حيز معناه مكان يشغل هذا الشيء- يعني يريدون أن الله عز وجل سيكون في حيز، وهذا باطل. وأيضا يلزم منه -يقولون- الحركة وغيرها من هذه الأشياء التي تكون للمخلوق، تكون للمخلوق، وأما الخالق جل وعلا فهو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فنقول: بنزول الله عز وجل نزولا يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. بل حتى أن كثيرا من السلف كانوا يقولون: «ينزل ربنا جل وعلا»، ولا يقولوا: «ينزل ربه من العرش» -كما جاء ذلك عن الإمام أحمد، وعن أيضا قبله عن حماد بن سلمة وغيره-. وقال بعضهم: أنه أو توقف بعض العلماء -كالحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله-. وأما شيخ الإسلام اختار قول الإمام أحمد، وقد ألف شيخ الإسلام كتابا في شرح حديث النزول، ألف كتابا في شرح حديث النزول. وأيضا كذلك قد جاء إثبات صفة النزول عن الأئمة، جاء عن فضيل بن عياض أنه كان يقول: وجاء أيضا عن ابن المبارك: «إذا قال لك الجهمي: أنا أكبر برب لا ينزل من مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء». هذا يقول فضيل بن عياض. وجاء أيضا عن ابن المبارك: «إذا قال لك الجهمي: أنا أكبر برب لا ينزل من مكانه، قال فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء». واجتمع إسحاق بن إبراهيم بن راهويه رحمه الله اجتمع ببعض المبتدعة من الجهمية ببعض الحكام، وقال ووشى إسحاق بن راهويه وقال لهذا الحاكم -الظاهر أنه طاهر بن عبد الله- قال له: إن إسحاق بن راهويه يقول: إن ربه ينزل. فلما جاء إسحاق بن راهويه قال له الحاكم -الحاكم هذا والأمير- قال له: أنت تقول إن الله ينزل؟ قال: لا، لم أقل أنا، إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم سرد له حديث أبي هريرة في النزول، فقال: ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا فنحن نقول به. فلهذا فصفة النزول ثابتة بالأحاديث، قد أثبتها السلف، وهي صفة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وعما يصفه المبتدعة فتأولوها. فمنهم من قال: ينزل ملك. ومنهم من قال: المراد به الأمر. ومنهم من قال: المراد به الرحمة. وكل ذلك باطل. وإن شاء الله نناقش هذه التأويلات في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.