مباحث في البدعة 12

مباحث في البدعة 12

الدرس في مباحث في البدعة 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية فهم القواعد الشرعية

يتناول أهمية فهم القواعد العامة في الشريعة لتجنب البدع، ويشير إلى اكتمال الدين وأهمية هداية الأنبياء لأممهم. يُبرز دور فهم القواعد في تجنب المحدثات.

اكتمال الدين وعدم التعارض بين نصوص الشريعة

يشرح أهمية اكتمال الدين وعدم الحاجة إلى إضافات جديدة، ويؤكد على عدم التعارض بين نصوص الشريعة لأنها من عند الله. يبين الفرق بين موقف المسلم والمبتدع عند مواجهة نصوص متعارضة.

العصمة وطاعة الله ورسوله

يُنبه إلى خطورة التشكيك في السنة وتضارب الأحاديث، ويؤكد أن العصمة لله ولرسوله فقط. طاعة غيرهما تبع لطاعتهما، مستدلاً بآيات القرآن.

أهمية الرجوع إلى الدليل الشرعي في العبادات

يؤكد أن الدين توقيفي ولا يجوز ابتداع عبادات بدون دليل شرعي. يجب الرجوع إلى الله والرسول في التنازع، والعبادات بدون دليل تعتبر مرفوضة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه المباحث في ذكر الأسباب التي أودت إلى انتشار البدع والمحدثات والمضلات بين الأفراد والمجتمعات، وذكرنا أن من أهم العوامل ما يعود إلى جهل الناس بأمر دينهم، ثم عرجنا إلى بعض المسائل التي لما جهلها الناس حصل هذا البلاء، فكان معنا ما يتعلق بالجهل بالسنة النبوية وعدم التمييز بين صحيحها وضعيفها، هذا الذي أوصل الناس إلى حدوث المنكرات والبدع. كذلك مما أذكره من صور الجهل، الجهل بالقواعد العامة، بالقواعد الشرعية في الشريعة، من خلال استقرائها لنصوصها تأتي لنا بقواعد عامة، هذه القواعد من تفهمها، من تفقها فيها، كان على علم غزير بدينه وبشريعته. هناك قواعد عامة، مثلا الإسلام جاء بحماية الضرورات الخمس، قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، أي لا تضر نفسك ولا تضر غيرك، قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، إذا كنت ستفعل مصلحة ما، لكن هذه المصلحة ستؤدي إلى مفسدة أكبر وأعظم، فلا تفعل هذه المصلحة، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقواعد كثيرة. ليس هذا ما قام ذكرها، الذي يهمني في هذا المقام ما نحن بصدده في باب الابتداء، المبتدعة لما جهلوا هذه القواعد العامة التي سيأتي ذكرها الآن بإذن الله، كان ذلك مدعاة لهم لأن يقعوا في البدع، فانتبه يا عبد الله لهذه القواعد، وهي قواعد معلومة ومعروفة عند كثير من الناس، إلا عند الشواذ من أهل البدع، ولهذا المبتدعة يعتبرون من شواذ المجتمع، هم شواذ بخلاف السواد الأعظم من أهل الإسلام، فهم على ما أراد الله جل وعلا من الامتثال. القاعدة الأولى وهي قاعدة أن الله قد أكمل لنا الدين، هذه قاعدة لا أحد يخالف فيها، الدين كامل، الدين مكمل، ما فيه نقص، ما فيه عيب، ما فيه خلل، قال ربنا جل وعلا ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، من قال هذا؟ رب العباد جل في علاه، اليوم أكملت لكم دينكم، الدين كامل لا نقص فيه. وعلى هذا كان الأنبياء إذا بعثوا ما قصروا، قال عليه الصلاة والسلام «إنه لم يكن نبي قبل إلا ودل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم من شر ما يعلمه لهم»، هذا في حق كل نبي بعثه الله إلى قومه، ما ادخر عنهم شيئا، ما من نبي، ونبينا واحد من هؤلاء الأنبياء، ما من نبي إلا كان حقا عليه، واجب، ماذا؟ أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، كل ما يعلمه من خير أعطاه لأمته، وبالمقابل أن ينذرهم من شر ما يعلمه لهم، وكل خطر وكل شر وضرر يؤذيهم نبههم وحذرهم. هل ترك لنا الأنبياء شيئا بعد ذلك؟ ما ترك لنا شيئا، حتى كان هذا الأمر وهو كمال الدين، وخاصة الإسلام مدعاة الدهشة، مدعاة الدهشة، لا أقول حديثا، حتى قديما هذا اليهودي أتى سلمان الفارسي، قال «يا سلمان، يا سلمان، إن دينكم علمكم كل شيء حتى الخراءة»، خراءة قضاء الحاجة، صحيح، لما تدخل الحمام أعزك الله، الاستنجاء، الاستجمار، استقبال القبلة، استدبار القبلة، إلى غير ذلك، باليسر، باليسر لا باليمن، هذه الآداب من أين جاءت؟ من الشريعة الإسلامية، الشريعة الإسلامية حتى آداب قضاء الحاجة. قال اليهودي «يا سلمان، إن دينكم علمكم كل شيء حتى الخراءة»، فبالله عليك إذا كان الإسلام وصل إلى هذا الحال أن علمنا كيف نقضي الحاجة في الخلاء، فما ظنك بما هو أعظم من ذلكم الطاعات والعبادات والتشريع والتحسين؟ هذا في حق من؟ أدين ما ترك لنا شيئا، أدين كامل. وعندما جاء عمر رضي الله تعالى عنه وجد صحيفة ورقة من التوراة عثر عليها، ففرح بها، عل وعسى أن هذه الورقة فيها زيادة خير، فيها زيادة منفعة على ما نحن فيه، فجاء بهذه الورقة إلى رسول الله، فلما رآها نبينا غضب، عليه الصلاة والسلام، قال «يا ابن الخطاب، أمتهوكون أنتم؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، فوالذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني، يكون بعدي، لا يتقدم عليه، ما يتقدم عليه بشريعة ولا بخير ولا بفضل، يرجع لأن الإسلام كامل، ما نحتاج إلى شيء». فهذه القاعدة، الله جل وعلا أكمل لنا الدين، هل هذه القاعدة تفطن إليها المبتدعة؟ وها هم يدسون في الشريعة أشياء وأشياء، أوراد، أذكار، طقوس، مناسبات، يدخل إلى الخلاء، أضافوا بدع عند الوضوء، أضافوا بدع عند الأذان، هناك بدع عند الإقامة، هناك بدع في الصلاة، بدع بعد الصلاة، راتب فلان وراتب فلان، ثم قس في المناسبات جميعا، ما من شريعة من شريعة الدين إلا ودسوا فيها بدعة. هل نحن بحاجة إلى هذا؟ هل أحد أخبركم أن الدين ناقص حتى تستكملوه يا فلان وفلان ببدعتكم التي جئتم بها؟ ولهذا لما تفطن العلماء لذلكم، كانت هذه العبارة كالإمام مالك حين قال «من قال أن في الإسلام بدعة حسنة فقد تهم رسول الله بالخيانة»، فقد اتهم رسول الله بالخيانة، لأن الله يقول ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فالدين كامل، فهذه قاعدة تحفظ وتطبق. وعظم تطبيقها أن نعلم أن هذا الدين ليس بحاجة إلى أحد، لا إلى دساتير، لا إلى تشاريع، لا إلى قوانين، لا إلى بدع، لا إلى مضلات، لا إلى محدثات، لا إلى شيء، هو كاف بحد ذاته، كامل، مكمل. القاعدة الأولى هذه، القاعدة الثانية التي ينبغي أن نستفيدها ونستفيدها كلنا من هذا الدين أنه لا تعارض في دين الله، لا تعارض بين نصوص الشريعة، نصوص الشريعة ما تتناقض، ما تتعارض فيما بينها، لأن الوحي المنزل سواء كان قرآن أو كان السنة، كله من عند الله، وما كان من عند الله لا يتعارض. ولهذا قال الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، لو كان هذا الوحي ليس منزل وإنما من غير الله، إنما كان من قبيل البشر، لحصر فيه للتناقض والتعارض، لكن لما كان هذا الوحي، النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، جاءت من عند الله، فهي تتفق، لا تفترق، وتتحد، ولا تتعارض أبدا. لكن هذا الذي يعقله المسلم كل مسلم، إذا قيل له «يا عبد الله، هل تظن أن الدين يتناقض؟» قل «حاشا، أعوذ بالله»، يا كافر، لو ربما عاجل بتكفيرك، يعرف أن الشرع منزه، القرآن والسنة منزهة من التعارض والتناقض. حتى أن المسلم لو وقف على آية أو وقف على حديث وأوهم أن هناك تعارض، ماذا فعل؟ أرجع هذا التعارض وهذا الوهم إلى عقله، يقول «نعم يا أبا فلان، أنت ما فهمت»، يعيب نفسه، لا يتجرأ أن يعيب القرآن، ما يتجرأ، وإذا وجد أن الآية هنا وآية هنا بينهما عدم توافق كما يحسب لعلمه الضئيل، يرى أن هناك توافق، ماذا يفعل؟ يقول «أنا ما فهمت، أنا هذه الآية ما استوعبتها، أنا هذه الآية ضروري أسأل عنها»، فيرجع حتى يزيل الإشكال، ليس في القرآن، يزيل الإشكال الذي في عقله. هكذا المسلم يفعل، لكن تعال إلى المبتدع، ماذا يفعل؟ المبتدع عنده ما يبالي، ولو أراد الإسلام والشريعة بالتعارض، إذا قيل له «يا أخي، هذا من البدع»، وقال رسول الله «كل بدعة ضلالة»، يقول «طيب، وكيف هذا الحديث الآخر؟» يرمي حديث بحديث، ما الذي تريد؟ هذا الرمي بهذا الرمي، يعني بمعنى أن رسول الله يقول هنا «كل بدعة ضلالة»، وهنا «ليس كل بدعة ضلالة»، ما الذي تريد؟ قال رسول الله «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رجل البدع مردود»، كيف تفعل بالحديث الفلاني؟ فلا زال يرمي حديث الرسول بحديث رسول الله، يضرب بعضه ببعض، هكذا تفعل يا عبد الله بشريعة المصطفى عليه الصلاة والسلام، أنك تتجرأ على رميها بالتناقض والتعارض، كل ذلك فقط في سبيل أن ينصر هواه، ينصر هواه، لا يسأل عن كيفية الجمع، لا يسأل عن الطريقة السلمية التي تفهم بها الأحاديث النبوية. لا يبقى هذا يضرب هذا، ويبقى على هذا الحال، يجعل التعارض موجود، كلما أتاه رجل ناصح أو سائل، رمى إليه بهذا التعارض، فيخرج الناس وهم متشككين في السنة، متشككين في الدين. واعلم يا عبد الله، يا من تفعل هذا المسلك المشين، أنك تنتصر لبدعتك، في سبيل أنك تضرب الأحاديث بعضها ببعض، صحيح أنك أوقعت الناس في الشك، لكن اعلم أن هذا الشك ربما كبر حتى وقع فيك أنت، ومن هنا قال علماؤنا من سلفنا الصالح «أسرع الناس ردة أهل الأهواء»، أسرع الناس ردة، أسرع الناس الذي يتسارعون إلى الكفر والردة والخروج والمرق من الدين، من هم؟ أهل الأهواء، لأنه ما تربوا على التعظيم للشرع، وإنما عندهم النصر للهوى، ولو تضارب الشرع بعضه ببعض. ولهذا وجدنا وقرأنا عن كثير من المتكلمين، عن كثير من المبتدعة، في آخر أعمارهم أنهم اعترفوا أنهم لا زالوا في شك، قلوبهم مطمئنة، قلوبهم هذه عقوبة من الله، عندما تربوا، ربوا وعتباعهم على أن الإسلام فيه تعارض بين الأدلة، تضارب بين الأقوال والآثار، فعاقبهم ذلكم التضارب في قلوبهم. ولهذا إن سلم أحد من الرد والكفر، فلا يبقى في حياة إلا متذبذبا، لا يطمئن بالإسلام، بخلاف الموحد، بخلاف الذي عظم الشريعة، وعلم أنها من عند الله، فلا يضرب بعضها ببعض. القاعدة الثالثة من القواعد العظيمة في هذا الدين، أن تعلم يا عبد الله أن العصمة لله ولرسوله الأمين عليه الصلاة وأتم التسليم، ما هناك صحة، كائنا من كان، العصمة جعلها الله جل وعلا في كتابه، وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة المتكاثرة في الكتاب، القرآن خاصة، والسنة، على أن الطاعة إنما تكون لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام فقط، في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، «قل أطيعوا الله والرسول»، وما من طاعة بعد طاعة الله ورسوله، إنما هي تبع، تبع لطاعتهما. ولهذا تأمل يا عبد الله في قول الله جل وعلا ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، من هم أولي الأمر؟ على خلاف بين المفسرين من السلف الصالح، منهم من قال «أولي الأمر هم الحكام والأمراء»، ومنهم من قال «أن أولي الأمر هم العلماء والفقهاء»، ومنهم من جمع، ومنهم من جمع، فقال «هنا أولي الأمر هم الحكام لأن لهم الولاية الدينية، الولاية الدنيوية، ويدخل كذلك العلماء لأن لهم الولاية الدينية». فـ«أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، أي الحكام والأمراء والعلماء والفقهاء، الكل يدخل في هذا، طيب، هل هذه الآية فيها على أن طاعة هؤلاء مستقلة؟ الجواب لا، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن القيم، ابن كثير، وجماعة من العلماء. تأمل يا عبد الله في «أطيعوا»، أين كان؟ ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، هنا أولي الأمر لم يذكر فيها طاعة، ما قال «وأطيعوا أولي الأمر»، قال العلماء «دل على أن ما هناك طاعة مطلقة لولاة الأمور، لا للعلماء، ولا للأمراء، بل طاعة العلماء تبع من طاعة الله ورسوله، وطاعة الحكام تبع لطاعة الله ورسوله»، فلم تذكر «وأطيعوا لولاة الأمور»، إنما طاعة من طاعة الله ورسوله، دل على أن الذي يتبع، وبه العصمة، هو الله ورسوله. كما قال ربنا جل وعلا ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فالدين دينه سبحانه وتعالى، وأخيرا العبادات توقيفية، لا يتجرأ أحد على أن يأتي بعبادة من ذكر أو ورد أو عبادة يستحسنها، فضلا على أن يلزم الناس بها، إلا وهو يفتقر إلى دليل شرعي، فإن أتى به فحيها له، وإن لم يأتي به فهي عبادة بدعة، مردودة على وجهه. هذا الذي أذكره في هذا المقام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.