الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 46، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان أن النذر عبادة قربة لا تصح إلا لله تعالى، مستدلاً بآيات الوفاء بالنذر وجزاء الله عليه، وحديث عائشة في وجوب طاعة الله عند النذر، مبيناً أن صرف النذر لغير الله يعد شركاً أكبر مخرجاً من الملة.
يفصل الشيخ تقسيم النذر إلى ثلاثة أنواع: نذر الطاعة الذي يجب الوفاء به وتنتقل ذمته إلى الكفارة عند العجز، ونذر المعصية الذي لا يوفى به وتجب فيه كفارة يمين، ونذر الشرك الذي لا وفاء فيه ولا كفارة، مع التمثيل لكل نوع.
يقرر وجوب الوفاء بنذر الطاعة مع النهي عن إنشائه ابتداءً، ويقرر قاعدة كلية بأن كل عمل ثبت كونه عبادة فصرفه لغير الله فهو شرك، مطبقاً ذلك على الصلاة والذبح والنذر والصيام والصدقة والدعاء والاستغاثة والحلف، ويؤكد أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بل يكفر كفارة يمين.
يشير إلى تقارب أحكام النذر واليمين مما دعا الفقهاء لجمعهما في باب واحد يسمى باب الأيمان والنذور، ويختتم المجلس بالدعاء بالخير والبركة للحاضرين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب من الشرك النذر لغير الله". ومناسبة ذكر هذا الباب في كتاب التوحيد: أن النذر عبادة، والنذر عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، فمن صرفها لغير الله فقد أشرك، ووقع فيما يضاد التوحيد. قال: الدليل. قال: وقول الله تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ [الإنسان: 7]. ومناسبة هذه الآية للترجمة: أن النذر من الأسباب التي يدخل بها الأبرار الجنة، وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك. وقوله: "من الأسباب التي يدخل بها الأبرار الجنة"، لأن الآية جاءت في سياق: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 5-10]. فقرن النذر، أو الوفاء بالنذر، قرن مع بعض العبادات التي بها دخل الأبرار الجنة، فذكر منها خوفهم من الله، وخوفهم من يوم القيامة، وإطعامهم الطعام على حبه، هم يحبون هذا الطعام ويشتاقون إليه، ولكن ينفقونه ويتصدقون به على غيرهم رجاء عند الله، وهذه كلها عبادات، فدل ذلك على أن النذر عبادة، فمن صرفها لغير الله فقد أشرك. هذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية في هذا الباب. الآية الثانية: قال: وقوله: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ [البقرة: 270]. قال الشيخ ابن عثيمين: "وكذلك تعليق الشيء بعلم الله والجزاء عليه، فهذا النذر علقه الله عز وجل بعلمه، فإن الله يعلمه ويجزي عليه". فالجزاء على الشيء، الجزاء الحسن، هذا علامة ودليل على أنه عبادة يحبها الله سبحانه وتعالى، فالعبادة تصرف لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يصرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد أشرك. هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية الثانية: أن الله علق النذر بعلمه والجزاء عليه، وما علقه الله عز وجل بعلمه وجاز عليه بالإحسان، هذا دليل على أنه عبادة. الدليل الثالث: وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ». ووجه الشاهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل نذر الطاعة، أو أمر بالوفاء بنذر الطاعة، والوفاء بالنذر عبادة؛ لأن الذي أمر بالوفاء به هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والعبادة لا تصرف إلا لله، فقال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، اللام هنا في الفعل لام الأمر، فليطعه لام الأمر، والأمر بالشيء دليل على محبة الله عز وجل له وأنه عبادة. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. ثم ذكر الشيخ ابن عثيمين فائدة، وقد تقدمت معنا، ولم يفصل الشيخ ابن عثيمين ويتوسع في شرح هذا الباب؛ لأنه قد تقدم شرح كثير من أبوابه، أو كثير من تفاصيله في الباب الذي قبل هذا، فاكتفى به، وما تقدم يغني عن الإعادة. فذكر هنا فائدة: الفرق بين نذر الطاعة والمعصية ولغير الله، يعني نذر الشرك. عندنا ثلاثة أقسام: نذر الطاعة، ونذر المعصية، ونذر الشرك الذي هو لغير الله. طيب، هذا تقدم معنا، فمن يمثل لنا على هذه الأنواع الثلاثة؟ مثل ماذا نذر الطاعة؟ نذر الطاعة مثل ماذا؟ نعم: نذرت أن أصوم ثلاثة أيام. نعم: نذرت أن أصوم لله ثلاثة أيام، فهذا يسمى نذر طاعة. ونذر الطاعة ينقسم إلى قسمين: نذر مطلق، ونذر مقيد. فمثالك هذا مثال النذر المطلق أو المقيد؟ المطلق، المقيد. نعم: "إن شف الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام لله عز وجل"، هذا يسمى نذر مقيد. فهذا نذر الطاعة: من تلفظ به ونواه يجب عليه الوفاء، يجب عليه الوفاء، فهو كالحلف بالله ينعقد فيه الوفاء، وإذا عجز ولم يستطع انتقل إلى الكفارة، فعلى كل حال يجب الوفاء به. ونذر المعصية: ما مثاله؟ نذر المعصية ليس هو نذر طاعة أو نذر شرك، لكن نذر معصية، مثل ماذا؟ نعم: نذر أن يشرب الخمر. هذا معصية؛ لأن الخمر حرمه الله. فهنا ما حكمه هذا النذر؟ إيش يفعل؟ لا يوفي بهذا النذر، لا يوفي بهذا النذر، فهو ينعقد لكن لا وفاء فيه. نعم، وإيش يفعل؟ نعم: عليه الكفارة، عليه كفارة. وهكذا من نذر أن يتعبد لله في مكان فيه أوثان من أوثان أهل الجاهلية، أو عيد من أعيادهم، فلا يوفي بهذا النذر، ويجب عليه الكفارة؛ لأنه كذلك من نذر المعصية. كل هذا النذر لله لكنه غير صحيح، لا ينعقد. ونذر الشرك: مثل ماذا؟ نذر الشرك مثل ماذا؟ نعم: نذرت أن أذبح للكعبة. نعم، هذا نذر لغير الله، نعم، الكعبة مخلوق من مخلوقات الله. وأوضح من ذلك ما يفعله عباد القبور: ولي نذر أن أذبح كبشًا للعيدروس، أو للمحضار، أو لأحد من هؤلاء الذين يعظمونهم ويخافون منهم ويتقربون إليهم، فهذا شرك، فهذا نذر الشرك. وما حكمه؟ لا وفاء ولا كفارة. إذن ماذا عليه؟ التوبة، وهو ذنب عظيم، فهو ذنب عظيم يجب عليه أن يتوب منه. نعم، هذا هو الفرق بين هذه الأقسام الثلاثة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "المسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر، نذر الطاعة فقط، إذا كان لله". قد يقول قائل: ذكرت فيما سبق أنه بعض أهل العلم ذهب إلى أنه خصوصًا في النذر المقيد لا يجوز أن ينذر المسلم، كيف تقول هنا يجب الوفاء بالنذر؟ كيف الجمع بين الأمرين؟ نحن قلنا: كثير من أهل العلم ذهب إلى أن إنشاء النذر لا يجوز، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»، ولم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وكيف هنا في وجوب الوفاء بالنذر؟ كيف الجمع بين الأمرين عند من عندك يا بلال؟ نعم: إذا أنشأه، يعني بعد ما تلفظ به، بعد ما تلفظ به هنا يجب عليه الوفاء، أما قبل فلا ينشئ، لا ينشئ. لكن أحيانًا بجهل، أو كذلك رغبة في الخير وعاطفة ونحو ذلك، لربما نذر بعض الناس، نذر بعض الناس، فإذا وقع في ذلك يجب عليه الوفاء. قال: الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، أو عبادة، إذا ثبت كونه عبادة الله فصرفه إلى غيره شرك. هذه قاعدة: أي عمل ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك. قاعدة عظيمة: الصلاة عبادة، كما أنه يجب على المسلم أن يصرفها لله، فيجب عليه أن لا يصرفها لغير الله. طيب، قس على هذا: الذبح عبادة، النذر عبادة، الصيام عبادة، الصدقة عبادة، كل شيء ثبت أنه عبادة فمن صرفه لغير الله فقد وقع في الشرك. قاعدة جليلة عظيمة، لو فقهها عباد القبور لما وقعوا في هذه الشركيات التي أشركوا بالله عز وجل بها. يأتي إلى القبر ويدعو، طيب، الدعاء هو العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، فمن دعا غير الله فقد وقع في الشرك، صرف هذه العبادة لغير الله. الاستغاثة عبادة، الحلف بالله عبادة، فمن حلف لغير الله فقد أشرك، على التفصيل المتقدم، أهو شرك أصغر وأكبر. فهذه قاعدة جليلة: أي عمل ثبت أنه عبادة فصرفه إلى غير الله شرك، فصرفه إلى غير الله شرك. قال: الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»، وعليه كفارة يمين، جاء في بعض الألفاظ: «وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». هذه ثلاث مسائل ذكرها الشيخ في هذا الباب، وقلنا: اقتصر، اقتصر في هذا الباب لكون غالب مسائله قد ذكرت في الباب الذي قبله. قال: ملاحظة: النذر واليمين أحكامهما متقاربة، ولهذا جمع الفقهاء بينهما في باب الأيمان والنذور، فكما تقدم معنا أن أحكام هذين البابين من أبواب الفقه متقاربة في الأحكام، فكثير ممن ألف في الفقه يجمع بينهما، يقول: باب الأيمان والنذور، ما يجعل مثلًا باب الأيمان وحده وباب النذور وحده، لا، يجمع بينهما لتشابه واجتماع أحكامهما، واجتماع أحكامهما. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، نكتفي بهذا، وإلى هنا، الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر