التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 48

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 48

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الاستعاذة بغير الله شرك أكبر ودفع شبهة النفع الدنيوي

يبيّن المقطع أن الاستعاذة بالجن أو السحرة والكهان تُعد شركاً أكبر حتى لو ترتب عليها نفع دنيوي أو كف أذى، مستدلاً بآية الجن وحديث الاستعاذة بكلمات الله. ويؤكد أن مشروعية العمل لا تثبت بمجرد حصول منفعة ظاهرية بل بالدليل الشرعي الصحيح.

قاعدة سد الذرائع وفتح البدائل الشرعية للممارسات الجاهلية

يقرر المقطع قاعدة شرعية تقضي بأنه عند نهي الشارع عن أمر محرم أو بدعي، يشرع بديلاً مشروعاً يحقق المصلحة ويدفع المفسدة. ويسوق أمثلة متعددة كاستبدال الاستعاذة بالجن بالاستعاذة بالله، وإبدال كلمة (راعنا) بـ(انظرنا)، وتسهيل الزواج بديلاً عن الفواحش، واستبدال الطبل والمعازف بالشعر النافع، والولائم بالدعاء والصدقة الجارية.

تطبيق منهج البدائل على النوازل ووجوب التريث والرجوع للعلماء

يستعرض المتحدث أمثلة من القرآن والسنة على قاعدة سد الذرائع وفتح البدائل المشروعة كنهي النبي ﷺ عن قول "ما شاء الله وشئت". ثم يطبق هذا المنهج على أحداث فلسطين محذراً من الانفعال العاطفي ومؤكداً وجوب التريث والرجوع لأهل العلم في تقدير المصالح والمفاسد والاكتفاء بالدعاء للنصر.

خاتمة المجلس بالدعاء بالتوفيق والحمد لله

يختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله سبحانه وتعالى أن يوفق الحاضرين لما يحبه ويرضاه. ويختم حديثه بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي ذكره لمسائل باب "من الشرك الاستعاذة بغير الله": قال: المسائل الأولى: تفسير آية الجن، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. عرفنا تفسيرها: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون بعظيم وكبير سيد الوادي الذي ينزلون فيه، فلا يزيدهم أو تزيدهم هذه الاستعاذة إلا ضعفا ووهنا في قلوبهم وفي أبدانهم. الثانية: كونه من الشرك، أي الاستعاذة بغير الله، وهو من الشرك الأكبر، من الشرك الأكبر. والمراد كما تقدم بالاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث، لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. ومعنى كلامه: أن الحديث الذي أورده فيه شاهد على ما بوب عليه من أن الاستعاذة بغير الله شرك، لأن العلماء استدلوا بهذا الحديث على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأنها صفة من صفاته سبحانه وتعالى، ويجوز الاستعاذة بصفة من صفاته، كما في دعاء الكرب: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، فهذا فيه استعاذة بصفة العزة والقدرة، وهنا استعاذة بكلمات الله. وكما تقدم أن هذا الحديث فيه رد على منكري كلام الله، وأن الله عز وجل لا يتكلم، وأن القرآن مخلوق، كل هذا من الأدلة على بطلان هذا القول مع غيرها من الأدلة. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره، فهو دعاء عظيم ينبغي علينا أن نحرص عليه، وأن نحفظه، وأن كذلك نذكره عند نزولنا في أي مجلس من المجالس التي نجلسها، خصوصا إذا خفنا في هذه المجالس من شيء يؤذي، من شيء يؤذي. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك. ووجه الاستدلال بهذا: أن هؤلاء الإنس لما يعوذون بالجن في هذا المنزل أو في ذاك الوادي يسلمون من شر هؤلاء الجن، وهذا منفعة، وليست بمنفعة، هذه منفعة، لكن هذه المنفعة هل بررت كون هذا الفعل شركا؟ لا، هذا الفعل شرك. لأن بعض الناس الآن لما مثلا تنهاه عن فعل الشرك أو الاستعاذة أو اللجوء إلى السحرة أو الكهنة أو العرافين، يقول: هؤلاء يعني نفعهم ظاهر. نقول: نعم، وإن كان نفعهم ظاهر، هذا من أعمال الشياطين، لا يبرر هذا النفع مشروعية هذا العمل. مثلا على سبيل المثال: يذكرون عن البدو أنه إذا لدغ لهم لديغ في وادي أو تحت شجرة، فيأتي الناس ويتحلقون عليه ويتمتمون بكلام، يعني كأنهم يستغيثون بشيء، فساعات يفعلون ذلك فيقوم المريض وكأن ليس به شيء. أن نقول: هذا يجوز؟ هذا ما يجوز، لأن فيه استعاذة بغير الله، وفيه لجوء إلى غير الله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، فالمشروع أن يرقى هذا ما يلمسونه. فمن عندنا يعرف هذه العادة، هذا موجود عند البدو، العادة كيف يفعلون؟ يعني إذا لدغ يحلقون عليه، وماذا يقولون؟ وما هو هذا الكلام؟ غير معروف. نعم، هو من الطلاسم، يعني من الاستغاثات، ويقوم المريض أو ما يقوم، يشفطه أيضا ويقوم. نعم، فهذا يعني نفع موجود، لكن هل نقول هذا يجوز؟ لا ما يجوز. نعم، إذا كان هذا الشفط أو هذا الوغز في مواضع ونحو ذلك تخرج السموم، نعم هذا شيء ظاهر، لكن إيش الحاجة إلى عمل هذه الدورة وهذه التمتمة؟ هذا دليل على أنه عمل غير مشروع. نفعه لربما يرونه، لكن هل معنى هذا أن هذا الفعل جائز لأن النفع ظاهر؟ لا، الشرك هو شرك. كذلك من يلجأ إلى السحرة، لربما يمرض الإنسان فيذهبون عند ساحر، فيذهب ما به من مرض، يذهب ما به من مرض. هل نقول: إذن مدام هذا الناس ينتفعون منه إذن جائز هذا الشيء؟ لا، هذا ليس مبررا، يعني مشروعية الشرك ليس مبررا لمشروعية الشرك. فهذا معنى قوله: أن كون الشيء يحصل به نفع دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك. لا، قد يكون من الشرك. وبعض الضلال من السحرة ومن الكهان إنما يستجلبون عقول الناس بمثل هذه الأفعال وبمثل تلك المنافع التي يراها الناس، يقول: فلان ينتفع منه الناس، لكن يستخدم الطرق المحرمة، يستخدم الطرق المحرمة. يذهب عنده مريض، قل له: اذهب وأتي بكبش أسود واذبحه وفرق لحمه في مكان كذا وكذا وكذا، فيفعل هذا المسكين فيشفى مريضه بإذن الله. هذا عمل الشيطان، الجن هم الذين أمرضوه، فلما تقرب هذا المريض بهذا القربان للجن، يعني كفوا عنه أذاهم، كفوا عنه أذاهم. فهذا نفع ظاهر، لكن هل هذا النفع يبرر هذا الشرك؟ لا، لا يبرر هذا الشرك، هذا من الشرك، من الشرك. فبعض الناس يغتر بما يشاهد من المنافع الظاهرة، من المنافع الظاهرة، فهذا ضلال، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ عظيم. بعدين قال: فوائد أخرى. قال: في الحديث أن الشرع لا يبطل أمرا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه. من ذلك أنهم في الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدلها الشرع بهذه الكلمات. يعني إذا أغلق الشرع بابا من الأبواب المحرمة دل على الأبواب الجائزة، الأبواب المشروعة. فكان أهل الجاهلية يستعيذون بالجن، فقد يقول القائل منهم: طيب، كنا في الجاهلية نستعيذ بالجن فنمنع من أذى أشرار هذا الوادي، فإذا منعنا من هذا فما هو الذي يحمينا وما هو الذي يعصمنا من شر أشرار هذا الوادي؟ فجاء البدل الشرعي وهو ماذا؟ الاستعاذة بالله، الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى. فبدلا من أن تستعيذ بمخلوق، بجن، بشيطان، تستعيذ بالله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يعصمك من شر الأشرار ومن كيد الفجار بالتجائك إليه. سد بابا وفتح بابا آخر. ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين: هذه الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد على الناس باب الشر وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير. وهذا له أمثلة كثيرة في الكتاب والسنة. هذا من الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل. وهذا له كما ذكر أمثلة كثيرة من القرآن والسنة. مثلا من القرآن: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. نهاهم أن يعني يتلفظوا بهذه الكلمة لأن اليهود يقولونها بنية فاسدة، وهو من الرعونة، فالله عز وجل دلهم على كلمة أخرى تؤدي نفس المقصود الذي يقصده المؤمن في خطابه لغيره، وهي كلمة ماذا؟ ولكن قولوا: انظرنا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. إذن حرم الكلمة تلك وأتى بما يعادلها ويقابلها من الكلمات الطيبة. سد بابا وفتح باب آخر. وهكذا الداعية إلى الله عز وجل يأتي مثلا ويحذر من مثلا الزنا أو اللواط أو العادة السرية، فيحثهم على ماذا؟ على الزواج، ويسر لهم أمر الزواج، ويحث الناس على مثلا تخفيض المهور والتسهيل في أمر الزواج، وعدم يعني الكلفة، وعدم كذلك وضع العادات السيئة التي تعيق أو تعيق زواج الشباب. يأتي لهم ببديل، يأتي لهم ببديل شرعي، ببديل شرعي. هكذا مثلا الداعي إلى الله عز وجل في الأفراح، مثلا حرم على الرجال الطبول والمزامير، فيقول لهم: لا بأس أن تأتوا بشعراء، ويكون هناك مساجلة شعرية، ويكون هناك زوامل تحث على الجهاد، تحث على العلم، تحث على الأخلاق الفاضلة. يأتي لهم بباب آخر جائز، ويسد مسد هذا الحرام، يسد مسد هذا الحرام، حتى لا يقولون: طيب، إيش نفعل في أفراحنا؟ إيش نقول؟ كذا. تفتح لهم أبواب مشروعة، تفتح لهم أبواب مشروعة. هكذا مثلا في العزاء، مثلا يعني نهيتهم عن الولائم هذه، وعن كذلك النياحة، وعن كذا. فتقول: يعني العزاء أن تذهب إلى الميت وتواسيه بالدعوات النبوية، وهكذا تصبره، وهكذا تسليه. فهذا هو الذي شرع في ديننا. يريد يتصدق، بدلا من أن يتصدق بهذه الطرق المبتدعة، يتصدق بطرق يعني فيها من عظيم الأجر لهذا الميت، عظيم الأجر لهذا الميت. يعني ذكر لي الأخ سعيد السقطري يعني قصة وقعت عندهم في سقطرى، وهذا صراحة من حكمة الدعاة إلى الله أن يعني أحد الناس ماتت له امرأة، أمه ماتت أمه، فأتى بثور وأغنام يريد أن يذبحها لمن يأتي إليه، لمن يعزيه. فقال له: أنت تريد الأجر؟ قال: نعم. قال له: الأجر أن تبحث عن فقير أو مسكين يحتاج إلى هذه الصدقة، تتصدق عليه، الصدقة جائزة عن الميت. أما هذه الطريقة فلم ترد، أن كل من جاء يعازي نتفضل للغذاء ونذبح له، هذه عادات سيئة قد تصل إلى حد بدعة، بل هي بدعة. فقال: طيب، أيش الطريقة؟ قالوا: طيب، بحثوا عن امرأة فقيرة معدمة مسكينة، فذهبوا لها بهذا الثور وهذه الأغنام، قالوا: هذا لكي... من أين هذا؟ جلس التبكي من الفرح. قالوا: هذا صدقة فلان مات، ويعني يريدون أن يتصدقوا عليه، فتم الاختيار عليه، فرفعت يديها ودعت له بالرحمة والمغفرة. فقالوا لهذا الابن: انظر، لعل هذه الدعوة خرجت من قلب صادق، فتكون هذه الدعوة سبب للإجابة والقبول عند الله عز وجل، فيغفر الله لميتك. إذن هذا باب، باب مشروع، ندل الناس عليه، بدل ما يذبح لهؤلاء الذين يملؤون بطونهم، ولربما ما ذكروا الرحمة والمغفرة لميتك، ويذهبون. لكن هذا الفقير والمسكين دائما يتذكر هذا المحسن وهذا الميت الذي يعني تصدق عليه. وانظر إلى فرحة هذه المرأة وهذا الفقير وهذا المسكين. فهذا أيضا باب ندل الناس عليه، من يريد أن يفعل ذلك: أنت تريد الأجر؟ تمام، اشتريت هذه الأغنام، تصدق بها، تصدق بها على فقير، على مسكين، على محتاج، وكم سيدعو لك، وكم سيفرح بهذا، وكم ستصل هذه الصدقة وتقع موقعها، فإن الصدقة على الميت لا خلاف في ذلك كما ورد بذلك الحديث: قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، وإلا لتصدقت، يعني ماتت فجأة، أفتصدق عنها؟ قال: نعم. قال: نعم. الشاهد من هذا: أن الداعي إلى الله عز وجل إذا سد باب على الناس يفتح لهم الأبواب المشروعة ويحثهم عليها، سواء كان في الأفراح، في الأحزان، في كذلك المعاملات، في كذلك يعني العلاقات ونحو ذلك. فالحمد لله، أبواب الخير كثيرة، أبواب الخير كثيرة، فندل الناس عليها إذا سددنا عليهم بعض الأبواب المخالفة أو المحرمة. هذا هو مراد الشيخ رحمه الله تعالى. وهذا كما ذكر كثير في الكتاب والسنة. ذكرنا مثالا من القرآن، وأما من السنة أيضا فكثير. لما قال الصحابة: كانوا يقولون: ما شاء الله وشئت. ماذا قال لهم صلى الله عليه وسلم؟ هل قال لهم: لا، لا تقولوا هذا الكلام، وسكت؟ لا، قال: «قولوا: ما شاء الله ثم شئت». أتى لهم بالبديل. فرق بين الواو وثم. يجوز أن تقول: ما شاء الله ثم شاء، لأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله عز وجل. نعم، فـ "ثم" لا تفيد المشاركة، لا تفيد المشاركة، بخلاف الواو فإنها تفيد المشاركة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبديل. ماذا نقول كذلك في الحلف؟ «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». نهاهم عن الحلف بالآباء، وفتح لهم الباب الذي يجوز فيه الحلف، وهو الحلف بالله سبحانه وتعالى. وهكذا كم من هذه الأدلة. ولو جلس أحدكم وتتبع هذه الأحاديث أو الآيات التي وردت بهذا المعنى: إذا سد باب فتح باب آخر، لوجد أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على هذه القاعدة العظيمة، وهو أنه إذا سد باب فتحت أبواب في نفس هذا الشيء الذي يحتاجه الإنسان. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى. طيب، عندي فقط نصيحة وتنبيه، وهو كما تعلمون أن أهل السنة والجماعة لا تدغدغهم العواطف ولا كذلك المشاعر، وإنما هم تبع للكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة. ففي النوازل وفي كذلك الملمات، وفي الدماء، وفي السياسات، يرجعون في ذلك إلى أهل العلم، لأن الله عز وجل أمرنا بذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى من كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وجاء في حديث أبي هريرة الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه آخر، ألا فلا نبي بعدي، فالعلماء هم ورثة الأنبياء». فهم الذين يسوسون الأمة ويرجع إليهم عند هذه النوازل والمحن. وتعلمون في هذه الأيام، أو في يوم أمس، ما وقع في أرض فلسطين من قيام أهل فلسطين على ذلك العدو الغاشم. فلا شك أن المسلم يفرح عندما يدحر ذلك العدو، ولكن كما تعلمون العلماء ينظرون في المصالح والمفاسد، في التوقيت، هل هو وقته وليس بوقته، كذلك في أمر الجهاد، هل هو وقت الجهاد وليس بوقت الجهاد. فأنصح نفسي وإخواني أن نتريث في مثل هذه المسائل، وأن لا نندفع كندفاع العوام، كندفاع العوام. فأولا: الواجب علينا الدعاء لإخواننا المسلمين عموما، وأهل فلسطين خصوصا، أن الله يرفع عنهم هذا البلاء، وأن الله ينصرهم، وأن الله ينصرهم على عدوهم. ولا شك أننا نتعاطف معهم، وكذلك ندعو على اليهود الغاصبين. هذا واجب، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فينبغي علينا أن نتتبع كلام أهل العلم، سواء كان في كلماتنا، في خطبنا، في كذلك مواقفنا، في كذلك حثنا على الجهاد معهم، ونحو ذلك. هذا كله المسائل مسائل يعني نازلة وحادثة، وتحتاج إلى يعني إلى كلام أهل العلم الراسخين، فإنهم هم الذين يقدرون المصالح من المفاسد، وهم الذين يعرفون مثل هذه الفتن حين إقبالها لا حين إدبارها. فالواجب علينا أن نتريث، وأن نتابع كلام أهل العلم في مثل هذه النازلة، في مثل هذه النازلة. إلا فهناك كلام قديم لأهل العلم: أن على أهل فلسطين لا شك تحرير بلادهم، وعلى كذلك المسلمين أن يقفوا معهم. لكن تبين مما من قبل أن المسلمين في ضعف، وأن مفاسد القيام بمثل هذه الأمور لربما تكون أعظم من المصالح. يعني المسلم يقتل عشرة من اليهود فيقتلون آلاف المسلمين، يقتلون آلاف المسلمين. هذا ليس من الخور، وليس من كذلك التثبيط، ولكن هذا من نظرة أهل العلم. فنحن منتظرون: هل الآن هم مستعدون لمثل هذه المواجهة، وهي مواجهة متوازية ونحو ذلك؟ وهل هذا الجهاد وقته وحينه ونحو ذلك من تلك المسائل التي في الحقيقة تحتاج إلى تريث، وتحتاج إلى كذلك تتبع لكلام أهل العلم؟ فأنصح نفسي وإخواني بالتريث، وعدم اتخاذ المواقف المرتجلة. لا نرتجل المواقف، ولا نرتجل كذلك الفتاوى، ولا نندفع بخطب حماسية كأولئك الحماسيين، ولا كذلك نندفع بكلمات عاطفية يعني ليست مبنية على كلام أهل العلم. فهذا ما أنصح به نفسي وإخواني، لأن الكلام كثر في هذه المسألة، وكثير من العوام يعني اندفع حتى يعني يريد بعضهم أن يذهب، وبعضهم... وهذا من من حبهم، سلام الله خير للإسلام والمسلمين، ولي كذلك قبلة المسلمين من قبل كما تعلمون، والمسجد الأقصى كذلك له منزلة في ديننا وله فضل، فهو مسرى نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه الواجب على المسلمين أن يحرروا هذا المسجد من خبث ومن كذلك تسلط اليهود. لكن ما هي الطريقة المثلى؟ ما هي الطريقة المثلى لمثل ذلك؟ فأنصح نفسي وإخواني بالتروي، أقل شيء تمسك لسانك، لا يعني تحلل مثل السياسيين، ولا تنظر، ولا تجزم بشيء، وإنما تدعو لهم. الدعاء لا خلاف بين أهل السنة أنه يدعى لإخواننا المسلمين أن الله ينصرهم، وأن الله يؤيدهم، وأن الله يعني يقمع عدوهم، ونحو ذلك من هذه المعاني التي فيها معنى اتحاد المسلمين وأخوة المسلمين وترابط المسلمين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب، يا رب. والحمد لله رب العالمين.