الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع حكم قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة، حيث يرى الجمهور المنع سواء قدر عليها أو لم يقدر. اختلف الفقهاء في الأذكار الواجبة والمستحبة بغير العربية.
ناقش المقطع آراء الفقهاء حول ترجمة الأذكار والدعاء بغير العربية في الصلاة، حيث اختلفت الآراء بين المنع والجواز مع التشديد على أهمية العربية إذا كان الشخص قادراً عليها.
أكد المقطع على أهمية العربية في التسمية والتخاطب، حيث كره الشافعي التسمية بغير العربية لمن يعرفها، واستشهد بمأثورات الصحابة والتابعين في استخدام العربية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تكلم الشيخ رحمه الله -شيخ الإسلام ابن تيمية- يعني مسألة التشبه بأهل الكتاب أو غيرهم في عيدهم، ثم تطرق إلى مسألة الرطانة أو الكلام بكلامهم أو التسمية بتسميتهم، أن يسمى الأسماء بأسمائهم. ثم أشار بعد ذلك إلى اختلاف العلماء في مسألة قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة، وذكر أيضا أذكار الصلوات. قالوا: قد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات، هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات، أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن كالتحريم بالإجماع، ثم كالتحليل والتشهد عند من أوجبهما، ثم الذكر غير الواجب من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك. يقول: إن الأذكار التي في الصلاة ثلاث درجات، أولا القرآن، وهذا لا خلاف فيه، أو أن أكثر العلم على أنه لا يقال بغير العربية. والأمر الثاني ما أوجبه الله عز وجل في الصلاة، الذكر الواجب كالتحريمة -تحريمة معناها تكبيرة الإحرام- أو التحليل معناها السلام، وكذلك التشهد عند من أوجبهما؛ لأن الحنفية لا يوجبون السلام ولا يوجبون أيضا التشهد. ثم الذكر غير الواجب من دعاء وتسبيح أو تكبير وغير ذلك، فالآن الأذكار على ثلاث أصناف، أولا القرآن، ثم الذكر الواجب في الصلاة، ثم الأذكار المستحبة. قال: فأما القرآن فلا يقرأه بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه. بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به الإعجاز. قال الجمهور: إنه لا يجوز أن يقرأ القرآن بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر، سواء قدر على أن يقرأ بالعربية أو لم يقدر، فإنه لا يجوز له أن يقرأ بغير العربية القرآن، وهذا هو قول الجمهور ومن أهل المذاهب مالك والشافعي وأحمد. قال شيخ الإسلام: وهو الصواب الذي لا ريب فيه، لا شك أن هذا هو الصواب. قال: بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم به الإعجاز. المراد به: أي شيء حتى ولو جملة جملة يقام بها الإعجاز، لا يجوز أن تترجم. ممكن أن تترجم الكلمات، فبعض العلم يقول: لا بأس أن تترجم الكلمات. أما أن تترجم جملة؛ لأن الجمل تختلف في اللغات، وفي لغة العرب قد يراد بالجملة شيء آخر غير المتبادر بالترجمة. ولأن غالبا الترجمة تكون ترجمة كلمية أو معناها: يترجم الكلمة بالكلمة، وهذا الغالب ما يظهر المعنى، ما يظهر المعنى، بل قد يكون المعنى آخر. فلهذا منع العلماء من أن يترجم سورة أو ما يقوم به الإعجاز. قال: واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية. اختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية، قال: إذا كان يستطيع أن يقرأ. ومعنى الخلاف موجود أيضا في مذهب الحنفية، منهم من يمنع ومنهم من لا يمنع. يمنع فيمن يقدر على العربية يمنع، وأما من لا يقدر -معناه ما يستطيع أن يقرأها بالعربية- وإنما يقرأها بلغته، فهذا يقولون: لا بأس. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، لكن هذه الآية ليست فيها دليل على أن القرآن يقرأ بغير العربية، وإنما ذكر الله عز وجل أن هذا القرآن ليس للعرب فقط، وإنما لهم ولغيرهم. قال: وأما الأذكار الواجبة، فاختلف في منع ترجمتها: هل يترجمها العاجز عن العربية وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق. والثاني: يترجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي. الأذكار الواجبة مثل التحريمة، مثل تكبيرة الإحرام، هل إذا كان لا يستطيع أن يأتي بالتكبيرة بالعربية، هل يجوز له أن يأتيها بلغته التي يتكلم بها؟ مثلا بالإنجليزي أو بالإندونيسي أو بغيرها من اللغات. فقال هنا: إن لأحمد وجهين في المسألة، وقال الشيخ هنا: أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، معناه لا يترجم بغير العربية، لا يأتي باللفظ بغير العربية، وغالبا لأنها تختلف. وكما قلنا: أن "الله أكبر" جملة، "الله أكبر" جملة، فقد يترجم إلى لغة أخرى، فقد لا يعطيها معناها الذي هو لله عز وجل. ولهذا منع منها جماعة من العلم، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. قال: والثاني يترجم، الرواية الأخرى عن أحمد: أنه يترجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد. قال: وأما سائر الأذكار التي ليست بواجبة كالتسبيح في الركوع والسجود، وأيضا غيرها من الأذكار والتي يؤتى بها في الصلاة، قال: فالمنصوص من الوجهين: أنه لا يترجم، أي منصوص من الوجهين عن أحمد. وهنا اختلف، معنا هنا قال: من الوجهين، الوجهان ليس من أقوال أحمد، وإنما من أقوال أصحابه. أنه من أقوال أصحابه. لهذا الشيخ هنا في الذي تقدم الكلام قال: وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، معناه ليس هناك نص لأحمد في المسألة، لكن أشبه الكلام بكلامه: أنه لا يترجم. وأيضا هنا مثل ما قال في الأول قال: وما سأل الأذكار في المنصوص من الوجهين: أنه لا يترجمها، ومتى فعل، بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي. أن بعض أصحاب الشافعي خالفوا الشافعي في قوله. قال: والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل. ومن أصحابنا من قال: له ذلك إذا لم يحسن العربية. فهذا خلاصة المسألة، والذي عليه الجمهور والصحيح: أنه لا يترجم شيء من الأذكار، سواء كان قرآن أو أذكار واجبة أو أذكار مستحبة، إن استطاع أن يأتي بها بلغة العرب، فهذا هو المطلوب. وإن لم يستطع أن يأتي بها، فلا شيء عليه، فلا شيء عليه لو صلى وهو ساكت، ما في شيء. هذا إذا كان ما يعرف، لكن الواجب عليه يتعلم. قال: وحكم النطق بالعجمية في العبادات أو بالعجمة في العبادات من الصلاة والقراءة والذكر كالتلبية والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوق كالنكاح واللعان وغير ذلك معروف في كتب الفقه. معناه الخلاف معروف في كتب الفقه. وغالبا في المعاملات والعقود أكثر العلم يجوزون أن يكون باللغة التي يعرفونها. مثلا النكاح إذا أراد الشخص مثلا يتزوج امرأة، يأتي إلى وليها ويكلمه باللغة التي يتكلم بها، فهذا يعتبر، إذا قبل ووافق الولي، فهذا يعتبر عقد، وهذا يعتبر عقد ولو كان بغير اللغة العربية. قال: وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور كالتواريخ ونحو ذلك، فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب. وأما مع العلم به، فكلام أحمد بين في كراهته أيضا، فإنه كره "آدماه" ونحوه. معناه ليس محرما. يقول: إذا كان لا يعرف المعنى، معناه معنى الكلمة، مثلا اسم، فالآن مثلا يأتون بأسماء مثلا نصرانية أو تركية، مثلا بعضهم يسمي مثلا "ريهين" أو "ريسين" أو من هذه الأسماء النصرانية أو التركية تركية مثلا "بهار" أو كذا. فهذه الأسماء يقول شيخنا: إذا عرف معناه، فإنه يقر، وأما إذا لم يعرف معناه، فإنه منهي عنه، أنه لا يجوز إذا كان لا يعرف معناه هذه الكلمة، فقد يكون هذه الكلمة معناها سيء في لغتهم. لهذا لا يأتي بها وهو لا يعرف معناها. أما إذا كان يعرف معناها، فقال أحمد: إنه يكره ذلك. قال: وأظنه سئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية، فكره، وقال: "لسان سوء". وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم وعن شهود أعيادهم، وهذا قول مالك أيضا. قول مالك: إنه يكره أن يدعى بلغة غير العربية. قال: فإنه قال: "لا يحلف بالعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف بها". قال: وقال: "نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب". خب معناه شيء خبيث. قال: فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا. وقال الشافعي فيما رواه السلف بإسناده: السلف -بكسر السين- وهو أبو الطاهر، السلف وهو من المعروفين في العلم ومن أهل السنة ومن من له جهود عظيمة في كتابة كتب أهل العلم، ولهذا ما تجد أو قل أن تجد كتابا من كتب العلماء إلا وفيه اسمه معنا في الإسناد. قال: وقال الشافعي فيما رواه السلف بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم، وهذا محمد معروف من طلبة الشافعي رحمه الله ومن درس على الشافعي، ثم تحول بعد أن مات الشافعي تحول إلى مذهب مالك، واختلف في السبب الذي جعله يتحول. ولأن أباه كان على مذهب مالك، عبد الله بن الحكم كان صديقا للشافعي وهو على مذهب مالك. ولهذا يقال: كما ذكر أبو نعيم في الحلية أن الشافعي تفرس فيه وتفرس في أصحابه، فقال: "أما البويطي فهو سيجلس مكاني، وأما المزني فهو فقيه ينتفع الناس به، وأما ابن الحكم فإنه سيرجع إلى مذهب أبيه". وأما ابن الحكم فسيرجع إلى مذهب أبيه، وهذا ليس من باب الغيب، وإنما هذا من باب التفرس. المراد التفرس هو معرفة حال الشخص ومعرفة تصرفاته، والشافعي كان من أذكى الناس. فأيضا كان بعض السلف يقول: "من حكم السنة في نفسه نطق بالحكمة". الفراسة هذه شيء كما قلنا يعرفه الشخص من حال الرجل من تصرفاته. فكان من فراسة الشافعي لابن الحكم أنه سيرجع إلى مذهب أبيه. ولما مات الشافعي ذهب أو رجع ابن الحكم إلى مذهب مالك. قال ابن الحكم: سمعته -محمد بن إدريس الشافعي- يقول: "سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجارا". أن الذي يطلب البيع والشراء سماه التاجر، ولم تزل العرب تسميهم التجار، ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب "يا معشر التجار". وقال: "إن التجار هم الفجار". وفي حديث كثيرة يذكر النبي صلى الله عليه وسلم والسماسرة، اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف بالعربية تاجرا إلا تاجرا، ولا ينطق بالعربية فيسمى شيئا بأعجمية. معناه يقول: إنه يكره أن نسميه سمسارا. ولهذا قال ابن عباس في الدلال: "ما يسمى بالسمسار". وهذه الكلمة كلمة فارسية أصلا. قال: وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل به الكتاب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنه اللسان الأولى بأن يكون مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية. فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمى بغيرها، وأن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية. وهذا الذي قال: العم مأثور عن الصحابة والتابعين، قالوا: قد قدمنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما ما ذكره. طيب طيب إن شاء الله نكتفي بهذا.