مباحث في البدعة 16

مباحث في البدعة 16

الدرس في مباحث في البدعة 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تقديم هوى النفس على شرع الله ومخاطره

يتحدث عن تقديم رضا النفس على شرع الله ويبين أهمية تقديم استجابة الله ورسوله على كل شيء. يُستدل بالآيات القرآنية والأقوال العلماء لتوضيح هذه المسألة.

خطورة اتباع الهوى في الوقوع في البدع

يُناقش خطورة اتباع الهوى وعدم اتباع الدليل في اعتقاد الأمور، ويبين علامات أهل البدع والأهواء في مسارعتهم لاعتقاد ما يوافق أهواءهم دون دليل.

مظاهر اتباع الهوى وآثاره السلبية

يتناول مظاهر اتباع الهوى حيث يميل أصحاب الهوى إلى مناصرة أنفسهم ومعتقداتهم حتى لو خالفوا الحق، ويشرح كيف يؤدي اتباع الهوى إلى أمراض مثل التقليد والغلو والعصبية.

أهمية تقديم شرع الله على هوى النفس

يلخص أهمية تقديم شرع الله على هوى النفس ويشير إلى ضرورة اتباع كلام الله ورسوله، ويحتوي على دعاء بأن ينفع الله المستمعين بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام، إخواني في الله، في هذا العام الثاني، وهو من عوامل الإضلال والضلال الذي وقع فيه كثير من الناس، وهو اتباع الهوى، ولازلنا في ذكر بعض صوره ونماذجه. مر معنا من صور اتباع الهوى الولاء والبراء لما ليس لله، ثم ثانيا من صور الهوى ما يكون من التعامل مع المخالفين. ثم في هذا المقام، بإذن الله، سنذكر صورة ثالثة من صور اتباع الهوى، كما أشار إليها العلماء، وهو أن تجد أن صاحب الهوى قد جعل رضا نفسه هو المقدم على كل شيء. المسلم ينبغي أن يعلم جيدا أننا في هذا الدين العظيم، وفي هذه الملة السمحة، أن الله جل وعلا أمرنا بأمر عظيم، وهو أن تكون الاستجابة لله ولرسوله، لا لأحد سواهما. لهذا علق ربنا جل وعلا إيمان العباد على ذلك، فقال سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾، فهذا هو الدين الذي يأمرنا بقضية التحكيم لشرع الله وللكتاب والسنة. وقال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾، لا نتقدم، ولا نقدم شيئا، لا قولا، ولا فعلا، ولا عادة، ولا سالفا، ولا عبادة، ولا قانونا، ولا أي شيء، ما هناك شيء يتقدم بين يدي الله ورسوله، ولا أنفسنا التي بين جنبينا، وإنما التحكيم لله ولرسوله، هكذا يتربى المسلم في هذه الملة العظيمة. لكن تجد أن الذي اتبع هواه قد خرج عن هذا الإطار، فتجد أنه يسارع إلى تقديم هوى نفسه، وعلى ما فيه رضا نفسه، ولو على شرع الله، ولو على الكتاب والسنة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا حال أهل الأهواء ومن ابتلي باتباع الهوى، فقال رحمه الله تعالى: «فصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه»، يعميه، كما قيل: «حبك للشيء يعمي ويصم»، حبك للشيء يعمي ويصم. فإنسان إذا أحب هواه، يغلق الله جل وعلا على سمعه وبصره، فلا يرى إلا عن طريق الهوى، ولا يتكلم إلا بالهوى. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ولرسوله في ذلك، ولا يطلبه»، يعني في المسائل المطروحة، إنما يقدم فيها هواه، ولا يستحضر ما ينبغي أن يستحضره من حكم الشرع فيه، ليس فقط يستحضر، بل ولا يطلب. قال: «ولا يرضى لرضى الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه». فأصبح التقديم لهوى نفسه، يغضب لغضبها، يحب لمحبتها، أما الشرع فلا يقيم له وزنا. وقد أشار ربنا جل وعلا لهذه المسألة، فقال جل في علاه: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾، فمن لم يستجب لله، ولا لرسوله، ولا يقدم أمرهما قبل كل شيء، فليعلم أنه مبتلى بهوى. ومن هذا الباب، ومن هذا المنطلق، من محبة الإنسان لهوى نفسه، وكما قلنا: قد لا يصرح هذا الناس بما في قلوبهم من الهوى، لكن يظهر ذلك من أحوالهم. فمما يذكر من القرائن التي تدل على أن الإنسان قد قدم محبة الهوى على شرع الله جل وعلا، مثل: أن يعتقد قبل أن يستدل، يعتقد في العقائد، يعتقد في الأحكام، يتبنى أقوالا، يسارع إلى تطبيق أحكام، وليس عليه آثار من عقل. فإن طولب بالدليل بعد ذلك، يطلب الدليل، قد يجد، وقد لا يجد، لكن قبل ذلك حقق الذي في قلبه، حقق الذي في نفسه، وهو يعتقد، ثم بعد ذلك يستدل. لماذا اعتقد أولا؟ لأن هذا الأمر وافق هواه، قد يعتقد بعض البدع، قد يعتقد بعض الخرافات، قد يعتقد بعض الأحوال المخزية، بعض الشهوات، بعض الملذات، يسمع بها، فتجد أن هواه قد استمال إليها، أخذها مباشرة قبل أن يطلب الدليل. أخذها، ثم بعد ذلك يبحث عن دليل، عل وعسى قد يتحصل، وقد لا يتحصل، بل ربما اكتفى بما هو فيه رائحة الدليل، ولو من بعيد، فقط أن يحقق الذي استدل به. وهذا ليس من تقوى الله جل في علاه، تقوى الله كما فسرها السلف: «تقوى الله أن تعمل بطاعة الله بنور من الله، ترجو الثواب من الله»، هذه التقوى عند سلفنا الصالح. أن تعمل بطاعة الله، الطاعة التي يرضاها الله، لا أن يرضاها نفسك، هذا الفرق، أن تعمل بما يقربك إلى الله، لا بما تقربه إليك نفسك، أن تعمل بطاعة من الله بنور من الله، بدليل عندك دليل على هذا الأمر الذي أطعت فيه الرب. فالشاهد أن الذي يهوى نفسه، تجد أنه يسارع إلى أن يعتقد، ثم بعد ذلك يستدل. وكذلك من صور ما عليه أهل البدع، أو صاحب الهوى، إذا كان معجبا بنفسه، ومعجبا بهواه، أنه يناصر ما كان عليه الناس، إذا وافقوا هواه، ليس فقط يستدل ويكتفي، بل لربما يتعاظم الأمر حتى يصل إلى حد الظلم للغير. فإذا وجد أن أناسا من الناس قد ناصروا في هذه مسألة، وهي في قرارة نفسه هوى، لكن وجد أن أناسا على هذا الهوى، فتشاركت الأهواء على بدعة، تشاركت الأهواء على مضلة، تشاركت الأهواء على أمر لا يرضاه الله، لكن الأهواء ارتضوا، فكان ينبغي على أمثال هؤلاء أنهم يأخذون، إن أخذوا، يأخذونه على استحياء، يأخذونه على ذلة، يقرون على أنفسهم بالغلط. لكن صاحب الهوى لا يترفع عن ذلك، لا يعترف بخطأ، بل يناصر من كان معه، يناصره، يؤيده، ينفخ فيه، يزكيه، يمدحه، يثني عليه، كل ذلك لا لأجلهم، ولكن لأجل أنهم وافقوه لأهوائهم. الناظر إليه يقول: هذا إنما نصرها أولا لأنهم على الدين، وإلا في الحقيقة هو ما نصر الدين الذي هم عليه، وإنما نصر الهوى الذي هم شاركوه. وكان من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال علي رضي الله تعالى عنه: «قال رسول الله: قل الحق ولو على نفسك»، قل الحق، قل الحق ولو على نفسك، أخبر الناس بالحق الذي هو في الحقيقة حق واقع. ولهذا كان من شأن أهل السنة والجماعة أنهم من أعظم الناس قولا للحق، حتى بلغ بهم الأمر أنهم يقولوا الحق على أنفسهم إن أخطأوا، قالوا: «أخطأنا»، لا تجد هذا أحدا في أحد من الجماعات والفرق الضالة، أن بعضهم يعيب على بعض، إلا ما كان من أهل السنة، عيبهم موجود، لا لقصد التشهير، لا، لكن لقصد التصويب. قالوا: «فلان أخطأ، والإمام الفلاني أخطأ، وهذا أخطأ»، يعترفون بالخطأ، لأن هذا من الدين، من التدين، ويعلمون أنهم ما هم إلا بشر، ليست لهم عصمة، فالخطأ وارد في أحادهم، وفي أفرادهم، بل حتى في من بلغ من العلم مبلغا. أبى الله إلا أن تكون العصمة لكتابه، أبى الله فما من أحد من أئمة الإسلام والمسلمين، إلا يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر، رسول الله عليه الصلاة والسلام. إلا أهل البدع والأهواء لا يقرون على أنفسهم بالخطأ أبدا، وإنما إن كان من بعضهم أخطأ، برروها، ومشوها، أو تكاتموها فيما بينهم. ولهذا كان من عبارات سلفنا: «أن أهل السنة يقولون الذي لهم والذي عليهم، وأهل البدع ما يقولون إلا الذي لهم فقط»، الذي لهم يظهرون، وما الذي عليهم يخفونه. وهكذا إخواني في الله، من صور محبة النفس، وهي أمارة على اتباع الهوى، ما يكون من حالها، أولا: الذين لربما خالفوا غيرهم، صاحب الهوى ستجد من يخالفه، من يذكره بالله، أن ما عليه، ما أنت عليه من عقيدة، ما أنت عليه من بدعة، ما أنت عليه من معصية، ما أنت عليه من زلة، هذا لا يرضي الله، وهذا مما منعه الله عز وجل. لكن تجد هذا المتعنت، صاحب الهوى، يكابر، كما قلنا، وينافع مع أصحابه، ويذم غيره، ويظهر هذا أن هذا منافح لله، ومنافح لدينه، وأن هؤلاء الذين خالفوه، إنما هم حرب على الله وعلى رسوله، وأنه لابد من فضحهم، لابد من تكبيتهم، وأنه هؤلاء أعداء الدين، وهؤلاء أعداء السنة، مع أنه أحق بهذه الأوصاف. لكن يبحك على غيره، لأن السرائر ما يعلم بها إلا الله عز وجل، هو أخفى هواه، لكن يظهر هذا للناس، لكن يظهره الله، يظهره الله بالثمرة، يظهره الله بالنتيجة، يتأتي الأمور في آخر المطاف، تجد أن هذا الذي يدعي أنه جاء لحمى الدين، والضرب على أيدي المعتدين، تجد أنه في حياته، بل في آخر أمره، أو في أثناء طرحه، تجد أنه يظهر من الذي يريده، إما العلو، إما الظهور، إما الزلفة، إما التقرب، إما مال، إما منصب. يظهره الله في فلتات أقواله، كحال ذاك الرجل الذي أفسد الدعوة أيما إفساد، بقصد الحمية والغيرة، ثم في الأخير، ماذا طالب؟ أطالب باعتذار، اعتذار هذا الذي ترميه بأنه أفسد الدين، وأفسد العقائد، وأتى بالبدع المنكرة، وفرق شمل الدعوة، أهل السنة، وأنه وأنه، ثم توبة تكون بالاعتذار لمن للعلماء، لا لي شخصيا، أنا يعتذر لي أنا، فإن اعتذر انتهى أمره. وأين الذي دعوت له؟ أين الذي ملأت به الدنيا صراخا أن فلان أفسد الدين؟ لو كانت له توبة، توبة إلى الله جل وعلا، وأن يصلح ما أفسد، لأنه يعتذر، ثم ترك بجريرته وجريمته، لكن دل على أن هذا هوى، هوى في النفس، يظهره الله، يظهره الله متى ما، حتى لو أن صاحبه أراد أن يغطي على هذا، إلا أن الله يظهره على فمي، أو يدي، أو أحوال أتباعي، أو صاحبه، شاء أم أبا. كذلك إخواني في الله، مما يذكر من هذا المقام، أن صاحب الهوى يكون ميله، وحبه، وغضبه، وسخطه، لما تمليه نفسه، كل ما كان موافقا لهوى نفسه انتصر له، وما كان ليس كذلك رده ورفضه. ولهذا لا تجد غضاضة عند أصحاب الهوى أن يرد الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، مقابل أن ينتصر لبدعته. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ومن الناس من يكون حبه وبغضه، وإرادته وكراهيته، بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله»، وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان، فقد اتبع هواه. فإن أصل الهوى محبة النفس، هذا هو أصل الهوى، مهما درنا يمنة ويسرة، الأمر كما قال شيخ الإسلام: «أصل الهوى محبة النفس»، أنك تقدم محبة النفس على طاعة الله، على أوامر شرع الله، على كتاب الله، وعلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد من شأن أهل البدع، مثلا، وهذا من يكون من يتبع ذلكم، أن المبتدع مثلا إذا ألف بدعة، ثم جئ له بالأدلة الشرعية، كالبرهان الواضح، النير، تجد أن الرجل صاحب البدعة الذي تمرس بالهوى، يستغشي ثوبه، لا يسمع، لا يعي، لا يعقل. قل له: «اتق الله، هذا لا يجوز، ابتعد عنه»، ما أسمع. وهذا هو التقليد، وهذا هو الغلو، وهذه هي العصبية، وهذه هي الحمية، ما تأتي العصبية، ولا الحمية، ولا الغلو، ولا التقليد، إلا عن هوى، هذه أمراض متزاحمة، قد تجتمع في إنسان، وقد تتفرق في أناس، كل شأنها من أمر اتباع الهوى. فالشاهد إخواني في الله، أن من صور اتباع الهوى ما يكون من الميل للنفس، رضا وحبا، وإعجابا. وأشرنا إلى هذه المسائل التي من خلالها تتعرف، يا عبد الله، على أن هذا الإنسان قدم هوى نفسه على ما ينبغي أن يقدم من شرع الله، من كلام الله ورسوله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.