شرح كتاب التوحيد 194

شرح كتاب التوحيد 194

الدرس في شرح كتاب التوحيد 194، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح الآية الكريمة ومن يؤمن بالله يهد قلبه

يشرح المقطع الآية الكريمة ومن يؤمن بالله يهد قلبه ويبين أهمية الإيمان بالقضاء والقدر. يُوضح أن الإيمان بالله يهدي القلب ويورث الصبر على أقدار الله.

أهمية التسليم بقدر الله والرضا بحكمته

ينبغي على المسلم التسليم بقدر الله والرضا بحكمته، فالله يقدر الأمور بحكمة لا يعلمها إلا هو. على المسلم أن يصبر على البلاء ويعلم أن الله يعوضه خيرا منه.

الصبر عند البلاء وهداية القلب

يُشدد على أهمية الصبر عند البلاء وعدم التسخط، ويُبين أن الصبر يعود بالخير على القلب. يُوضح أن التسخط يُعتبر عقوبة من الله، بينما يُكافأ الصابرون بالهداية والسعادة.

الدعاء والصلاة على النبي في الختام

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن القول. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة، وهي من أول استدلالاته على هذا الباب، والذي قد بوابه بقوله رحمه الله: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. وأشرنا في درس سابق إلى المعاني المستوحاة من هذا الباب «باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله»، وها هو المؤلف رحمه الله تعالى يدلل على هذا الباب بذكر الأدلة، وأول ما ذكره رحمه الله تعالى أن ذكر لنا قول الله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾، ثم استعان بأثر علقمة رحمه الله تعالى في بيان معنى الآية، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. وهذا الأثر رواه ابن جرير رحمه الله تعالى، وظاهر إسناده الصحة. وهذه الآية التي بين أيدينا تمامها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾، فهذه الآية مع الأثر المروي في إشارة إلى عظيم فقه المؤلف رحمه الله تعالى، إذ أنه استدل بهذه الآية في بيان أن من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. فقد ذكر ربنا جل وعلا في هذه الآية: ﴿ما أصاب من مصيبة﴾، والقاعدة عند البلاغيين وعند الأصوليين أن النكرة في سياق النفي أو النهي تفيد العموم، كهذا المقام «ما أصاب من مصيبة» أي أي مصيبة تصاب بها، سواء كان في نفسك أو كان في ولدك أو كان في أهلك أو كان في أحبابك أو كان في صحة أو كان في حياة أو كان في وفاة أو كان في مرض، أي مصيبة مهما تنوعت مهما تعددت. ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ما تقع ما تقع إلا بإذن الله، أي الله عز وجل هو الذي أرادها أن تقع، ولولا الله لما كانت، فالكون كونه جل في علاه يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى. وهذا الأمر «ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله» هذا الذي عبر عنه عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله﴾، قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله. تعلم أنها من عند الله، وينبغي أن تقرر هذا في نفسك، وما تجده من المصائب التي تأتيك من فلان وفلان أو من حوادث، اعلم أنها ما هي إلا أسباب، ما هي إلا أسباب، والله هو الذي قدرها عليك من فوق سبع سماوات سبحانه وتعالى «ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله»، ﴿ومن يؤمن بالله﴾، وهذا ما يعبر عنه العلماء الإيمان بالقضاء والقدر، ركن من أركان الإيمان الست، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. فهو من أركان الإيمان أن تؤمن بالله، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وفحو هذا النظام وفحو هذا المقام أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا ينبغي أن يقرر في النفوس والأذهان. وإن كان بعض الناس يذهل عن هذا، يذهل عن هذا أحيانا يتشكك في قدرة الله جل وعلا. لماذا أنا وأخي في بيت واحد، أنا ما عندي ذرية عقيم، بينما أخي يتمتع في كل عام بإنجاب، هذا بتقدير الله يا عبد الله تؤمن بالقضاء والقدر. أو أنك لو ربما في بيت واحد أن تبتلاك الله بالفقر والضنك، عامل كادح، بينما أخوك قد حباه الله بنعم الدنيا، فها هي الأموال تدر بين يديه. قد تقول: لما يا رب؟ لا لا تسأل لما يا رب، الله جل وعلا قدر الأرزاق بين العباد، وهكذا قس في باب الصحة والمرض. لربما تجد من نفسك ومن أهلك ومن زوجك الأمراض المتتابعة والأسقام المتلاحقة، بينما منه بجوارك من إخوانك وأخواتك وأولادك ومن كان من جماعتك يتمتعون بالصحة الدائمة. لربما ما عرفوا بمرض خطير ولا بعارض جسيم، حياتهم يتمتعون بكامل صحتها وأوفر عافيتها، فلا تقول: لما يا رب؟ الله جل وعلا هو الذي قدر. وينبغي أن تضاف زيادة على هذه مسألة مسألة أخرى، وهي أن تعلم أن هذا الذي قضاه الله عليك قضاه الله بحكمة، لحكمة، وحكمة الله منوط بقدر الله، فقدر الله حكمة الله. وقدر الله وسر الله كما عبر السلف «قدر الله وسر الله» لا يطلع عليه أحد من خلق الله، الله يفعل ما يشاء بمشيئته وبإذنه، لكن لما الله أعلم، الله عنده حكم في هذا الباب، علمها من علمها وجهلها من جهلها. والحكمة هو وضع الأشياء لمواضعها لغايات حميدة، هذه الحكمة لغايات. ومن باب الفائدة وضع الأشياء على مراتب ثلاث: وضع الأشياء في مواضعها هذا يسمى عدل، ووضع الأشياء في غير مواضعها يقال عنه ظلم، ووضع الأشياء في مواضعها لغايات حميدة هذا يسمى حكمة، فرب رجل نعم يعدل عنده عدل لكن ليست عنده حكمة، الحكمة خاصة يؤتي الحكمة من يشاء، ﴿ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا والله أحكم الحاكمين﴾ جل في علاه. قد يقدر الله الشاء عليك يا عبد الله وأنت ما استوعبتها، لكن احلم أن الله شاءها لأمور ما تظهر لك الآن، تظهر لك فيما يستقبل في الحياة الدنيا أو في الآخرة، فالله حكيم، ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾ على أحد التفاسير أي بقدر مقدر معلوم عنده سبحانه وتعالى. ولهذا قال ربنا: ﴿ومن يؤمن بالله﴾، تؤمن بأن هذه المصيبة كما عبر عكرمة «الرجل يصاب بمصيبة يعلم أنها من عند الله» هذا يهدي ربنا قلبه، يهدي ربنا قلبه. وفي ذلكم إشارة إلى الفضل العظيم إلى أن من تسلح بالصبر والرضا والاستسلام لقضاء الله وقدره، فالله جل وعلا يعظم له الأجر في الدنيا والآخرة. ﴿ونبلوكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾، وهنا في هذه الآية ذكر ربنا جل وعلا أجرا معجلا في الدنيا، وهي هداية القلب «يهدي قلبه»، لماذا لماذا هذا الأجر للقلب خاصة؟ قال العلماء: هذا مما يدخل في قاعدة «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه»، ويظهر ذلك جليا في حال الذي أصيب بالمصيبة، النفس البشرية ضعيفة، وخلق الإنسان ضعيفا، عنده ضعف عنده هلع فزع إذا مسه الشر جزوعا، لكن المؤمن المسلم لما ابتلي بالمصيبة ماذا فعل؟ صبرا، فما تصخط وما تذمر وما اشتكى، مع أنه يريد أن يعبر عما في نفسه. كما وقعت لتلكم المرأة لما رآها نبينا تبكي على صبي قد مات لها، قال لها: «اتق الله واصبري»، قالت: «اذهب عني فإنك لم تصب بمصيبتي»، ولم تعلم أنها رسول الله، لكن عبرت عن ما في نفسها «أنت ما أصبت للذي أصيب به»، يعني أعبر ما في نفسه، ما من إنسان مكلوم إلا وله ما يريد أن يعبر عن الحزن وعن الألم والوجع. لكن المؤمن يكبت هذا ما يظهره، كان هذا الكبت على ماذا يعود؟ يعود على القلب، كان يخاطب قلبه «اصبر اصبر على البلاء اصبر على قضاء الله اصبر لا تتسخط يا قلبي»، فلما كان كذلك العبد الموحد جازاه الله لما ترك التسخط والتذمر للقلب، عوض الله هذا القلب الهداية «ومن يؤمن بالله يهد قلبه»، هذا الجزاء من جنس العمل. ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، كما جاء في البخاري «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - أي بعينيه - أصابه الله بالعمى، إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضت منهما الجنة»، مقابل أنه صبر على هذا البلاء، كان العوض الجنة، يعوضك الله على صبرك، يعوضك الله على صبرك، فلا تتسخط على كل ما فاتك من حظ الدنيا، اصبر سيعوضك الله إما في الدنيا معجلا أو في الدنيا مؤجلا، لكن اصبر ولا تتسخط. لأنك إن تسخط وتذمرت، وهذا ظنب الله جل وعلا، بل قال العلماء: في الحقيقة أن التسخط وأن التذمر هو في الحقيقة عقوبة من الله، عقوبة، إذا رأيت أن رجلا أصيب بمصيبة فإذا به يتشكى يتذمر يتسخط، قل: وأسفا قد عجل الله عليك العقوبة، هذه عقوبة من الله، تعيش في هم في غم، لأن الذي يصبر يعطى له هداية القلب. والله قد جرب هذا، ما من مصيبة عظمة عبد النعم في بدايتها مخرقة، لكن إن صبر تجد على القلب بردا وسلاما، وهذا مصداق في قوله عليه الصلاة والسلام: «ومن يتصبر يصبره الله»، يعطيك الله صبرا عجيبا، حتى أن بعض الناس يستغرب كيف هذا؟ هذا فلان أصيب به بحادث مؤلم في نفسه أو بحريق أحرق كل ماله، وهو يمشي يتحرك يبتسم، عجيب هذا صبر. لما صبر صبره الله فوق صبره، إضافة إلى ذلك ما سيكون له من العوض، ما سيكون له من العوض. ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾، فالله الله يا عبد الله عند البلاء والأمر العبد المسلم كما قال علقمة «الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم»، هذا حين سيجد هداية القلب «ومن يؤمن بالله يهد قلبه». والإنسان كلما تسلح بالصبر أصبحت هذه سجية، سجية طبيعة ما يتكلفها، كلما قيله: مصيبة الحمد لله، ومصيبة ثانية الحمد لله، يقول: إيش أنت ما تهزك ريح الحمد لله، ليس هذا فضل من نفسه وإنما فضل من الله، لما علم أن عبده صبارا راضيا بقضائه وقدره، ألقى الله على قلبه السكينة. وأما من تصخط من تذمر من يشتكي على كل أمر، اعلم يا عبد الله أن هذا ليس من الإيمان بالقضاء والقدر بشيء، وليس من الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله يلزمك بأنك تصبر وتحتسب «ومن يؤمن بالله يهد قلبه». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.