المحاضرة بعنوان ظاهرة التسخط، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 1 ديسمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن ظاهرة التسخط والتذمر في المجتمع نتيجة الأوضاع الصعبة، ويبين أنها ليست من صفات أهل الإيمان بل من صفات أهل النفاق. هذه الظاهرة تنتشر بسبب عدم الرضا بالقضاء والقدر.
يتناول المقطع صفات أهل الإيمان في التعامل مع السراء والضراء، حيث يشكرون الله في الرخاء ويصبرون في البلاء. الإيمان بالقضاء والقدر يعتبر أحد أصول الدين ويخفف من التسخط.
الإيمان بالقضاء والقدر يهون على النفس التسخط والتندم، وله عواقب حميدة. التسخط له عواقب وخيمة وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه عند المصائب.
يبرز المقطع أهمية الحمد والشكر لله في الرضا بالقضاء والقدر من خلال قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. الشكر والحمد من صفات المؤمنين وأخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد، أخواتي في الله، في هذا المقام وفي هذه السويعات نتدارس وإياكم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وبما يعود عليه نفعه في أولانا وأخرانا. وإن مما أحب أن أذكره في هذا المقام هو الإشارة إلى ما ابتلينا به في بلادنا خاصة من التردي في الأحوال المادية، كما لا يخفى على أحد منكم من ذكر أو أنثى، ما نشاهده في بلادنا من صعوبة في المعيشة، وشغف في الحياة، وقلة في المادة، وشحة في الإمكانيات، وقلة في البضائع، ناهيك عن الارتفاع الحاد في الأسعار، وهبوط العملة إلى حد الإنهيار، وما ولد ذلك من حالات البطالة. هذه الأحوال ولدت عند كثير منا أخلاقا فاسدة، وليس هذا فحسب، بل مما يضاف إلى هذه الأحوال العامة التي نعايشها جميعا، الأحوال الخاصة التي يبتلى بها أحدنا في خاصة نفسه. وما من أحد إلا وقد يبتلى، ربما ذاك الذي يبتلى بعدم التوفيق في حياته الزوجية من مشاكل وأزمات، أو عدم التوفيق في حياته العلمية، فيصاب بالرسوب والفشل، أو كذلك التعثر في المهن والأعمال، ربما ما استطاع أن يشق طريقه في باب الأعمال ولا في باب التجارة. أو ذاك الرجل أو تلك الأسرة بشكل عام ابتليت بعدم الإنجاب، وهكذا بعض الناس ربما خصوا ببعض الأمراض المزمنة التي أقعدتهم في بيوتهم وما استطاعوا لها سبيلا أو علاجا. هنا إذا تكالبت لدى إنسان ما هذه المسائل والمشاكل العامة مع ما يبتلى به في خاصة نفسه، فإن مع تكالب هذه المشاكل والأزمات والابتلاءات ولدت عند بعض من الناس ظاهرة سيئة، ألا وهي ظاهرة التسخط والتذمر والتشكي. وهذا الذي أود أن أتحدث عنه في هذا المقام وفي هذه الليلة وفي هذا المسجد حول هذه الظاهرة التي بدأت تفشو، وما فشت إلا في ظل هذه الأوضاع التي سمعتموها من الأوضاع العامة، أضف إلى ذلكم الأوضاع الخاصة. ثم إن الناس في مسألة التسخط والتذمر هم على أحوال بين مستقل ومستكثر، فمنهم ربما يصل به حال التسخط إلى التشكي، فهو دائما الشكوى يشتكي ويئن، إذا كان جلس مجلسا، إن سئل فقط عن حاله كيف حالك يا أبو فلان، سرعان ما أطلق لنفسه العنان بالشكاية والبكاء. نحن كذا ونحن تعبنا وما عندنا، ونحن اشتكى من جوع أو اشتكى من قلة أو اشتكى من مرض أو اشتكى من وضع، وهكذا المرأة ربما إذا اجتمعت مع صويحباتها أو مع أخواتها أو مع من تجتمع بهن، ربما جل الكلام يذهب في التشكي، تشتكي عما تواجه في نفسها أو تشتكي ما يلاقيه بعض أبنائها أو ما تشتكي من حالة زوجها. وهل مجرد هذا بعضهم، ومن الناس من أعلى مقاما، لا فقط يقف حاله عند التشكي، بل يزيد حاله إلى حد السب والشتم واللعن، حتى إن منهم من يسب الدولة، وذاك يشتم المسؤول الفلاني، وذاك يلعن التجار أنهم السبب، فلا يزال يترك لنفسه الكلام في السب والشتم واللعن، حتى بعض ربما وقع في الحسد، يحسد الذين أعطاهم الله مما حرم منه. وبعضهم أسوأ حالا، يصل به التسخط إلى درجة أن يسيء الظن بالله، يسيء الظن بالله ويرى أن ما قضاه الله وما ابتلاه به في هذه الدنيا هذا ليس إنصافا، وأن هذا ليس من العدل، ولم هو ابتلى من دون الناس، هو بين إخوانه، لماذا إخوانه وأخوات عندهم الذرية وهو الذي خص بالعقم؟ فبعضهم يصرح بلسانه، وأكثرهم يضمر هذا في قلبه. الشاهد، أخواتي في الله، أن الناس في باب التسخط أشكالا وألوانا، وهو عدم الرضا عن أحوالهم، وكل يعبر، وإن هؤلاء إذا كلموا أو ذكروا بضرورة الكف وعدم الخوض، قالوا دعونا نعبر عما في نفوسنا، نعبر عما في نفوسنا، وأن هذا من باب التنفيس عن النفس وعن القلب، وهل هذا صحيح؟ الجواب لا. لأننا معاشر المسلمين ألزمنا بهذا الدين القويم، والذي فيه يأمرنا جل وعلا بأن نتحاكم إليه في كل شيء، في أقوالنا وأفعالنا، في حركاتنا وفي سكناتنا، وهكذا ما يكون من مشاعرنا وأحاسيسنا، ينبغي أن تكون على وفق الشريعة. وإن الشرع لا يرتضي مثل هذه الأخلاق ومثل هذه الأدواء، أن يكون المسلم يظل شاكيا باكيا متسخطا متذمرا. وإنني في هذا المقام لست في صدد ذكر أسباب التسخط والتشكي، فالمقام سيطول، لكن حسبي أن أشير إلى أهم الأمور التي إن اعتنى بها مسلم أو مسلمة كانت من أعظم الدواعي على أن ينكف عن الاستمرار والاسترسال في تسخطه، إن كان من المتسخطين، أو أنه لا يفكر في هذا الباب، إن سلمه الله من ظاهرة التسخط. وهذه من المسائل المهمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة. وأولى هذه المسائل التي أحب أن أذكرها في هذا المقام، وهي من الأمور العظيمة التي تكون نافعة في تخلصنا من داء التسخط، أولا أن نعلم أن هذه الصفة ليست من صفات أهل الإيمان، ظاهرة التسخط ليست من صفات أهل الإيمان ولا من صفات أهل الإسلام، وإنما هي من صفات الدون، كحال أهل النفاق والشقاق ممن قل دينه وقل ورعه، وضعف تعلقه بربه. هؤلاء يظهر منهم هذه الصفة المشينة، فإن من صفات أهل النفاق أنهم كثير التسخط، يظهر منهم التسخط في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. هذه حالة لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه تابعا لهوى نفسه، هذا لا ينبغي، وليست هذه من صفات عباد الله، أنه يجعل غضبه، يجعل رضاه، يجعل محبته إنما لهوى نفسه، إن وجد حظا من حظوظ الدنيا فرحا واستبشارا، وإن لم يجد شيئا من ذلك ظل ساخطا متذمرا. فاحذر يا عبد الله ويا أمة الله من هذا الصنف ومن هذا الوصف، هذا ليس من صفات أهل الإسلام، فهي من صفات أهل النفاق أيضا. هذه الصفة، صفة التسخط، هي أيضا من صفات أهل الدنيا، وهم ممن تعلقت قلوبهم بالدنيا، فاطمأنوا إليها وركنوا لها وانغمسوا فيها. هؤلاء كذلكم على ذلكم المنوال، همهم في الدنيا الأخذ، وإن حرموا أو منعوا تصخطوا. روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط منها سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». هؤلاء هم عباد الدنيا، ضابطهم كما في الحديث، إن أعطي من الدنيا رضي، وإن لم يعط منها تصخط. فلينظر كل منا إلى نفسه، إلى أحواله، وإلى سعيه كيف هو؟ نجد أن الكثير منا يبتلى بهذه الخصلة الذميمة، إن وجد حظا من حظوظ الدنيا، متاعا من زينتها، فرحنا واستبشرنا، وإن رأينا أننا منعنا وما أعطينا مثل ما أعطي غيرنا، غضبنا وتصخطنا. فكانت منا الشكوى، وكان منا البكاء، وكان منا التذمر، فهذه من صفات ضعاف الإيمان. فالمسلم إذا علم ذلكم، علم أن هذه ليست بأخلاق أهل الإيمان، ترفع عنها، وليبتعد عنها. وهنا يأتي سؤال قد يقول قائل: إذا كان حال أهل النفاق وحال أهل الدنيا إن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها ظلوا متسخطين، إذن ما هي صفات أهل الإيمان الصحيحة، والذي ينبغي عليها أن يكون كل عبد لله؟ الجواب هو ما جاء في الصحيح من حديث صهيب بن سنان رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». هنا تكمن صفات أهل الإيمان، في حال السراء إذا أنعم عليهم ربنا بالخيرات والأرزاق والأموال والإنجاب والذرية وحسن الحال، كان منهم التوجه لله عز وجل بمقام الشكر، وإن كان العكس، أن ابتلاهم الله جل وعلا بالضراء من شدة ومن فقر ومن مرض أو آفة أو داهية أو مصيبة أو نكبة، كان من أمره أن توجه إلى الله جل وعلا بمقام الصبر. فهو في كل أحواله على حالة ترضي الله جل وعلا، إما شكر وإما صبر، ما عنده شيء اسمه تسخط، لا، لا يتسخط، فهو في كل أحواله يرضي ربه عز وجل. إن ابتلاه الله بالغنى حمد الله، وإن ابتلاه الله بالفقر صبر واحتسب، إن أنعم الله عليه بالصحة شكر الله، وإن ابتلاه الله جل وعلا بالمرض صبر. فكان خيرا له، إن ابتلاه الله، إن حباه الله جل وعلا بالشبع حمد الله، وإن ابتلاه الله جل وعلا بالجوع صبر فكان خيرا له، إن ابتلاه الله، إن حباه الله جل وعلا بالأمن والأمان حمد الله، وإن ابتلاه الله جل وعلا بالخوف والحرب والضيق صبر فكان خيرا له. ولهذا جاء في أحد الروايات قال عليه الصلاة والسلام «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن»، هذه صفة خاصة المؤمن فقط، هو المخلوق الوحيد الذي جبله الله جل وعلا على هذا الخلق السديد، في كل أحواله في سرائه وضرائه، هو يرضي ربه عز وجل بين مقامي الصبر والشكر. الأمر الثاني، والذي به مما يستعين به كل مسلم ومسلمة على أن يتخلص من هذا الباب، أن يعلم أن ما هو فيه وما ابتلي به من مصيبة، من فقر، من قلة ذات يد، من مرض، من آفة، أن يعلم أن ذلك كله بتقدير الله جل وعلا، أن ذلك كله بتقدير الله جل وعلا. الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر على العباد ذلكم، لا أحد سواه، لا إله غيره ولا رب سواه جل وعلا، هو الذي قدر المقادير على الخلق. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وتأمل في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ مصيبة نكرة في سياق النفي، فهي تفيد العموم، أي مصيبة. قلب نفسك يا عبد الله، وقلب نفسك يا أمة الله، في هذه الخصرة التي أنت تشتكين منها ليل نهار، سؤال: من الذي جعلك على هذه الهيئة؟ الجواب هو الله، هو الذي قدر عليك ذلك سبحانه وتعالى. وهذه المسألة هي في الحقيقة تتفرع من مقام عظيم، وهي من أصول الدين ومن أركان الدين العظيم، ومن أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، الإيمان بالقضاء والقدر من أصول الدين، بل لا يصح إيمان العباد إلا به. وهذا المقام فحواه ومعناه أن نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، هذا هو خلاصة الإيمان بالقضاء والقدر. أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، هذا التقدير هو جاء رأسا لنا، جاء من عند الله لنا، ما جاء لغيرنا. حتى تجد أن من الناس من يرى أنه مبتلى بهذا، ما ينبغي، كيف أنا رجل صالح، وأنا رجل صالح، وتلك ربما تحدث نفسها بأنها امرأة صالحة، وأنها مقبلة على الحلقات، وأنها مقبلة على الصلاة، وأنها مقبلة على ذكر الله، أن أصاب هذا وهذه أخرى، ربما عندها من البعد عن الله بعد عن الله جل وعلا، ربما تنغمس في الشهوات والملذات، وهي بأكمل صحتها وعافيتها. فتظل ترى أن هناك شيئا ليس بصحيح، أن هذا البلاء كان ينبغي في تلك، حتى ترجع إلى الله، وأنني ينبغي أن أمتع بالصحة حتى أستمر في عبودية لله، أهذا صحيح؟ الجواب لا، هذا ليس بصحيح، لأن الله جل وعلا هو الذي قدر هذا لكي، وهو الذي جعل لتلك العافية، من الله. ما أصابنا ما كان ليخطئنا، وما أخطأنا ما كان ليصيبنا، فالرصاصة الطائشة التي مرت بجواري وأصابت من خلفي، ما كانت عشوائية، لا، كانت مقصودة، هكذا أنها ما تصيبني، وإنما أراد الله أن تصيب من خلفي. الإنسان إذا فعل مقام القضاء والقدر في حياته، لما وجد للتسخط مدخلا في حياته، لأن حقيقة التسخط سيعود على من؟ سيعود على ربه، سيعود على الله جل وعلا. الله الذي قدر علينا كل شيء، الحرب والسلم، الصحة والمرض، الغنى والفقر، والحياة والموت، كل ذلك بتقدير الله عز وجل. فينبغي للإنسان دائما أن يستذكر أن ما ابتلي به إنما هو بتقدير الله سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». الأمة جمعاء لو تكالبت على أن يضروك، اعلم أنهم أسبابا فقط، الله جعلهم سببا، وإلا مسبب الأسباب هو الله سبحانه وتعالى. ومن هنا فالإنسان كلما كان تعلقه بمقام القضاء والقدر أوثق، فإن المصائب حينها تهون على قلبه، تهون على قلبه. ولهذا ما هناك شيء يسل به أهل الإيمان في الدفع لما يبتلون به، بمثل إيمانهم بقضاء الله وقدره، كما قال ربنا جل وعلا، واصفا أهل الإيمان قولهم: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. كلمات عظيمات، كلمات عظيمات، لو أن الإنسان من أصابه الله بمرض شديد، بمرض شديد أقعده الفراش واستمر معه سنوات، فلا زال يكرر هذه الآية، فتهون على نفسه مبتلى به. وهكذا المرأة لو ابتلاها الله جل وعلا مثلا بعدم الإنجاب، فتعلم أن ذلك بتقدير الله جل وعلا، فإن هذا الدعاء وهذه الكلمات وهذه الآيات تنزل على قلبها بردا وسلاما. وهذا الذي أمرنا عليه الصلاة والسلام به، أننا في مصائبنا نرجع الأمور إلى الله. ولهذا ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». وفي لفظ «ولكن قدر الله وما شاء فعل». الإيمان بالقضاء والقدر يهون على النفس ظاهرة التسخط والتندم والتشكي. فينبغي علينا جميعا ونحن في هذا المقام أن نستذكر هذا الأصل العظيم. كذلك مما يذكر في هذا المقام، وهي من الأسباب العظيمة التي بها نستدفع ظاهرة التسخط والتذمر من حياتنا وعن مصائبنا، أننا نعلم أن هذه الظاهرة ليست بالأمر الهين، إذ أن لها عواقب، إذ أن لها عواقب وعواقبها تكون في الدنيا والآخرة. فينزل الله جل وعلا على المتسخطين وعلى المتذمرين من العقوبات من العقوبات، جزاء هذا الفعل. وهذا بيان لكل متسخط أو متسخط ممن جعل ذلك مسلكا من مسالك الحياة، يصبح عليه ويمسي أن يعلم أنه أتى بابا عظيما من أبواب الآثام. فمما يدلل به على حرمة هذه الظاهرة، ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». هذا الحديث ويقول عليه الصلاة والسلام «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، هذه قاعدة وهي قاعدة مضطردة، على قدر المصيبة يعظم الأجر، ففيه تسلية لنا، نسلي أنفسنا بما نصاب به، بأن هذه المصائب تعود علينا بالحسنات، وتعود علينا بالأجور، نؤجر عليها يوم أن نلقى ربنا سبحانه وتعالى. فالإنسان يتسلى بكل مصيبة لا يشتكي منها، كما يقول بعض السلف «والله لو لا المصائب لبعثنا عند الله مفاليس»، لو لا المصائب أي حلت فينا، لكننا عند الله مفاليس، أي ما عندنا أعمال نقابل بها ربنا لقلة عباداتنا وطاعاتنا، لكن تأتي المصائب فتغفر عن ذنوبنا وتكفر عن سيئاتنا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم». وتأمل في هذه المقالة «وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم»، وفيه رد على من ظن أن البلاء إذا أنزله الله، وهو إشارة على الكره أو إشارة على غضب الله على العبد، لا، كيف هذا؟ وربنا عز وجل قد أنزل البلاء على أحب عباده، ألم يبتل ربنا جل وعلا الأنبياء؟ ألم يبتل الأصفياء؟ ألم يبتل الأولياء؟ بلى، بل قال عليه الصلاة والسلام «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه». ماذا نفعل الآن؟ هذا الحديث يوضح أن الله يبتل الأنبياء أشد البلاء، هذا علامة على ماذا يا من يقول بأن البلاء إنما هو دلالة على الكره؟ فحال بعضنا إذا وجد أن الله أنزل عليه المصائب، جمع مرض من جانب وفقر من جانب وأذية من جانب، يقول «إيش الحياة هذه؟» لا يا عبد الله، اجعلها علامة من علامة محبة الله لك «إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». فإذا وجد أحد منا أنه يتصف بالتسخط، فالله يعامله بالمثل. ودل هذا الحديث على أن الله يعامل العباد على قدر تعاملهم مع البلاء، الله سبحانه وتعالى يعامل العباد على قدر تعاملهم مع البلاء، فمن رضي عن البلاء رضي الله وأرضى الله عنه، ومن تسخط عن البلاء تسخط الله عليه. وبهذا نعلم شؤم هذه الظاهرة، وأنه ليس بالأمر الهين كما يدعي من يدعي ذلك من الناس. ثم أخبر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث كما قلنا، فيه بيان على أن هذا من الإثم العظيم الذي يجاز عليه العبد، بأن الله سبحانه وتعالى يتسخط عليه. وأيضا كذلك من الآثام التي تتنزل على المتسخطين، ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الفساق هم أهل النار». وهذا الحديث أورده العلامة الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام «إن الفساق هم أهل النار»، قالوا: يا رسول الله، ومن الفساق؟ قال عليه الصلاة والسلام «هن النساء»، قال رجل: يا رسول الله، أولسنا أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال عليه الصلاة والسلام «بلى، بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن». فتأمل يا أمة الله لهذا الحديث، وهو يتعلق بخصوص النساء، إشارة إلى أن هذه الظاهرة كثيرا ما تتفشى بين النساء، وهذه من علامات الفسق، أن المرأة ربما تعطى فلا تشكر، قليلة الشكر، قليلة الحمد، وكذلك إذا ابتليت لم تصبر، كثيرة الشكوى. فلتتأمل كل واحدة منا، وليس معنى ذلك أن الحكم خاص، لكنه أغلبي، بل يدخل في ذلك الرجال، فكم من رجل إذا أعطي ما شكر، وإذا ابتلي ما صبر. فلنعلم أخواتي في الله عظيم هذا المقام، وأنه من الأمور العظيمة التي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن لا يظهر شيء من تسخطه أو تذمره على ما يبتلى به. وأيضا كذلك مما يذكر من الدوافع التي يستدفع بها هذه الظاهرة، أن نعلم أن أهل التسخط ليسوا أهلا للصحبة، وليسوا أهلا للمصادقة أو المزاملة، لأنهم رفقة سيئة. ما ظنكم برجل أو بامرأة إن جلس أو إن جلس ما يستفتح كلامه ولا ينتهي إلا بالتشكي؟ يشتكي ويشتكي ويشتكي حتى يأخذ المجلس شكاية، ولربما صاحب هذا الشكاية بالبكاء، ولا يزال يتذمر حتى يريد أن يستعطف الناس. وما درى أنه بهذا الحال قد أظهر عدم رضاه بقدر الله وقضائه. ولهذا من أمثال هؤلاء يقلل الإنسان من صحبته معهم. وانظروا لهذا المثال البديع الذي جاء في الصحيح، عندما قام إبراهيم عليه السلام بزيارة ابنه إسماعيل، فزاره إلى بيته فلم يجده، ووجد امرأته، فسألها عن إسماعيل، قالت: خرج يستعذب لنا الماء. قال: فكيف حالكم؟ فإذا بالمرأة تشتكي، فاشتكت إلى إبراهيم ما تجده من قلة المعيشة ومن كذا ومن كذا، فسمع إبراهيم هذه الشكاية من المرأة، فقال لها مودعا: «إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام، وأخبريه أن يغير عتبة بابه»، وانصرف. فلما جاء إسماعيل عليه السلام إلى بيته، وجد أن هناك أمرا ليس شيئا طرأ في بيته، قال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم، جاء رجل وأتت له بصفاته، فعلم إسماعيل أن أباه قد قدم عنده زائرا، قال: وماذا؟ قالت: سأل عن حالنا، ثم قال: وأوصاني أن أخبرك بأن تغير عتبة بابك. قال: نعم، هذا أبي إبراهيم، ويأمرني أن أطلقك، فالحقي بأهلك، وطلقها إسماعيل عليه السلام من خلال استماعه لحال هذه المرأة الشاكية، علم أنها لا تصلح أن تكون زوجة لابنه، فأمره أن يطلقها، فطلقها إسماعيل، ثم تزوج بأخرى. والقصة معروفة، فجاء إبراهيم بعد فترة، فلم يجد إسماعيل، وسأل عن حالها، فإذا بها حامدة شاكرة، مع أنها نفس الأولى، عاشت في نفس البيت، في نفس الوضع، الأكل هو هو، والقوت هو هو، والحالة هي هي، لكنها حامدة الله. فلما سمع إبراهيم منها الشكر والحمد، قال: «إذا جاء إسماعيل أقرئيه مني السلام، وأخبريه أن يثبت عتبة بابه». ثم جاء إسماعيل وعلم أنه أبوه قد زاره، وأنه يطلب منه أن يتمسك بهذه المرأة، فدل ذلكم على أن المرأة ينبغي أن تكون حامدة شاكرة. وهذه من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، من صفات رسول الله أنه يظل يومه حامدا شاكرا، كما جاء من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ما يسره قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا وجد ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال». سبحان الله، ما يخرج من فمه إلا الحمد لله، ما هناك تسخط في حياته، ما هناك تذمر، ما هناك تشكي. فالشاهد أخواتي في الله، والمقام يطول، وقد انتهى الوقت، فالشاهد من ذلكم أننا كنا معكم في هذه المحاور بذكر أهم الأمور والدوافع التي إن استطاع أن يتحلى بها كل مسلم ومسلمة، كان ذلك من أعظم الدوافع على أن لا يظهر تسخطا أو تذمرا أو شكاية. لأن ذلك ليس من صفات أهل الإيمان، وأن ذلك فيه معارضة لقضاء الله وقدره، وأن ذلك تلحقه العواقب العظيمة في الدنيا والآخرة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.