الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
فتنة القبر هي السؤال الذي يحدث للإنسان بعد دفنه في قبره، وهي حق كما جاءت به الأدلة من القرآن والسنة النبوية.
هناك استثناءات لمن لا يفتنون في قبورهم، مثل الشهداء والمرابطين في سبيل الله والأنبياء والصديقين، ويستند ذلك إلى أدلة من النصوص الشرعية.
الصّديقون يدخلون في عامة من يفتن، بينما لا يفتن الصبي لأنه لم يكلف، وهناك اختلاف بين العلماء في فتنة الكافر والمجنون، ويحدث سؤال منكر ونكير في القبر.
يجب الحذر من الوقوع في الفتنة لأنها أمر خطير، وقد تم التأكيد على أهمية التحذير منها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فتنة القبر حق، وسواء المنكر نكير حق. مسألة: فتنة القبر، المراد بالفتنة هو السؤال الذي يكون في القبر. وذكرنا في الدرس الذي مضى أن عذاب القبر ونعيمه حق، والفتنة أيضا حق، جاءت بها الأدلة المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما جاء في قول الله جل وعلا: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. فقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث البراء في مسلم- قال: «نزلت في عذاب القبر». وجاء في رواية: «نزلت في فتنة القبر». فعني: «تسألون»، وعني: «وبي تفتنون»، فعني: «تسألون»، وبي «تفتنون». فالفتنة هي السؤال عندما يسأل العبد في قبره عن ربه وعن دينه وعن نبيه. وقد جاء في حديث البراء الطويل في السؤال وأنه يسأل عن ربه وعن دينه وعن نبيه. فعما المؤمن فيقول: «ربي الله، ودين الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم». وعما المنافق أو الكافر -وجاء في رواه أو الفاجر- فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئا فقلت»، «سمع الناس يقولون أن رسول الله محمد»، لكن لم يؤمن؛ فلهذا لم يستطع أن يقوله في القبر، لم يثبته الله، لم يثبته الله عز وجل في القبر. لماذا؟ لأنه لم يقولها عن إيمان، لم يقول هذه الكلمة عن إيمان؛ فلهذا فلا يستطيع أن يجيب في القبر، فيقول: «سمعت الناس يقولون شيئا فقلت». وهذا يدل أيضا على أنه ليس كافرا وإنما منافقا، أنه منافق. وهذه الفتنة تكون في القبور لهذه الأمة، وقيل أيضا للأمم السابقة. وقد جاء في حديث أبي أيوب: «إنكم أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم». فلهذا قال بعض العلماء أن الفتنة تكون في هذه الأمة فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفتنون في قبوركم». لكن هذا لا يدل على أنها في هذه الأمة فقط، إنما هو خطاب لهذه الأمة. لهذا قال أكثر أهل العلم أن الأمم كلها تفتن في قبورها. وقالوا: لأن الله عز وجل قد وضع الأغلال على هذه الأمة، فكيف يختصون بالسؤال وأولئك لا يختصون بذلك؟ لكن نحن نقف عند النصوص، فإن جاء ما يدل على أن هذه الفتنة تكون في هذه الأمة وفي غيرها نقول به، وإلا فلم يأت أنها أن الأمم السابقة أيضا كانت تفتن، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة في هذه الأمة. وفرق بين عذاب القبر ونعيمه وبين الفتنة، فقد يعذب الله عز وجل الشخص دون أن يفتن، وهذا قد يكون في الأمم السابقة. وأما هذه الأمة فجعل لهم السؤال، فمن أجاب على هذه الأسئلة فاز، ومن لم يجب على هذه الأسئلة فإنه يخسر. إنه امتحان في الدنيا، وامتحان في القبر، امتحان في الدنيا بالأعمال، وامتحان في القبر بهذه الأسئلة. فلهذا ففتنة القبور تكون على هذه الأمة. لكن هل كلهم؟ لا، هناك أناس يستثنون من هذه الأمة؛ لأنهم لا يفتنون في قبورهم. وقد ذكر الإمام بن عبدالبر رحمه الله عدة من يستثنى من هذا السؤال، ولخص كلامه الإمام بن القيم في كتاب الروح، فذكر أن الذين لا يفتنون أو الذين يفتنون من الفتنة: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والأطفال، والمجانين. وذكر أيضا الكفار. أما الأنبياء فلا شك أنهم لا يسألون؛ لأنهم معصومون. وأما الشهداء فقد جاءت النصوص باستثنائهم، كما جاء في الصحيحين: «كفى ببارقة السيوف فتنة على رؤوسهم». وأيضا في الحديث الذي فيه الجوائز الست، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مات الشهيد أعطي ستا»، وذكر منها: «أنه يوقى الفتان». الفتان معناه فتنة القبر. وجاء في رواية: «يوقى فتنة القبر». ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل يفتنون الشهداء في قبورهم؟ قال: كفى ببارقة السيوف فتنة على رؤوسهم». معناه أنه ما يفتنون؛ فجاءت الأدلة باستثناء الشهداء. وجاء أيضا في بعض الأدلة باستثناء المرابطين، أنه يجرى عمله ولو في قبره، ويوقى الفتان؛ فعنى لا يفتن في قبره. وأن عمله يجرى يجري عليه وهو في قبره؛ فعنى إذا مات المرابط في سبيل الله، وهو أيضا يدخل في أعداد الشهداء. والخلاف في الصديقين: هل يفتنون في قبورهم أم لا؟ فبعض العلماء -كما ذكر الإمام بن عبدالبر وغيره- أنهم ما دام أن الشهداء لا يفتنون، فمن باب أولى الصديقون؛ لأنهم أفضل من الشهداء. فلهذا فهم يستثنون. وقال الإمام بن القيم رحمه الله -بعدما ذكر كلام بن عبدالبر- قال: «وأما الصديقون فلم يأت دليل يخصهم؛ فلهذا فهم يفتنون في الفتنة العامة». معناه أن يقول أنهم داخلون في عامة من يفتن، لكن هل يستثنون؟ ما نستثنيهم إلا بدليل، الدليل لم يستثنيهم، لكن يدخلون في عامة الفتنة. وأما الصبي فهو لم يكلف، وقال جمهور العلماء أنه لا يفتن؛ لأنه ليس عليه عذاب في القبر؛ فلهذا لا يفتن في قبره. لكن جاء عند مالك بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه صلى على طفل جنازة، فقال: «اللهم قي عذاب النار وفتنة القبر». ورواه بعضهم مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يثبت الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة -أي من كلام أبي هريرة- فاستشكل بعضهم هذا الأمر: فهل على الطفل الصغير عذاب القبر وفتنته؟ فمن أهل العلم من قال بهذا، لكن أكثر العلماء يقولون أنه لا يفتن وليس عليه عذاب قبر. وقد يكون هذا قاله أبو هريرة اجتهادا -رضي الله تعالى عنه-. وأيضا المجنون -أيضا لأنه ليس مكلفا- عن المجنون الذي مجن قبل البلوغ، مجن قبل بلوغه. وأيضا الكافر اختلفوا فيه: هل الكافر يفتن؟ لأنه يعذب، سواء كان فتن أو لم يفتن، فتكون الفتنة ليست له ذات أهمية. لكن في الأدلة النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنكم تفتنون». فهل هذا الخطاب لأهل الإيمان فقط، ولأهل الإسلام أم أنه يدخل فيه هؤلاء وهؤلاء؟ وجاء في رواية في حديث البراء. ولأن حديث البراء رواه بعض من ليس بذلك حفظ عندهم -كعاصم ابن نجود رحمه الله عليه- فذكر في بعضها شك، فقال: «وأما الكافر». وفي بعض الروايات: «وأما المنافق». وفي بعضها: «وأما الفاجر». والذي أثبت هذه الروايات: أما المنافق فالظاهر أنه المنافق يسأل ويفتن. وأما الكافر الذي يموت كافرا فهو يعذب بدون فتنة -والله أعلم-. فهؤلاء الذين ذكروا في هذا أو في هذه الفتنة أو أنهم يفتنون في قبورهم، وهذا تفصيل أهل العلم. وأما سؤال منكر نكير فقد جاء في سنن الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي إذا وضع الرجل في قبره أتاه ملكان يقال لأحدهما منكر والآخر نكير فيسالانه». فهي من الفتنة، داخل في الفتنة. هذا إن شاء الله نكتفي به.