الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث أبي قتادة رضي الله عنه في طهارة الهرة، حيث أصغى لها الإناء لتشرب من وضوئه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم». ويتناول معنى «الطوافين» لغةً وشرعاً، ويذكر تخريج الحديث وتصحيحه، مع مناقشة رجال الإسناد ولا سيما حميدة بنت عبيد وكبشة بنت أبي كبشة.
يؤكد المقطع صحة حديث أبي قتادة في طهارة الهرة وسؤرها حتى لو أكلت نجاسة، ويناقش استدلال الحنابلة بتقسيم الحيوانات إلى ما فوق الهرة نجس سؤره وما دونها طاهر، مع رد هذا التقسيم لعدم الدليل عليه. ويرجح القول بطهارة سؤر جميع الحيوانات بما فيها الكلب والخنزير، موضحاً خلاف الشافعية في نجاسة سؤر الكلب والخنزير فقط.
الصحيح أن سؤر الهرة طاهر ولا يُعتبر نجساً، ولا يُشترط مضي زمن محدد لطهارة فمها بعد أكل النجاسة، بل العبرة بزوال عين النجاسة من فمها. فإن شربت والماء لم يتغير بنجاسة فمها فهو طاهر، وإن تغير فهو نجس. والهرّة في ذاتها غير نجسة لكن أكلها حرام.
يُبيّن المقطع أنه لا دليل على نجاسة آسار الحيوانات ما دون الهرة، باستثناء ما ورد في الكلب، ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القول.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم». أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. قال عنه: وعن أبي قتادة بفتح القاف، فميم، ثم مثناة فوقية بعد الألف، دال مهملة. عن أبي قتادة، اسمه في أكثر الأقوال: الحارث بن ربعي بكسر الراء، فموحد ساكن، فمهملة مكسورة، ومثناة تحتية مشددة. الأنصاري، فارس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شهد أحداً وما بعدها، ولم يشهد بدراً. شهداء أحد، وكانت وفاته سنة أربعين أو خمسين بالمدينة، وقيل مات بالكوفة في خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام، وشهد معه حروبه كلها. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في الهرة. قال: الحديث له سبب، وهو أن أبا قتادة سكب له وضوء، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، فقيل له في ذلك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ليست بنجس». أي: فلا ينجس ما لامسته. والذي كانت عنده هي زوجة ابنه، كبشة بنت المقداد. الظاهر: كبشة بنت أبي كبشة، وكانت زوجة ابنه عبد الله، عبد الله بن أبي قتادة. فلما رأته يسكب، أو لما جاءت الهرة، أصغى إليها الإناء فشربت، فشربت الهرة، ثم توضأ من هذا الإناء، فقالت له هذه المرأة لما فعلت هذا: فقال: «إنها ليست بنجس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين». وجاء في رواية: «الطوافات»، لكنها لا تصح. قال: «إنما هي من الطوافين»، جمع طائف عليكم. قال ابن الأثير: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، والطواف فعال منه، شبهها بالخادم الذي يطوف على مولاه ويدور حوله، أخذاً من قوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾. وفي رواية مالك، وأحمد، وابن حبان، والحاكم: زيادة لفظ «والطوافات»، جمع الأول مذكراً سالماً نظراً إلى ذكور الهر، والثاني مؤنثاً سالماً نظراً إلى إناثها، لكن كما قلنا فيها ضعف. قال: فإن قلت: قد فات في جمع المذكر السالم شرط كونه يعقل، وهو شرط لجمعه علماً وصفة. قلت: لما نزلت منزلة من يعقل، بوصفها بصفته وهو الخادم، أجراها مجراه في جمعها صفة، أن يجعلها كأنها صفة خادم، لأنه أنزلها منزلة الخادم، أنزلها منزلة الخادم وهي الهرة. قالوا في التعليل: إشارة إلى أنه تعالى لما جعلها بمنزلة الخادم في كثرة اتصالها بأهل المنزل وملابستهم لهم، أراد الآية، ولما في منزلهم خفف تعالى على عباده بجعلها غير نجس، رفعاً للحرج. إن هذه الهرة لأنها من الطوافين دائماً، مثل الأبناء، ومثل من يكون في البيت دائماً من الخدم، فلذلك جعلها مثل هؤلاء، فلذلك ليست بنجس. قال: «إنها ليست بنجس». قال: أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. قالوا: صححه أيضاً البخاري، والعقيلي، والدارقطني. الحديث هذا جاء من طريق حميدة، امرأة يقال لها: حميدة بنت عبيد، عن كبشة بنت أبي كبشة، عن أبي قتادة. فاختلفوا في حميدة وكبشة. أما كبشة فهي صحابية، وإنما الخلاف في حميدة بنت عبيد. منهم من يقول: إنها صحابية، ومنهم من يقول: إنها ليست صحابية. لكن الحديث قد جاء من طرق أخرى عن أبي قتادة، فالحديث صحيح. وهنا قال: صححه العقيلي، والعقيلي عنده تشديد في هذا الباب في مثل التصحيح والتضعيف، فإذا صحح حديثاً فغالباً معناه يجزم عليه لأنه متشدد في التصحيح والتضعيف، يعني متشدد في التصحيح، حتى أحياناً يصححه البخاري وهو لا يصحح، وهو تلميذ البخاري. العقيلي أكثر كتابه "الضعفاء" مأخوذ من كلام البخاري. طيب، فالحديث صحيح. قال: والحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها، وإن باشرت نجساً، وأنه لا تقييد لطهارة فمها بزمان. معنى ذلك: ولو مثلاً أكلت ميتة نجسة، فإنها أيضاً تكون طاهرة. وهذا ظاهر الحديث. أولاً: طهارة هذه الهرة، الهرة طاهرة، معنى جسدها طاهر وليس فيها شيء نجس. وما ولغت فيه أو ما شربت منه أيضاً لا ينجس، لأنها ليست بنجس. إذا شربت من الماء الذي يتوضأ به، فسؤرها - السؤر هو الباقي - فسؤرها طاهر أيضاً، سؤرها طاهر أيضاً. واستدل به الحنابلة على أن سؤر الحيوانات من الهرة وما دونها يكون طاهراً، وما كان فوق الهرة يكون نجساً. وهذا لا دليل عليه في الحديث، لا دليل عليه في الحديث، وإنما ذكر في الهرة فقط، والتنصيص على الهرة لا يدل على أن غيرها نجس. أن التنصيص في الهرة لا يدل على أن غيرها نجس. لكن فهم بعض العلماء، خاصة الحنابلة، يقولون: ما كان فوق الهرة فهو نجس سؤره، يعني يقولون: سؤره ليس هو سؤر هذا، شيء مثلاً الكلب، السباع كلها، الحمار، البغل، فهذا كله سؤره يكون نجس إذا كان حراباً، أما إذا كان حلالاً فسؤره حلال غالباً معنا، مثل بهيمة الأنعام، مثل الخيل وغيرها مما يجوز أكله، يجوز سؤره يكون صحيح. وأيضاً استدلوا بحديث ابن عمر: «الماء يكون بأرض فلاة وتنوبه الدواب والسباع»، فقالوا: هذا دليل على أن سؤرها نجس. وهذا لا دليل عليه أيضاً، لأنه لم ينص في الحديث على أن سؤرها نجس، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، فهو كلام عام، لم يأت فيه على أن السؤر فيه نجاسة أو ليس فيه نجاسة. فإن قالوا: إنه دليل على أن سؤر السباع نجس، يقال: قد ذكرت الدواب مع السباع، فهل معناه ذلك أن الدواب أيضاً نجس؟ فهم قالوا: معناه يقولون أن الأمر فيه نجاسة. مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبث»، هناك خبث، لكن أشهر خبث هذا حمله هؤلاء على سؤر الحيوانات التي هي محرمة أكلها، حملوها على السباع، وعلى كل ما كان فوق الهرة. وما دون الهرة وما دونها يقولون: سؤره ليس بنجس. وهذا وهذه معنا المسألة أو القاعدة عند الحنابلة ليست صحيحة، لأنه كما قلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على غير الهرة، وإنما جاء النص في الهرة، ولا يلزم أن يكون ما فوقها سؤره نجساً، وما دونها سؤره طاهراً. قال: الحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها. فالصحيح من السؤر كما قلنا: أنه ليس هناك سؤر نجس، ليس هناك سؤر نجس أبداً، لا للكلب وللخنزير ولا غيرهما. الشافعية عندهم أن سؤر الكلب والخنزير هو الذي ينجس، معنى نجس سؤر الكلب والخنزير، وأما غيرها من السباع يقولون: إنها طاهرة. والحنابلة يرون كما قلنا: ما دون، ما فوق الهرة سؤره نجس، يعني مما لا يؤكل، والهرة وما دونها سؤرها طاهر. والصحيح أنه ليس هناك من السؤر ما يكون نجساً نجساً، لعدم الدليل على نجاسة شيء من السؤر، إلا الخلاف كما قلنا في الكلب. الخلاف في سؤر الكلب، فقول الجمهور على أن سؤره نجس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً»، فهذا محتمل كما تقدم معنا. وقياس الشافعية الخنزير على الكلب أيضاً لا دليل عليه. قال: وأنه لا تقييد لطهارة فمها بزمان. وقيل: لا يظهر، أو لا يظهر فمها إلا بمضي زمان، ليلة أو يوم أو ساعة. وهذا لا دليل عليه، وهو عند الحنفية. لا دليل على التوقيت معنا، يقولون: إذا أكلت نجساً، إذا أكلت أو أكلت شيء من النجاس، أو شربت شيء من النجاس، فمتى يطهر فمها وشعرها؟ معنا قالوا: بمضي يوم، أو يومين، أو ساعة، أو ساعتين. معنا على خلاف بينهم. والصحيح أنه لا اعتبار بهذا، لا اعتبار بهذا، مادام أنها قد أكلت ودخل في بطنها، وليست النجاسة موجودة في فمها، فسؤرها يكون طاهر. لكن لو كانت النجاسة موجودة في فمها، ووضعت هذه النجاسة في الماء الذي شربت منه، فهنا نرجع إلى القاعدة أو المسألة الأولى، فنقول: فإن تغير بهذه النجاسة يكون متنجساً، ولا يجوز أن يتوضأ به. فإذا لم يتغير، فإنه يجوز أن يتوضأ به. وأما تحديد زمن معين، فلا دليل عليه. قالوا: شربها الماء يغنيها حتى يحصل ظن بذلك بطهارة فمها، أو بزوال عين النجاسة من فمها. هذا لابد أن يتأكد من زوال النجاسة من فمها، إذا وجدت النجاسة في فمها، كما قلنا: إن غيرت الماء هذه النجاسة، يعتبر الماء نجس، وإن لم تغير، فلا يعتبر الماء نجس. قال: وهذا الأخير أوضح الأقوال، عن أنها حتى تزول عين النجاسة من فمها. هذا لا شك، لكن كما قلنا: نرجع إلى المسألة الأولى، وهي مسألة التغيير. قال: وهذا الأخير أوضح الأقوال، لأنه مع بقاء عين النجاسة في فمها فالحكم بالنجاسة لتلك العين، لا لفمها، فالعين هي النجسة، وليس فم الهرة. قال: فإن زالت العين، فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. وخلاصة الأمر: أن الهرة ليست نجسة، لكنها لا يجوز أكلها، لا يجوز أكلها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور، فهي حرام أكلها، لكنها ليست بنجسة، معنى مسها وكذا، فهي من الطوافين في البيوت. وأيضاً سؤرها، ما شربت فيه من الماء من الآنية، أيضاً ليست بنجس، لأنها ليست بنجس. لكن إذا وجد في فمها نجاسة، أكلت نجاسة، أكلت ميتة مثلاً، لأن الهرة تأكل الميتات مثلاً، أن تكون ميتة من فأرة مثلاً أو كذا، فأكلتها، فيكون في فمها نجاسة. فإن بقيت هذه النجاسة في فمها، وشربت من ماء، فسؤرها ينظر فيه، كان إن كان هذا السؤر باقي، باقي فيه النجاسة، وتغير، وتغير الماء بهذا السؤر، بهذه النجاسة التي في فمها، تعتبر الماء نجس، وإن لم يتغير لا يعتبر. وأيضاً إذا شربت، أو إذا شربت بعد زوال النجاسة، فلا إشكال فيه. فهذا ما يذكر في مسألة الهرة. وأما ما دون الهرة، كما قلنا، من آسار، أيضاً لا دليل على أن آسار الحيوانات نجسة، إلا ما جاء في الكلب. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.