التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 67

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 67

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 67، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسباب الشرك: الغلو في الصالحين وتدرج الشيطان وقصة قوم نوح

يستعرض المحور أسباب الشرك المتمثلة في الغلو في الصالحين والبدع، مبيناً كيف يدرج الشيطان الإنسان خطوة خطوة من التساهل إلى الشرك الأكبر. ويضرب المثل بقوم نوح الذين نصبوا الأنصاب للتذكر فانتهوا بعبادتها، محذراً من أن حسن القصد لا يغني عن حسن الاتباع.

خطر العكوف على القبور وربطه بأصل الشرك وقصة قوم نوح

يحذر المحور من العكوف الطويل عند القبور والدعاء لأصحابها موضحاً أن هذا الفعل هو ذريعة الشرك كما حدث مع قوم نوح. وينبه إلى أن قراءة نصوص النهي لا تنفع من حال الله بينه وبين قلبه فيستحل الشرك ويكفر من ينهى عنه.

تمة الكلام في الغلو بالقبور وآثار فقد العلماء في انتشار الشرك

يبين المحور كيف يقع المتأخرون في الشرك باتخاذ القبور والصالحين وسائط مع الله رغم النهي الصريح، مشبهاً شركهم بشرك المتقدمين بل أشد. ويحذر من الغلو والتنطع في الدين، مؤكداً أن موت العلماء وضياع العلم يفتح باب الجهل المفضي إلى الشرك والذل.

الدعوة لطلب العلم والتطلع للعلماء النافعين وخاتمة الدرس

يختتم الدرس بالحث على العناية بطلب العلم وتحفيز النفس لتكون من العلماء الذين ينفع الله بهم البلاد والعباد. ويختم المحور بالشكر والدعاء بالتوفيق والسداد.

  • 22 جمادى الآخرة 1445هـ - 03/01/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتكملة لمسائل الباب، وهو باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. قال شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد. وأخذ هذا من قوله: «ونسي العلم»، أي: نقص العلم. فإذا نقص العلم ونقص الحق في بلد ما، لا شك أن الباطل يحل محله، يحل محله. فإذا فبقدر نقص الحق يكون زيادة الباطل، وبقدر نقص الحق والعلم تكون زيادة الجهل والباطل، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. قال: الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر. وقد يقول قائل: قد مر معنا أن سبب الكفر هو الغلو في الصالحين. فيقال: لا مانع من تعدد الأسباب. فمن أسباب الشرك الغلو في الصالحين، ومن أسباب الشرك البدع وإن لم تكن مكفرة. فأصل الغلو في الصالحين من البدع. وأول من وقع في هذه البدعة هم قوم نوح، فآل بهم الأمر إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى. فأين البدعة التي ارتكبها هؤلاء؟ ما جاء في حديث ابن عباس أنهم قالوا: «ننصب لهؤلاء أنصابًا». لأنهم ما عبدوها في أول الأمر. فهذه البدعة ابتدعوها، ما كانت معهودة لديهم. نصب لهم أنصابًا ليتذكروا عباداتهم، لا ليعبدوهم، لا ليعبدوهم، وإنما ليتذكروا عباداتهم. فهذه البدعة آلت بهم إلى الوقوع في الشرك. فهذا معنى قول المؤلف: أن البدعة سبب الكفر. وهذا هو واقع أهل البدعة: يبدؤون أمرهم ببدعة، ثم ينتهي أمرهم إلى الوقوع - والعياذ بالله - في الشرك والكفر، في الشرك والكفر. قال: التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل. وقد تقدم معنا أن الشيطان لا يزال ببني الإنسان بخطواته، خطوة فخطوة، إلى أن يوقعه في مقصده الأعظم وهو الكفر بالله. فيبدأ معه بالتساهل في المستحبات، وبالوقوع في المكروهات، ثم الوقوع في المعاصي من صغائر الذنوب، ثم ينتقل به إلى كبائر الذنوب، ثم ينتقل به إلى البدعة، ثم هذه البدعة تؤول به إلى الشرك، والعياذ بالله. هكذا يتدرج الشيطان ببني الإنسان. فانظر إلى هؤلاء: كان مقصدهم حسنًا لما نصبوا تلك الأنصاب. لماذا؟ من أجل أن يتذكروا عبادة هؤلاء. صح، إذن هذا القصد حسن. وهذا فيه أيضًا فائدة أخرى: وهي أن القصد الحسن والنية الصالحة وحدها لا تكفي في صحة العمل وفي قبول العمل، فلا بد مع حسن القصد من حسن الاتباع، حسن الاتباع. فتوفر فيهم أو توفر فيهم حسن القصد، ولم يتوفر فيهم حسن الاتباع، فابتدعوا هذه البدعة، فآلت بهم إلى ما آلت بهم وهو الشرك. قال: العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما تؤول إليه، يعني أن الغلو سبب للشرك، يؤول إلى الشرك، والعياذ بالله. ومعنى القاعدة الكلية: لأن هذا الباب عقد من أجل ذلك، أن الغلو سبب للوقوع في الشرك. قال: الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. فإن هذا الفعل يوصل إلى عبادتها، عبادة هذه القبور. فلا يجوز لعبد أن يجعل عباداته عند القبور. بذلك جاء النهي في شرعنا عن الصلاة عند القبور، ولو كنت تصلي لله. بل جاء النهي عن قراءة القرآن، عن قراءة القرآن في المقبرة، ولو كنت تقرأه لله عز وجل. لأن العكوف عند القبور يصير هذا الفعل إلى التعلق بها، وبالتالي إلى عبادتها. فهؤلاء لما عكفوا على قبور هؤلاء، وعلى صور هؤلاء، وتماثيل هؤلاء الصالحين، في النهاية عبدوها من دون الله. فلو يفقه عباد القبور هذه المسألة لما وقعوا فيما وقعوا فيه. انظر الآن، ربما بعضهم تجده من بعد الفجر عند القبور إلى بعد الضحى، وقد رأينا ذلك منهم. يخصصون الزيارة يوم الجمعة مثلًا، ويجلسون. لا أقول يدعون الله ويعبدون الله، بل يتضرعون إلى أصحاب هذه القبور، ويدعونهم، ويتذللون بين أيديهم. فما الذي أدى بهم إلى ذلك؟ هو العكوف عند هذه القبور، العكوف عند هذه القبور. وإنما المشروع في القبور الزيارة، والزيارة تكون بقدر أن تسلم عليهم وتدعو لهم بالرحمة والمغفرة لحظات يسيرة. لا تعكف عند القبور، ولا تطيل الجلوس عند القبور، فإن هذا خلاف السنة، هذا خلاف السنة. حتى لما يدفن الميت، جاء في دعاء أهل الميت له بعد دفنه قدر ماذا؟ نحر الجزور. يعني قدر ما تذبح الإبل أو البعير، يذبح كم هذا؟ يعني وقت يسير، ربع ساعة، نصف ساعة، أو نحوها، ليس بالوقت الطويل. أما أن تجلس الساعات بين القبور، فهذا الفعل ليس بمشروع، بل يؤول بصاحبه إلى عبادة هذه القبور. قال: الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها، وهو سد الذرائع، سد الذرائع. من الحكم النهي عن التماثيل حتى لا تعبد من دون الله. ومن الحكم: لأن فيها مضاهاة لخلق الله. ففيها حكم النهي، فيه حكم كثيرة، ومنها سد ذريعة الشرك. لأن تصوير هذه الصور وتمثيل هذه التماثيل ربما يؤدي لعبادتها. قال: الثالثة عشرة: عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. يعني قصة قوم نوح، حديث ابن عباس. قال: الرابعة عشرة: وهي أعجب العجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. كما تقدم، المؤلف يكتب عن واقع مؤلم يعيشه. فهؤلاء الذين في زمنه، والذين اتخذوا طريق الشرك وعبادة القبور ونحو ذلك، يقرؤون هذا الحديث، حديث ابن عباس، الذي جاء... ما يعني لو نظرت إلى أي تفسير من تفسير أهل العلم، كتفسير ابن جرير، أو تفسير ابن كثير، أو تفسير... يعني غيره من المفسرين، لرأيت أنهم يذكرون هذه القصة عند تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. طيب، هؤلاء ما يقرؤون تفسير ابن كثير، ما يرون شيء، ما يقرؤون شيء في كتب التفاسير؟ لا شك أنهم يقرؤون ويمرون على هذا الحديث. طيب، صحيح البخاري ما يقرؤونه؟ حديث ابن عباس، قلنا هذا أين في صحيح البخاري؟ طيب، ما يقرؤون صحيح البخاري؟ نعم، يقرؤون صحيح البخاري. إذن يمرون على هذا الحديث، ويفهمون معنى الكلام: أيش معنى نصبوا لهم أنصابًا؟ أيش معنى أسموا رجالًا صالحين؟ مثل هؤلاء الصالحين الذين يزعمون أنهم في هذه القبور، والتي يعكفون عندها، ويدعونها، ويتعلقون بها. فهذه القصة يقرؤونها، ويعرفون معنى الكلام الذي ورد فيها، لكن مع هذا، كما ذكر المؤلف، حال الله عز وجل بينهم وبين قلوبهم، يعني ما استفادوا وفقه هذه القصة، فامتنعوا من عبادة غير الله. بل كما ذكر هنا، مما يدل على أن الله حال بينهم وبين قلوبهم، أنهم اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، وهو العكوف على القبور. هذا عندهم ماذا؟ من أفضل العبادات، لأنهم يفعلون ويحثون الناس عليها. وبالمقابل، اعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه هو الكفر المبيح للدم والمال. ما هو الذي نهى عنه؟ الغلو في الصالحين، وهم وقعوا في الغلو في الصالحين. ما هو الذي نهى الله عنه؟ العكوف عند قبور الصالحين، وهم عكفوا عند قبور الصالحين. فلم يستفيدوا من هذه القصة. وهكذا هم أهل البدع، لأنهم أهل أهواء، يمرون على هذه النصوص وعلى هذه الأحاديث في باب المعتقد، ومع هذا لا يستفيدون منها. طيب، هؤلاء يقرؤون صحيح البخاري، صحيح البخاري فيه أنه يصريح عن كثير من الأعمال التي بها سد الشرع ذريعة الشرك، مثل إدخال القبور إلى المساجد، هذا في الصحيحين: «قاتل الله اليهود والنصارى»، حديث عائشة، في لفظ: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهم يدخلون القبور إلى المساجد. طيب، هذا موجود في صحيح البخاري. فهم إما أنهم لا يأخذون بها، وإما أنهم يضعفونها ويطعنون في صحتها، وإما أنهم يعرفون معناها ولكن الهوى، والعياذ بالله، وأذل يخالفونها. كثيرًا في الكتاب وفي السنة مما جاء أيضًا من الذرائع: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، هذا في صحيح مسلم. طيب، هم يجصصون القبور. أين يذهبون بمثل هذا الحديث؟ وهكذا. مثل هذا الحديث، حديث ابن عباس، فيه النهي الصريح عن الغلو في الصالحين، وعن العكوف عند قبورهم، وعن عبادة القبور ودعاء القبور. ومع هذا فقد وقعوا في هذه المنهيات. فهذا شيء يتعجب منه، كما قال: أعجب العجب، كيف يقرأون مثل هذا ثم يخالفونه؟ هذا معنى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال: الخامسة عشرة: تصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. والتصريح في قولهم: «ثم عُبدت». والعبادة لا شك أنها بمعنى الشفاعة. لأن هؤلاء الذين يعبدونهم أناس صالحون، فليس معنى أنهم يسجدون لهم أو يركعون لهم، وإنما يستشفعون بهم، يستشفعون بهم، أي يجعلونهم وسائط بينهم وبين الله، بينهم وبين الله. وهذا هو حال كثير من عباد القبور: يقولون نحن ما نصلي لهم، ما نسجد لهم، مع أن بعضهم ربما يفعل ذلك. لكن الكثير منهم، لو سلمنا أنهم ما يفعلون ذلك، إذن ما هو شركهم؟ شركهم هو اتخاذ هؤلاء المقبورين وسائط وشفعاء بينهم وبين الله. وهذا هو الشرك الذي وقع فيه الأوائل منذ زمن نوح إلى زمن كفار قريش، الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فشرك المتأخرين هو من جنس شرك المتقدمين، بل فاقوا على المتقدمين، كما بيّن شيخ الإسلام في بعض المواضع. قال: السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا صورًا أرادوا ذلك، أي أن تشفع لهم. وهذا ظن فاسد. يعني الجيل المتأخر ظنوا أن هؤلاء الصالحين، أن هؤلاء الصالحين أو هؤلاء العلماء الذين صوروا الصور ولم يعبدوها، إنما فعلوا ذلك من أجل أن تشفع لهم، من أجل أن تشفع لهم. فاتخذوها شفعاء من دون الله. وهذا بسبب الجهل. قال: السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». وصلوات الله وسلامه عليه. بلغ البلاغ المبين. أي أنه نهى عن الغلو، وهؤلاء يقعون في الغلو. الرسول صلى الله عليه وسلم... هذا أيضًا مما تقدم: مخالفة أولئك القوم في النصوص الصريحة في بعض النواهي، ومنها الغلو. يعني الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو». وهؤلاء يقعون في الغلو. أي غلو أعظم من أن تجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفات الألوهية، أو من صفات الرب سبحانه وتعالى، كعلم الغيب، أو النفع والضر، أو الإعطاء والمنع، أو نحو ذلك؟ فهذا من الغلو. فكما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هؤلاء وقعوا في عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قد بلغ البلاغ التام، البلاغ المبين. قال: الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. وهذا من باب التحذير، لأنه قال: «هلك المتنطعون». وهذه نصيحة لنا بترك التنطع، وهو بمعنى الغلو، كما تقدم. مأخوذ من النطع، وهو يعني أعلى الفم. قال: التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم. ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده. يعني فيه فضل العلم، وأن وجود العلم سبب للتوحيد والتمكين والعز والنصر، وأن فقد التوحيد سبب للشرك والذل وكذلك المهانة. قال: العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء. لأنه قال: «لما مات أولئك وفقد... ومات أولئك ونسي العلم». لماذا نسي العلم؟ لأن أهله ماتوا. وأصرح من ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فإذا فقد العلماء حل الجهل في هذه البلاد، لأن لا يوجد من يزيح ويزيل هذا الجهل، هذا الجهل. فهذا يدعونا جميعًا إلى الاهتمام بأمر العلم، وأن نحدث أنفسنا بأن نكون من العلماء الذين ينفع الله عز وجل بهم البلاد والعباد. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى شكرًا.