الدرس في التعليق على كشف الشبهات 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الرد على شبهات القبوريين حول العبادة والدعاء، ويشرح معنى العبادة والدعاء. الدعاء هو نوع من العبادة كما هو مثبت بالآيات القرآنية.
يشرح اعتقاد القبورية في دعاء الأولياء وتقريبهم إلى الله، ويبين أن هذا الفعل يعتبر شركاً في الربوبية والأسماء والصفات. الأولياء لا يسمعون الدعاء في كل مكان.
يتناول كفر المشركين الذين كانوا يعبدون الملائكة ويدعونهم من دون الله، ويبين تبرؤ الملائكة من هؤلاء المشركين كما هو مثبت في الآيات القرآنية.
يشرح أن الله تعالى سيسأل الملائكة عمن كانوا يعبدونهم، ويوضح مفهوم العبادة وعدم اعتبار المعبود ابنًا أو ابنة لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، فذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من تكرار ما يحج به أو ما يحتج به بعض من يعبد الأصنام أو يعبد الأموات ويدعوهم من دون الله، فيقول: نحن لا نعبد الأموات، وإنما ندعوهم ونتوسل إليه. فذكر الشيخ رحمه الله أنه يسأل: ما هو الشرك؟ فإذا كان لا يعرف الشرك، فأعلمه ما هو الشرك. ثم ذكر الحوار الذي ذكرناه بالأمس، ثم قال رحمه الله: قال فأعلم أن هذه الشبه الثلاثية أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه وفهمتها فهما جيدا، فما بعدها أيسر منها عن الشبه التي ظهرت، هذا قرآناه طيب. قال بعد ذلك، بعدما ذكر الحوار: فقل له، ما معنى عبادة الله وحده؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن، فهو المطلوب عن عبادة الله وكل ما يحبه الله ويرضاه، فجعلها الله عز وجل عبادة. وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، فجعل الدعاء عبادة. وقال: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾، فجعل الدعاء عبادة. وهؤلاء القبورية لا يجعلون الدعاء عبادة، وإنما يجعلونه طلب وتوسل كما يقولون، وهو أيضا حتى التوسل عبادة؛ لأنها قربة. قال: وإن فسر ذلك بغير معناه، بينت له الآيات الواضحات في معنى شرك بالله وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه. وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا. تقدم أن مشركي العرب وغيرهم ما كانوا يصلون للأصنام، ولا كانوا يحجون للأصنام، ولا كانوا يصومون للأصنام، وإنما يدعونها من دون الله ويستغيثون بها. وأيضا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله، كما قال الله عز وجل على لسان أولئك المشركين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾، وقالوا: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله»، وهم يظنون أنهم يشفعون لهم ويقربونهم إلى الله. وهذا الذي يفعله القبورية الآن، يظنون أن هؤلاء الذين يسمونهم أولياء يقربونهم إلى الله. حتى قال قائلهم، كما ذكر ذلك المالك وغيره: «قالوا إن نحن أهل ذنوب وأهل معاص، وهؤلاء هم أهل الله وأقرب الناس إلى الله، فلهذا ندعوهم حتى يدعوا الله عز وجل لنا». لكن ترى الواقع خلاف هذا، فهم يدعونهم من دون الله، هم ما يقولون مثلا: يا فلان ادع الله لنا، وإنما يقولون: يا فلان اعطنا، ويا فلان افعل كذا. وأيضا، حتى لو قالوا مثلا: يا فلان اعطنا أو ادع لنا أو اجعل ربك مثلا يفعل لنا كذا، فإن هذا أيضا يدخل في الشرك؛ لأنهم ينادون غائبا، ينادون غائبا لا يسمعهم. فإنهم يدعون أنه يسمعهم في كل مكان، فهذا معنى ذلك أنهم يعطوه شيء من خصائص ربوبية الله، وأنه يسمع هذا الولي أو كذا في كل صوت ومن كل مكان. فلهذا تجدهم ينادونهم في أي مكان، فهذا هو الشرك، بل هذا الشرك في الربوبية وفي الأسماء والصفات. قال: فإن قال إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: «الملائكة بنات الله». فإن لم نقل: عبد القادر ابن الله، ولا غيره مثل ما قال ذاك البوصيري صاحب البردة: «دعم ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت في نبينا واحتكمي»، معنى دع فقط أنك لا تقول أنه ابن الله، لكن ما بدا لك من المدح ومن الثناء فقله، لكن لا تقول ابن الله. وهؤلاء أيضا قالوا هذا. إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة، معنى يقولون أن الله عز وجل لم يكفرهم بدعاء الملائكة، وإنما كفرهم لأنهم قالوا أن الملائكة بنات الله. وهذا كلام باطل؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ويوم يحشرهم فيقول للملائكة هؤلاء كانوا إياكم يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾، أن الله عز وجل هنا ذكر لهم العبادة، وأنهم يعبدونهم. وقال الله عز وجل: ﴿ويوم يحشرهم جميعا فيقول للملائكة هؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم أو قالوا في العالي الأخرى قالوا ربنا ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكرى﴾، فأولئك معنا يتبرأ الملائكة من هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله، فهذا الذي دلت عليه الآيات، وليس المراد أنهم قالوا أنهم بنات الله، فهذا شيء آخر. فهذا شيء آخر ليس عبادتهم للملائكة أن يقولوا بنات الله، فهذا عكس وهذا تناقض، كيف يكون عبادة وهم يرمونهم بأنهم إناث؟ فهذا ليس بصحيح. والله عز وجل ذكر أن هؤلاء عبدوا الملائكة، عبدوا الملائكة، فلهذا فعبادتهم للملائكة هو دعاؤهم من دون الله جل وعلا. قال: فالجواب أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل. قال الله عز وجل: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾، والأحد الذي لا نظير له، والصمد المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة. وقال الله عز وجل: ﴿وما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾، أن هذا ادعاء الولد أو ادعاء أن الملائكة بنات الله هذا كفر مستقل، وليس هذا هنا موضعه. وإنما هنا الله عز وجل جعل أو قال للملائكة: ﴿إياكم كانوا يعبدون﴾، فهل معنى أنهم يعبدونهم يقولون أنهم أبناء الله أو بنات الله؟ فهذا ليس بصحيح. فإن شاء الله وتعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.