التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 68

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 68

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 68، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التغليظ في عبادة الله عند قبور الصالحين وسد الذريعة

يشرح الدرس باب التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح مبيناً أن النهي سد للذريعة المؤدية لعبادة القبور، وأن العبادة عند القبر أشد حرمة من عبادة القبر نفسه. يستدل بحديث أم سلمة عن بناء النصارى الكنائس على القبور وتصوير الصور فيها محذراً من مشابهة قوم نوح في الغلو بالصالحين.

تحريم بناء المساجد على القبور ولعن فاعليها

يبين شدة النهي عن اتخاذ القبور مساجد مستدلاً بلعن النبي لليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وتحذير الأمة من التشبه بهم. يوضح ابن عثيمين أن فتنة القبور أشد من التماثيل لكثرتها وما تثيره من خوف ورجاء مؤكداً أنها ذريعة للشرك.

صور اتخاذ القبور مساجد وحكم الصلاة فيها

يشرح صور اتخاذ القبور مساجد المنهي عنها كالتوجه للقبور بالدعاء أو الصلاة إليها أو بينها أو عليها ودخول القبر في المسجد. يبين أن الجمهور على جواز الصلاة في مسجد فيه قبر مع الكراهة والأفضل اجتنابه ويجوز دخوله لصلاة الجنازة عند الحاجة.

مذهب الحنابلة في بطلان الصلاة بمساجد القبور

يرى الحنابلة كإمام أحمد أن الصلاة في مسجد فيه قبر باطلة لأن النهي يقتضي الفساد والفساد يبطل العبادة. يُنصح المسلم بالصلاة في مساجد نقية خالية من القبور لضمان صحة صلاته وسلامة دينه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده". ومعنى هذا التوبيب: أن الشرع جاء بالنهي عن عبادة الله عند القبور، فكيف إذا عبدت هذه القبور؟ أيهما أشد حرمة: أن يعبد الله عند القبور، أو أن تعبد القبور؟ ما عندك يا سالم؟ أيهما أعظم حرمة: أن يعبد الله عند القبور، أو أن تعبد القبور؟ فهمت السؤال أو ما فهمت السؤال؟ أن تعبد القبور، أن تعبد القبور، هذا أعظم. طيب، فإذا جاء التغليظ فيمن عبد الله عند قبر، فعبادة القبر من باب أولى أنه يغلظ في فعل صاحبه، في فعل صاحبه. ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن من صور الغلو في الصالحين عبادة الله عند قبورهم، عبادة الله عند قبور الصالحين، هذا من الغلو في الصالحين. فهمتم هذا؟ الآن وسيأتي معنا من الأدلة ما يبين لنا وجه التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح. قال الشيخ ابن عثيمين: جاء المصنف بهذا الباب ليبين لك غربة الدين، وترك الناس للتوحيد، وما جاء من النهي عن عبادة الله عند قبور الصالحين، حتى لا تكون وسيلة إلى الشرك بالله. يعني أن عبادة الله عند القبور وسيلة وذريعة إلى عبادة القبور، إلى عبادة القبور. ولذلك جاء النهي عن قراءة القرآن عند القبور، وغيرها من العبادات التي جاءت تنصيصًا بالنهي عنها عند القبور، مع أن هذه العبادات قد يقول قائل: أنا أفعلها لله، آتي إلى القبر وأقرأ القرآن لله، ليس لصاحب القبر. ويقال له: لا يجوز لك أن تفعل ذلك. يا جماعة، أنا أعبد الله، ما أعبد القبر، أنا أتلو القرآن أرجو أجره وفضله من الله، لا من صاحب هذا القبر، لماذا تنهوني عن قراءة القرآن عند القبر؟ فيقال له: لأن فعلك هذا وسيلة إلى عبادة هذا القبر الذي أنت الآن تعبد الله عنده. وهكذا قل في الصلاة: الإنسان قال: لماذا تمنعني من الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟ أنا أصلي لله، مالي وللقبر؟ فيقال له: إذا صليت في هذا المسجد، فهذا دليل على تعظيمك لمن في المسجد. قال: أنا ما أعظمه. ويقال له: لماذا إذا تدخله في المسجد وأنت لا تعظمه؟ قال: أدخله غيري. يقال له: اذهب إلى مسجد غيره، لا تتحر الصلاة في هذا المسجد، ولا تصلي في هذا المسجد، لأن الصلاة عند القبور ذريعة إلى عبادة هذه القبور، وواقع عباد القبور يشهد لذلك. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذا الباب في كتاب التوحيد. ثم أورد المؤلف أدلة كثيرة تدل على هذا التغليظ، فمن ذلك: قال: "في الصحيح"، والمراد بالصحيح هنا الصحيحان، في هذا الموضع يراد به الصحيحان: بخاري ومسلم. قال في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». قال: فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. الحديث انتهى إلى قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله». هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم. أما قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل"، فهذا من كلام المؤلف، ونقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فهذه المقولة مشهورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. وكما تقدم معنا أن المؤلف الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب متأثر تأثرًا عظيمًا كبيرًا بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وقد مر معنا في كتاب الشفاعة نقلًا من المؤلف لكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في باب الشفاعة. ومعنى هذا الحديث: أم سلمة ممن هاجر إلى الحبشة مع الصحابة رضي الله عنهم في أول الإسلام، ولما اشتد البلاء على أهل الإسلام في مكة، فذهبت إلى الحبشة، ورأت هذا الأمر عند النصارى، وهو أنها رأت كنيسة، والكنيسة هو المكان الذي يتعبد فيه رهبان النصارى، عباد النصارى، يجعلون بناء كنيسة، لا تجوز الصلاة عندهم إلا فيها، لا يصلون في غيرها، فهي موضع التعبد بالنسبة لشريعتهم. فرأت هذه الكنيسة، وفيها صور، صور الصالحين ممن مات منهم. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لها: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح» - هذا شك من الراوي، وهذا فيه تحري الرواة ودقة الرواة في الرواية، فإذا شك أحدهم في كلمة أتى بأو التي تفيد الشك، ومع أن المعنى متقارب، فالرجل أو العبد بمعنى متقارب، لكن هذا من دقة روايتهم رحمهم الله تعالى - «فإذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا»، يعني كنيسة. المسجد هو المكان الذي يتعبد لله عز وجل فيه، سواء كان ببناء أو بغير بناء، «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، يعني مكان للصلاة، مكان للصلاة، فيدخل في ذلك كنائس النصارى، فإنها مساجد لأنهم يعبدون الله عز وجل فيها. «فبنوا على قبر هذا الرجل الصالح مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور»، يعني صوروا فيه صور من مات من الصالحين في هذه الكنيسة. يعني فعلهم هذا مثل فعل من؟ مثل فعل قوم نوح: أولا صوروا الصور، ثم عبدوا أهل هذه الصور وأصحاب هذه الصور. وهكذا النصارى: يعني يبنون الكنيسة على قبر هذا الرجل الصالح، ثم يصورون الصور ليتذكروا عبادة هؤلاء. «نعم، أولئك شرار الخلق عند الله». وهذا هو وجه الشاهد: فمن التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح أنه من شر الخلق عند الله، لا أحد شر منه. ولا شك أن هذا فيه تغليظ، هذا لمن عبد... لأن من عبد الله... لأن هذا الحديث فيه أن كنائس النصارى إنما يتعبد النصارى فيها لله، يتعبد النصارى فيها لله، لا لهذه القبور أو لهذه الصور. لكنهم جمعوا في هذا الأمر بين الفتنتين: فتنة القبور، بكونهم أدخلوا هذه القبور إلى الكنيسة وإلى مكان عباداتهم، والفتنة الأخرى: الصور والتماثيل، الصور والتماثيل. فالوجه الشاهد من هذا الحديث: «أولئك شرار الخلق عند الله»، «أولئك شرار الخلق عند الله». يقول الشيخ ابن عثيمين: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين"، قال: هذا كلام ابن تيمية رحمه الله، وإنما سمى ذلك فتنة لأنها سبب لصد الناس عن دينهم، فبسبب هذين الأمرين انصرف كثير من الناس عن دين الله عز وجل إلى عبادة هؤلاء الصالحين. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]، يصدون عن سبيل الله بفعلهم هذا، وهو تصوير الصور وإدخال القبور إلى مساجدهم وموطن عباداتهم. قال الشيخ ابن عثيمين: "الأصل في القبور أن تكون خارج البنيان، حتى لا تكون ذريعة إلى الشرك". هذا أيضًا من فوائد هذا الحديث: فيه تحريم إدخال القبور إلى المساجد، وأن من فعل ذلك فهو من شرار الخلق عند الله بمجرد إدخاله لهذا القبر في المسجد، وإن لم يعبد هذا القبر، فهو من شرار الخلق، لأن هذا الشخص تشبه بالنصارى الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك شرار الخلق عند الله». قال الشيخ ابن عثيمين: "وسبب ذلك: لأن إدخال القبور إلى المساجد ذريعة للشرك، ذريعة للشرك بالله سبحانه وتعالى، فيعظم هذا المقبور، ويتوجه إليه من دون الله سبحانه وتعالى". قال: "القبور أشد فتنة من التماثيل". الشيخ ابن عثيمين ذكر هذه الفائدة، يعني قد يقول قائل: نحن ما نصور الصور في مساجدنا، إنما ندخل القبور. فيقال له: فتنة القبور أشد من التماثيل. ثم قال: "وذلك لأمور: الأمر الأول: القبور موجودة في كل مكان، بخلاف التماثيل، التماثيل قد لا توجد إلا في أماكن معينة، لكن القبور: الناس كل يوم يموتون، والصالحون كل يوم يموتون، وقبورهم منتشرة وكثيرة، فلا شك أن لكثرتها تكون الفتنة بها أعظم. هذا سبب. السبب الآخر: أن عند القبر تحصل أشياء لا تحصل عند مكان آخر، مثل الخوف، الخوف من صاحب القبر، أو الرجاء: أن ترجو صاحب هذا القبر، فهذا يكون أعظم، وكذلك أهيب في صرف العبادة له، وصرف العبادة للقبور أعظم من صرفها للتماثيل أو الصور أو الصور". ثم ذكر الدليل الثاني: قال: "ولهما" - أي البخاري ومسلم - "عنها" - أي عن عائشة - «قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، وهو كذلك، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». إلى هنا انتهى كلام النبي صلى الله عليه وسلم. أما قولها هنا: «يحذر ما صنعوا» - كأن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها - «يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». أخرجهما - أي البخاري ومسلم. ومعنى الحديث: «لما نزل برسول الله» أي: مرض الموت، في مرض موته. وهذا فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك إلى آخر نفس من أنفاسه عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلنا على فضل التوحيد، وفضل التحذير من الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يكل ولا يمل من الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، ويجعل ذلك من أساسيات دعوته. فانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل به، أي في مرض موته عليه الصلاة والسلام، «طفق» أي: جعل، يطرح خميصه، وهو الثوب الذي له أعلام، يسمى خميصه، فجعل يطرحه على وجهه، يعني يغطي به وجهه، «فإذا اغتم بها كشفها»، يعني إذا احتبس نفسه لوجود هذه الخميصة كشفه عن وجهه حتى يأخذ نفس، ولا ينكضم بهذه الخميصة، فيكشفها عن وجهه، «فلما يكشف يقول وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى». ومعروف ما هو اللعن: الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث: ففيه التغليظ فيمن عبد الله عند قبر، عند قبر رجل صالح، وهذا التغليظ هو: لعن من فعل ذلك، ملعون من فعل ذلك، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». إذا مات نبي من أنبيائهم اتخذوا قبره مسجدًا، يعبدون الله عز وجل عنده. «يحذر ما صنعوا»: أي يقول ذلك عليه الصلاة والسلام ليس من أجل أن يخبرنا فقط، ولا من أجل أن يذم اليهود فقط، وإنما قال ذلك عليه الصلاة والسلام من أجل أن نحذر صنيعهم، وأن لا نتشبه بهم في ذلك. ومع هذه التحذيرات الصريحة، إلا أن عباد القبور أبوا إلا أن يتشبهوا باليهود والنصارى، فأدخلوا القبور في المساجد، والعياذ بالله. «ولولا ذلك» أي: لولا هذا النهي من النبي صلى الله عليه وسلم، «لأبرز قبره» يعني: أخرج قبره، ولم يدفن في حجرة عائشة، وجعل بارزًا للناس. لكن لماذا لم يجعلوه بارزًا للناس، وإنما جعلوه في غرفة عائشة؟ قال: «غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا»، أي: من أجل أن لا يعبده الناس. شوف مع الآن: مع وجود القبر في حجرة عائشة، ووجود ذلك الحاجز الثلاثي الذي يمنع أي أحد يريد الدخول، أو يريد أن يشرف من فتحة أو نحوها إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن كثيرًا من الجهال يدعون النبي صلى الله عليه وسلم، ويتوجهون إليه بالدعاء، يدعون الله وهم مستقبلين القبر، أو لربما بعضهم يصلي، كما أخبرت بذلك من جهلة وعامة الناس: يصلون جهة القبر، ويولون القبلة ظهرهم، يولون القبلة ظهرهم، ويصلون إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف لو كان القبر مكشوفًا؟ كيف سيكون الحال؟ فمن حكمة الله عز وجل أن جعل النبي يدفن في المكان الذي قبض فيه، كما جاء في حديث أبي بكر، فدفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة لأنه مات فيها عليه الصلاة والسلام. وقوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»: اتخاذ القبور مساجد له ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يصلى إليها، أن يصلى إليها إلى هذا القبر. والصورة... لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجصص القبور، ولا تجلس عليها، ولا تبنَ عليها، ولا تصلَ إليها». كأن يكون القبر هاهنا، وأنت تصلي أمامه، وأنت تصلي أمامه. وأيضًا من صور اتخاذ القبور مساجد: أن يصلى فيما بينها، ولو كانت القبور خلفك، أو عن يمينك، أو عن شمالك، كل هذا يدخل في معنى اتخاذ القبور مساجد. ومنها كذلك: الصلاة عليها، الصلاة على القبور، فوق القبور، هذا أيضًا من صور اتخاذ القبور مساجد. ومن صور اتخاذ القبور مساجد، وهو داخل في بعض الصور: أن يدخل القبر إلى المسجد، أن يدخل القبر إلى المسجد. ولا يجوز لمسلمين أن يفعلوا شيئًا من هذه الصور: لا يصلي بين القبور، ولو كانت صلاة الجنازة، ما جاء إلا فقط الترخيص في الصلاة على القبر بعد دفنه، أما وهو على نعشه فلا يجوز أن تصلى صلاة الجنائز بين القبور. ومن هنا تعلم خطأ بعض المصلين على الجنازة عندما يأتون بها إلى سور المقبرة، وفي داخل المقبرة، ثم يصلون عليه، ولو كان في مكان ما فيه قبور، هذا المكان، لكن حواليه قبور: إما أمامه، إما خلفه، إما عن يمين، إما عن شماله، هذا يدخل في النهي. فمثلا في هذه المقبرة الآن، مقبرة باهارون، أرى أحيانًا بعض من يتأخر، يخرجون الجنازة، ويدخلونها المقبرة، ثم هناك توجد ظلة داخل المقبرة، فبعض الناس يصلي في هذا المكان، هذا خطأ، يدخل في هذا النهي، لأن الصلاة هنا عامة، سواء كانت صلاة فرض، أو صلاة نافلة، أو صلاة جنازة، أي صلاة يتوجه فيها إلى الله عز وجل، لا يجوز أن تصلى في المقبرة، وإنما تصلى خارج سور المقبرة، هذا السور، في ساحة خارج السور، يصلى عليها، يصلى على هذا، لا توجد قبور، يوجد حاجز بين الصلاة وبين القبور. وهكذا لا يجوز للمسلم أن يصلي في مسجد فيه قبر، فيه قبر. قد يقول قائل: قال هذا النهي، لعله إذا كان القبر أمام المصلين؟ لا، لا يشترط ذلك، قال أهل العلم: إذا كان هذا القبر في محيط المسجد، وفي ساحة المسجد، وفي بناء المسجد، فلا تجوز الصلاة، ولو كان خلف المصلين، ولو كان عن يمينهم أو عن شمالهم، طالما أنه لا يوجد هناك حاجز يحجز القبر عن المسجد، وإنما هو في إطار المسجد، فهذا لا يجوز. فمثلا الآن في بعض المساجد، سواء كان في الشحر أو في غيرها، توجد قبور داخل المسجد، على سبيل المثال: هذا مسجد باهارون، هذا لا تجوز الصلاة فيه. لماذا؟ أنا رأيت هذا بنفسي، وتحريت هذا بعيني: في ضاحية المسجد، في ضاحية المسجد توجد يعني غرفة، هذه الغرفة فيها قبر، وفي بوابة مخيشة، يعني إذا جئت عندها ترى القبر، إذا دخلت إلى المسجد ترى القبر أمامك، يعني ما يفصل بينه وبين المسجد فاصل، غرفة داخل المسجد، هنا الغرفة، وهنا الحمامات على الجنب، وهنا ضاحية المسجد، وهنا ضاحية المسجد، فإذا هذا القبر داخل المسجد، هذا القبر داخل المسجد، فلا يجوز الصلاة فيه. طيب، قد يقول قائل: هناك في جنائز، أنا أحرم نفسي من الجنائز. يقول له: لا، صلي في أي مسجد آخر، ثم تعال وصلي الجنازة، اجلس خارج المسجد، فإذا بدأوا في الصلاة على الجنازة دخلت إلى المسجد وصليت معهم، ونلت فضل صلاة الجنازة. الجنازة... قد يقول قائل: الآن ما زال النهي موجود، وهو ماذا؟ وهو صلاة الجنازة. فيقال: هذا أهون، هذا الأمر أهون، لماذا؟ لأنه قبر واحد، ثم هو آخر المسجد، ثم كذلك هذه الصلاة: صلاة جنازة، صلاة جنازة، فالأمر أخف، فالأمر أخف، لأنك ستحرم نفسك صلاة الجنازة. وإن استطعت أن تصلي على الجنازة على القبر، فلا بأس بذلك، لكن إن أردت أن تصلي فقط صلاة الجنازة، فهذا الأمر أخف، كما استفتي بعض مشايخنا، وأفتى بذلك، وأفتى بذلك. أما صلاة الفرض، أو صلاة النافلة في المسجد، فالذي يظهر أنه يشمله عموم هذا النهي. ومثله مسجد الشيخ فضل، رأينا ذلك أيضًا: يوجد في قبلة المسجد باب، هذا الباب إذا فتح يطل على قبر، فإذن هناك في منفذ من القبر إلى المسجد، ولا يوجد هناك جدار حاجز، لا يوجد هناك جدار حاجز، فهذا أيضًا يدخل في عموم النهي. ثم هذا المسجد من جميع حواليه يعني قبور، وإن كان هناك جدار المسجد، لكن الصلاة فيها في النفس منها شيء، فالأفضل أن لا يصلى فيه، لا يصلى فيه لوجود هذه العلة. وهذا المسجد: القبر أمام، أمام المصلين، القبر أمام المصلين، فهذا أيضًا يدخل في هذا النهي، يدخل في هذا النهي. وهل الصلاة تصح أو لا تصح لمن صلى في مسجد فيه قبر؟ على قولين لأهل العلم: جمهور أهل العلم على جواز الصلاة، الصلاة، لأنهم يقولون: أن النهي منفصل عن واجب... أو عن شرط الصلاة. والحنابلة يذهبون إلى بطلانها، كالإمام أحمد، إلى بطلان الصلاة، إلى بطلان الصلاة، لأن النهي يقتضي الفساد عندهم، النهي يقتضي الفساد. فالأحرى بالمسلم ألا يصلي في مسجد فيه قبر، ألا يصلي في مسجد فيه قبر، والمساجد الحمد لله النقية الصافية كثيرة، حتى مساجد العوام تجد فيها... أو تجد لا تجد فيها قبورًا، فصلي في مسجد تضمن فيه صلاتك، تضمن فيه صلاتك، لا فيه قبر، ولا فيه شبه، ولا فيه شيء، هذا هو الأحرى لك أخي المسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.