التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 70

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 70

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث جندب: خلة النبي لله وحده والنهي عن اتخاذ القبور مساجد

يستهل الشيخ بشرح حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من الخلة للبشر قبل موته بخمس، مؤكداً أن الخلة لا تقبل الاشتراك وقد اتخذ الله نبيه خليلاً، ولو صح الاشتراك لاتخذ أبا بكر خليلاً لفضله، مع التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد كما فعلت الأمم السابقة.

تفصيل منزلة الخلة والفرق بينها وبين المحبة

يبين المقطع الفرق الجوهري بين المحبة والخلة، مؤكداً أن الخلة وهي أعلى مراتب المحبة لم تثبت إلا لنبيين هما إبراهيم ومحمد عليهما السلام، وأن وصف النبي محمد بأنه حبيب الله فقط فيه تنقص لمنزلته لأنه خليل الله أيضاً، مع استدلال بأحاديث النبي في أواخر حياته على تحريم الصلاة عند القبور سداً للذريعة المؤدية للشرك.

شدة الوعيد على المتخذين القبور مساجد وحكم الساعة عليهم

يشدد المقطع على تحريم الصلاة عند القبور أو اتخاذها مساجد حتى لو لم يكن هناك بناء، مستدلاً بحديث «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»، مؤكداً أن من يصلي عند القبور يعد من شرار الناس، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، محذراً من الشرك ووسائله.

أحكام العبادات عند القبور والاستثناءات المشروعة

يقرر المقطع المنع العام لجميع العبادات عند القبور من صدقة وقراءة وصلاة لنهي عام، مستثنياً ما شرعه الشرع فقط كالدعاء لأهل القبور والسلام عليهم والاعتبار بهم، معلناً بذلك انتهاء باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب: ما جاء فيمن عبد الله عز وجل عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ قال: ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد». ويعني: سقط من هذا الحديث لفظ "وصالحيهم"، فلفظ "وصالحيهم" ثابت عند مسلم، ثابت عند مسلم. قال: «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». نتكلم حول هذا الحديث: قول جندب رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس. قيل: خمس سنوات، وقيل: خمسة أشهر، وقيل: خمس ليال. والأخير هو الأقرب؛ لأن الصحابي إذا أبهَمَ العدد فهو إلى أقرب زمن، وأقرب زمن هو الليالي. وهذا أيضًا قد دلت عليه بعض الأدلة الأخرى، كما مر معنا في حديث عائشة المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة، نزل يعني لما نزلت به سكرات الموت. فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في آخر حياته يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك، ويحذر من الشرك. فيكون "قبل أن يموت بخمس" أي: بخمس ليال. قال: «وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل». الخُلَّة: أعظم أنواع المحبة وأعلاها. فلذلك الخُلَّة لا تقبل الاشتراك؛ يعني: الواحد يكون له خليل واحد فقط، ما يكون له أكثر من خليل. المخلوق ما يكون له أكثر من خليل. لكن الحبيب يكون له أكثر من حبيب. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»؛ لأن الخُلَّة لا تقبل الاشتراك، لا تقبل الاشتراك. فإن الله عز وجل اتخذ نبينا خليلا، فالنبي صلى الله عليه وسلم خليل الرحمن سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خليلا آخر؛ لأن الخُلَّة كما تقدم لا تقبل الاشتراك. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «ولو كنتم متخذين من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر». يعني: لو اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر خليلا لصار له خليلا: الله عز وجل، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه. وقلنا: الخُلَّة لا تقبل الاشتراك، فاكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون خليلا للرحمن سبحانه وتعالى. هذا معنى الحديث: «ولو كنتم متخذين خليلا من أمتي، ولو كنتم متخذين من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». ثم قال: وهذا فيه فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأنه من أفضل الصحابة. يستدل على هذا أن أبا بكر من أفضل الصحابة؛ فلو كانت الخُلَّة يصح فيها الاشتراك لاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر خليلا، ولم يختر عليه الصلاة والسلام أحدا آخر غير أبي بكر، فدل ذلك على فضيلته، على فضيلة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن من كان قبلكم» أي: من اليهود والنصارى، «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». وعرفنا كيف يكون اتخاذ القبور مساجد. قلنا: اتخاذ القبور مساجد يكون إما بالصلاة إليها، تكون أمامك وتصلي إليها، أو بالصلاة عليها، قد وردت بعض الألفاظ بهذا، أو بالصلاة عندها، ولو لم تكن هذه القبور أمامك، ولو كانت خلفك أو عن يمينك أو عن شمالك، فكل ذلك من اتخاذ القبور مساجد، من اتخاذ القبور مساجد. فكانوا، من كان قبلنا، كانوا يتخذون قبور أنبياء وصالحيهم مساجد. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك سدًّا للذريعة. وإن كنت تعبد الله عز وجل عند هذه القبور ولا تعبد هذه القبور، تصلي لله لكن لا يجوز لك أن تصلي عندها أو أمامها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». هذا الحديث صريح في النهي: «فإني أنهاكم عن ذلك»، يعني: يحرم عليكم ذلك. عليكم ذلك. فلا يجوز لمسلم أن يصلي أو أن يعبد الله عز وجل عند قبر. أما إذا عبد القبر فهذا أعظم وأشد. وقد تقدم معنا في درس ماضٍ، أو في درس ماضٍ، أن ما يفعل عند القبور نوعان: مشروع وممنوع، وفصلنا في ذلك. يقول ابن عثيمين: من فوائده: تنبيه: الخُلَّة أعظم أنواع المحبة وأعلاها، ولم يثبتها الله سبحانه وتعالى فيما نعلم إلا لاثنين من خلقه. وهذا من ورع ابن عثيمين، أي رحمة الله، في قوله: "فيما نعلم". هذا ورد في هذا الحديث، وفي القرآن: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. فهذا الذي ورد من أدلة في إثبات الخُلَّة أنها ثبتت لإبراهيم ولنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال: وهما إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومحمد صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعرف الجهل العظيم في قول العامة: إن إبراهيم خليل الله، ومحمدًا حبيب الله. وهذا تنقص في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم جعلوا مرتبته صلى الله عليه وسلم دون مرتبة إبراهيم، ولم يفرق بينه وبين غيره من الناس. فإن الله يحب المحسنين مثلا، فمن يصفه صلى الله عليه وسلم بأنه حبيب الله فقد أخطأ؛ لأن المحبة قلنا يصح فيها الاشتراك، فقد يكون يعني كثير من الخلق يعني أحباب الله عز وجل، الله عز وجل يحب المحسنين، يحب المتقين، وغيرها من الآيات التي فيها إثبات محبة الله عز وجل لعبده. لكن الخُلَّة ما ثبتت إلا في نبينا وفي نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فمن يقول: بأن إبراهيم خليل الله، وأن محمدًا حبيب الله، هذا تنقص لنبينا. لأننا قلنا: المحبة أعلى، الخُلَّة عفوا، قلنا إن الخُلَّة أعظم وأرفع من المحبة. وكونك تصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حبيب الله، فهذا المنزلة ينالها كثير من الخلق، لا ينالها النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فهذا فيه تنقص من نبينا عليه الصلاة والسلام. والصواب يقال: إن إبراهيم خليل الله، وإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خليل الله، وليس حبيب الله فقط، فهو أعظم من ذلك عليه الصلاة والسلام. هذا معنى كلام الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله. والشاهد من الحديث ظاهرة: وهي النهي عن عبادة الله عز وجل عند القبور سدًّا للذريعة، والنهي عن ذلك. ثم قال المؤلف رحمه الله: «فقد نهى عنه في آخر حياته». وهذا في قوله: «قبل أن يموت بخمس». قلنا: خمس ليال. وهذا من آخر حياته. ثم إنه عنى وهو في السياق، وأيضًا يشمل قوله في آخر حياته: حديث عائشة المتقدم، لما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم أي: الموت، طفق يطرح خميصة. يعني: يقول ذلك وهو في لحظاته الأخيرة عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم إنه عنى وهو في السياق من فعله وهو في السياق»، يعني: في سياق الموت، في سياق الموت. قال: «والصلاة عندها من ذلك». الصلاة عند القبور يشمل تلك النواهي التي ذكرت في هذه الأحاديث كلها. قال: «وإن لم يُبنَ مسجد». وإن لم نعم يُبنَ مسجد، وهو معنى قوله: يعني لا يشترط أن يكون هذا القبر في مسجد، وإنما ولو كان هذا القبر في مكان في المقبرة أو نحوها، لا يجوز أن يصلّى عند هذا القبر، أو أن يتعبد لله عز وجل بقراءة القرآن أو نحوها عند هذا القبر. هذا معنى كلامه. قال: «وإن لم يُبنَ مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يُتخذ، أن يُتخذ مسجدا». فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا. يعني: لماذا خشي النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذه مسجدا؟ يعني: يأتي الصحابة، ومثلا يصلون عنده، أو يتعبدون الله عنده؛ لأنه ليس في مسجد، وإنما خارج المسجد، وخارج مبنى، أو في مقبرة، أو نحو ذلك. فهذا دل على أن المراد بالمسجد: موضع العبادة، موضع الصلاة. قال: «فإن قيل: وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا». بل كل موضع يُصلَّى فيه يسمى مسجدا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». أي مكان يتخذ للصلاة يسمى مسجدا، يسمى مسجدا. «وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». كما أنك تتطهر من الأرض، يجوز لك أن تصلي في أي موضع من الأرض، فالموضع الذي تصلي فيه يسمى مسجدا، وإن لم يكن عليه بناء. فأراد، والكلام هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. هذا الكلام ليس من كلام الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي، بل نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية. وذكرنا سابقًا أن المؤلف رحمه الله كثيرًا ما ينقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه تأثر بكتبه، تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: الدليل الرابع: ولأحمد بسند جيد عن أنس، عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». رواه أبو حاتم في صحيحه، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، وحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. والشاهد من هذا الحديث في التغليظ ممن عبد الله عند رجل صالح، في قوله: «من شرار الناس»، من شرار الناس. فمن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد. هذا الذي يصلي عند القبور، هذا من شرار الناس، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، شاء أم أبى. الذي يصلي عند القبور، أو يدخل القبور إلى المساجد، هذا من شرار الناس عند الله، بشهادة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فلا شك أن هذا فيه تغليظ لمن فعل ذلك. «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». لماذا أُشدد على هؤلاء الذين تدركهم الساعة وهم أحياء؟ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس. جاء في الحديث أن الله عز وجل يقبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة، يقبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة، ثم يرسل الله عز وجل ريحا باردة من قبل الشام، فلا تبقى على وجه الأرض، أو لا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو من إيمان إلا قبضته. ما أحد عنده شيء من الخير أو من الإيمان إلا قبضته هذه الريح. ومن لم يكن عنده شيء من الخير أو من الإيمان لم تقبضه هذه الريح، فبقي على وجه هذه الأرض، فتقوم عليه الساعة. فهم شرار الخلق، لا خير فيهم ولا إيمان. وكذلك الذين يتخذون القبور مساجد يبقون مع هؤلاء، لأن هؤلاء من شرار الخلق، لا خير فيهم، وقد عبدوا غير الله، وقد تعلقت قلوبهم بغير الله سبحانه وتعالى. هذا معنى هذا الحديث. وهذا الحديث فيه أن الناس يتفاوتون في الشر، وأن بعضهم أشد من بعض، كما أفاد ذلك العلامة ابن عثيمين. قال الشيخ العثيمين: خلاصة الباب: يجب البعد عن الشرك ووسائله، ويغلظ على من عبد الله عند قبر رجل صالح، ويشمل الصلاة وغيرها. فمن زعم أن الصدق عند هذا القبر أفضل من غيره فهو شبيه بمن اتخذ مسجدا. فلا يصح الصدق عند بعض الناس، إذا مات الميت أتى مثلا بتمر فوزعه على الناس عند القبور، هذا يدخل في هذا المعنى، لا يجوز. أي عمل من هذه الأعمال عند القبور: لا صدقة، ولا قراءة قرآن، ولا صلاة؛ لأن النهي عام، النهي عام عن كل عبادة يتعبد بها عند القبور، يتعبد بها عند القبور، إلا ما استثناه الشرع كالدعاء لأهل القبور، والسلام عليهم، والاعتبار بحالهم. هذا الذي ورد به الشرع. أما غير ذلك فلا، غير ذلك فلا. فيحذر من مثل هذه الأعمال، والله تعالى أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. بقية المسائل إن شاء الله تكون في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر