الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عقيدة أهل السنة في المؤمن المذنب، مؤكدًا أنه لا يكفر بذنوبه إذا مات على التوحيد. يُبين أيضًا أن المؤمنين لا يخلدون في النار.
يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة في أن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ويوضح مراتب القدر الأربع. يُبين أيضًا الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية.
يناقش أهمية الصلاة وأحكام تركها، ويشرح الخلاف حول كفر تارك الصلاة. يُوضح أيضًا مسائل الإيمان والقدر وعلاقتها بالأعمال.
يشرح كيف أن الاستدلال بالقدر على فعل المعاصي لا يبرر الخطأ، ويبين أن القدر سر الله وأن الأعمال الصالحة تعين على حسن الخاتمة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في رسالة الإمام الصابوني رحمه الله في عقيدة السلف أصحاب الحديث مجموعة من المباحث، وإن شاء الله نواصل القراءة والتعليق بما فتحه ويسر الله به. نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني عليه رحمة الله في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث: «ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عز وجل، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار. وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار». وكان شيخنا سهل بن محمد رحمه الله يقول: «المؤمن المذنب إن عذب بالنار، فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكافر، ولا يبقى فيها بقاء الكافر، ولا يشقى فيها شقاء الكافر». ومعنى ذلك أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوسًا في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال. والمؤمن المذنب إذا ابتلي بالنار، فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن، على الرجل من غير إلقاء وتنكيس. ومعنى قوله: «لا يلقى في النار إلقاء الكافر»؛ أن الكافر يحرق بدنه كله، كلما نضج جلده بدل جلدًا غيره ليذوق العذاب، كما بينه الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. وأما المؤمنون، فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده. ومعنى قوله: «لا يبقى في النار بقاء الكافر»؛ أن الكافر يخلد فيها، ولا يخرج منها أبدًا، ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين في النار أحدًا. ومعنى قوله: «لا يشقى بالنار شقاء الكفار»؛ أن الكفار يؤيسون فيها من رحمة الله، ولا يرجون راحة أبدًا. وأما المؤمنون، فلا ينقطعوا طمعهم من رحمة الله في كل حال، وعاقبة المؤمنين كلهم الجنة؛ لأنهم خلقوا لها، وما خلقت لهم فضلًا من الله ومنه. واختلف أهل الحديث في ترك المسلمين صلاة الفضل متعمدًا. هنا كلام المؤلف رحمه الله تعالى في مسائل الإيمان التي سبق الكلام عليها في الآثار التي ذكرها رحمه الله تعالى قبل ذلك، ومنها ما نقله عن شيخه الإمام بالطيب سهل بن محمد الصعلوكي رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «المؤمنَ المؤمن المذنب إن عذب بالنار، فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار». فها هنا ثلاثة أمور: الأمر الأول، لا يلقى فيها إلقاء الكفار؛ أي فيخلد، بل المؤمن إذا أذنب واستحق النار وعذب بعدله سبحانه وتعالى، فإنه يخرج منها. كما جاء في حديث الشفاعة أن الله عز وجل يأذن بالشفاعة، فيشفع الأنبياء والمرسلون والملائكة والصديقون والشهداء والصالحون، ثم يقول الرب العظيم سبحانه: «بقيت شفاعة رب العالمين». وفي رواية: «أشفع الشافعين». فيقبض الرب العظيم قبضة بيده من النار، فيخرج أناسًا لم يعملوا خيرًا قط، فيرمون في واد يقال له واد أو نهر الحياة، فينبتون كما ينبت الزرع في حبيل السيل. والحديث في الصحيح، في صحيح مسلم وغيره. وهذا معناه أن من الناس من يخرج من النار، وهو آخر الناس خروجًا، وهو لم يعمل خيرًا قط، لكن عنده أصل الإيمان. وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله: «لم يعملوا خيرًا قط». فقيل: خير قط زائد عن أصل الإيمان، وقيل: زائد عن الشهادتين، وقيل: غير ذلك. والخلاصة أن أصل الإيمان موجود، وهذا الذي قاله الإمام سهل بن محمد يدل عليه هذا الحديث وأمثاله ونظائره. ولا يبقى فيها بقاء الكفار؛ لأن عدل الله سبحانه وتعالى يقتضي أن يعذب كل أحد بذنبه، ولن يكون ذنب المؤمن كذنب الكافر. بل الكفار يتفاوتون في العذاب بقدر ذنوبهم. فالكافر الذي كان لا يتصدق، ليس مثل الكافر الذي كان يتصدق. والكافر الذي لم يقتل نفسًا قط، ليس مثل الكافر المجرم الذي قتل أنفسًا كثيرة. وهم يتفاوتون بتفاوت جرمهم. وهذا عدل الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل عن هؤلاء الكافرين وحال بعضهم: ﴿لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي عذبوا على أصل الكفر، وعلى تفاصيل ما تركوا مما أمر الله عز وجل به. وهكذا قوله: «ولا يشقى فيها شقاء الكفار»؛ يعني حتى نوع العذاب لن يكون مثل عذاب الكفار. ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكافر يكون ضرسه مثل جبل أحد؛ ليكون - والعياذ بالله - أعادنا الله وإياكم من النار وعذابها - العذاب عليه أشد. بخلاف المؤمن؛ فإنه وإن عذب، فإن عذابه لا يضخم مثل عذاب الكافر. وهذا مأخوذ كذلك من الأدلة. فأهل السنة، أهل الحديث والأثر، لا يتكلمون إلا بعلم، ولا ينزلون الأحكام إلا بدليل. وهكذا قوله رحمه الله تعالى: «ومعنى ذلك أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوسًا في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال»؛ يعني كذلك هذا من صفة تعذيب الكافر الذي لا يكون للمؤمن. وهكذا قوله بعد ذلك: «والمؤمن المذنب إذا ابتلي بالنار، فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن، على الرجل من غير إلقاء وتنكيس». وهذا كما دلت عليه الأدلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. وأما أهل الإيمان، فعذابهم يكون أخف، وطريقة سحبهم إلى النار تكون أخف؛ كلها إكرامًا لأصل الإيمان الذي عندهم. فالمؤمنون لا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم النار؛ كما صحت الأدلة بذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل أصله في القرآن. وكذلك ما جاء عنه رحمه الله تعالى أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله - إلى آخره - ذلك؛ لأن الكافر ينادي، فينادي، فينادي، فلا يجاب إلا بما يزيد منه العذاب. فعند ذلك ينقطع وييأس من رحمة الله. أما المؤمن؛ فلأصل الإيمان، لا يزال به طمع برحمة الله سبحانه وتعالى حتى يعفو الله عز وجل عنه. وفي حديث الشفاعة المتقدم دليل على أن آخر النار، آخر الناس خروجًا من النار من أهل الإيمان والإسلام، يخرجون قبل موعد خروجهم، قبل موعد خروجهم بشفاعة رب العالمين؛ رحمة منه وإكرامًا سبحانه وتعالى. وهذا فيه دليل أن طمعهم لا ينقطع من رحمة الله؛ فلذلك يخرجون قبل موعد خروجهم؛ رحمة منه وفضلًا سبحانه وتعالى. وكذلك أن عاقبته من الجنة. نعم، قال الإمام عليه رحمة الله: «واختلف أهل الحديث في ترك المسلمين صلاة الفرض متعمدًا». فكثروا بذلك؛ أحمد بن حنبل، وجماعة من علماء السلف رحمهم الله. وأخرجوه به من الإسلام؛ للخبر الصحيح: «بين العبد والشرك ترك الصلاة». ومن ترك الصلاة؛ فقد كفر. وذهب الشافعي وأصحابه، وجماعة من علماء السلف رحمهم الله - أحمد الله عليه - مجمعهم إلى أنه لا يكفر، ما دام معتقدًا لوجوبها. وإنما يستوجب القتل؛ كما يستوجبه المرتد عن الإسلام. وتأول الخبر: «من ترك الصلاة جاحدًا»؛ كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام، أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. ولم يكن تاركًا لدين فارقه، ولكن تركه جاحدًا له. ومن قول أهل السنة والجماعة في أفعال العباد: «أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الردى». ودين الحق من ينكر هذا القول، وينفيه. ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضل من يشاء عنه. لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾. الآية. وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. الآية. سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم؛ تجعلهم فريقين: فريقًا للنعم فضلًا، وفريقًا للجحيم عدلًا. وجعل منهم غويًا ورشيدًا، وشقيًا وسعيدًا، وقريبًا من رحمته وبعيدًا. لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. قال عز وجل: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وقال: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال ابن عباس: «هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة». قال عليه رحمة الله: «أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد وهب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد. هو الذي بيده؛ إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». قال: «واخبرنا أبو حامد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العباس السراج، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو ابن راهويه - قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حماد بن السلمة عن هشام عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل النار. فإذا كان عند موته، تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة. فإذا كان قبل موته، عمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة». ويشهد أهل السنة، ويعتقدون أن الخير والشر، والنفع والضر، بقضاء الله وقدره؛ لا مرد لها، ولا محيص، ولا محيد عنها. ولا يصيب العبد إلا ما كتبه له ربه. ولو جهد الخلق أن ينفعوا العبد بما لم يكتبه الله له، لم يقدروا عليه. ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله، لم يقدروا على ما ورد به خبر عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. الآية. ومن مذهب أهل السنة: وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله، وبقضائه: «أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد». فيقال: «يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان». وإن كان مخلوقًا، إلا والرب خالقه. وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء: «تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك». ومعناه - الله أعلم -: «والشر ليس مما يضاف إليك إفرادًا وقصدًا؛ حتى يقال لك في المنادى: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر». وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعًا. لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه؛ فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أُعِيبَهَا﴾. ولما ذكر الخير والبر والرحمة؛ أضاف إرادتها إلى الله عز وجل؛ فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَ كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. ولذلك قال مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام: «أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾»؛ فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه. وإن كان الجميع منه. ومما ذا بأهل السنة والجماعة: «أن الله عز وجل مريد لأعمال العباد خيرها وشرها». لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته. ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة. ولو شاء لم يعص ما خلق إبليس. فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين؛ بقضائه سبحانه وتعالى، وقدره، وإرادته، ومشيئته. أراد كل ذلك، وشاءه، وقضاه. ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية. قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. ويعتقدوا ويشهدوا أصحاب الحديث: «أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم، ولا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان: أعلى إسلام أم على كفر». ولذلك يقولون: «إن شاء الله»؛ أي من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله. ويشهدوا لمن مات على الإسلام: «أن عاقبته الجنة». فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله؛ يعذبون من نار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها. فإنهم يردون أخيرًا إلى الجنة. ولا يبقى أحد في النار من المسلمين؛ فضلًا من الله ومنه. ومن مات - والعياذ بالله - على الكفر؛ فمرده إلى النار؛ لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى. هذه مجموعة من المباحث تلحق بمسائل الإيمان، وما يتعلق بأحوال الناس مع القدر. ذكر الصلاة، وهي أول أركان الإسلام العملية. اختلف أهل العلم فيها، والخلاف فيها أقوى من الخلاف فيما بعدها من أعمال الإسلام العملية. أركان الإسلام العملية: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. وقد نقل ابن رجب وغير واحد من أهل العلم الخلاف فيها: «هل هي كفر أكبر، أو كفر دون كفر؟». قولان مشهوران عن السلف من بعدهم. ولكن الخلاف في الصلاة أقوى. وكما ذكر رحمه الله: «الراجح في الصلاة أن تركها كفر أكبر؛ للنصوص الكثيرة في الكتاب والسنة». وأشار إلى بعض هذه النصوص في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه؛ فقد كفر». رواه داود، غير بسناد صحيح أو حسن، من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولما جاء معناه في صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». والصلاة شأنها عظيم؛ قرنها الله عز وجل بكلمة التوحيد في مواضع كثيرة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة. فالشاهد: «الخلاف في الصلاة أشد من الخلاف في غيرها». فقال جماعة من أهل العلم - كما أشار منهم إمام أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين، ولئمة - على أنها كفر أكبر. ومنهم من قال: «كفر دون كفر». إلا أنهم قالوا: «يستتاب كما يستتاب المرتد، فإن تاب، وإلا قتل». فنص بعض أهل العلم: «أن من آثر القتل على أن يصلي؛ فهذا كافر؛ لأنه آثر القتل على الصلاة». وأما بقية أركان الإسلام العملية؛ ففيها خلاف. والصحيح: «التفصيل بين من تركها جحودًا أو استكبارًا - كالذي يستتاب - فإنه يكفر. ومن كان دون ذلك متكاسلًا ونحوه؛ فإنه ليس بكافر». والمراد من هذا: «أن بعض مسائل الإيمان اختلف أهل السنة في نزع اسم الإيمان». ولكن هذا الخلاف بالأدلة، ولا ينافي ذلك ما سبقت الإشارة إليه من الخلاف مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم؛ لأن هؤلاء يكفرون بالكبيرة، وينزعون اسم الإيمان بالكبيرة. بخلاف الصلاة على الصحيح؛ لأنه وردت فيها نصوص. ثم ذكر خلق أفعال العباد، وأنها مخلوقة لله عز وجل؛ بنص الكتاب والسنة؛ لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وأعمال العباد من ذلك. وقد خالف في ذلك القدرية النفاه؛ فزعموا أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله؛ فرارًا منهم أن يكون لله ومشيئته أثر في فعل العبد. فهم ينفون مشيئة الله سبحانه وتعالى. وفي مقابلهم الجبرية؛ كما تقدم - يزعمون أن الإنسان كالريشة في مهب الريح؛ ليس له إرادة ولا مشيئة. وأهل السنة في هذا وسط؛ كما تقدم في دروس سابقة - بين الوعيدية وبين المرجئة، وبين القدرية وبين الجبرية. ومسائل الإيمان والقدر بينهم ارتباط؛ ولهذا جمع بينها المؤلف رحمه الله هنا، وبين الآثار المروية فيها. وهكذا أيضًا الهداية؛ هدايتان: هداية الدلالة وإرشاد، وهداية التوفيق. فهداية الدلالة والإرشاد؛ هذه يملكها الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء. وأما التوفيق؛ فلا تكون إلا من الله سبحانه وتعالى. وبه تجتمع الأدلة: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي ترشد. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي توفق. فالمنفي هو التوفيق، والمثبت هو الإرشاد. ولما اختلطت الهدايتان على الوعيدية والمرجئة؛ حصل عندهم الخلط والضلال؛ لعدم التفريق بين الهدايتين. وهكذا الإرادة؛ إرادتان: إرادة شرعية يحبها الله، وإرادة كونية؛ وهو ما يقع في هذا الكون من مشيئته. ومشيئته لا تكون إلا كونية؛ قد يكون يحبها أو لا يحبها. فكفر فرعون؛ إرادة كونية، وليست إرادة شرعية. وإيمان وإيمان غلامي الخضر وموسى؛ إرادة شرعية كونية؛ لأن الله يحب لهم الإيمان، ووقع الإيمان؛ فهي إرادة شرعية كونية. كفر أبي لهب؛ إرادة كونية، وكفر أبي طالب؛ إرادة كونية. وإيمان بلال وأبي بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم؛ إرادة كونية شرعية؛ لأن الله يحبها ويرضاها ووقعت. وإيمان من هو حي اليوم، وهو ليس بمؤمن؛ إرادة شرعية، وليست بإرادة كونية؛ وليست بإرادة كونية؛ لأنها لم تقع. فإذا وقعت؛ صارت إرادة كونية. لم يفرق الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وفي مقابلهم المرجئة، ولا القدرية، ولا الجبرية؛ بين الإرادتين. فحصل الضلال. وأما أهل السنة؛ لأنهم يأخذون بأدلة الكتاب والسنة؛ وفقوا للوسط الذي يحبه الله. ففرقوا بمقتضى ما فرقت الأدلة بين الإرادتين، وبين الهدايتين. وهكذا أيضًا ما أشار إليه رحمه الله من حديث ابن مسعود، وما يكون من أمر المخلوق في بطن أمه. والشاهد من أنه أشكل على الوعيدية والمرجئة؛ هذا الخبر؛ لأنه على قاعدتهم في باب القدر والإيمان؛ يشكل جدًا. وأما على طريقة أهل السنة والجماعة، أهل الإسلام الصحيح؛ فإنهم يؤمنون بالقدر ومراتبه. ومراتب القدر أربعة: من يجيبها. مراتب القدر أربعة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. لا يتم الإيمان بالقدر؛ حتى يتم الإيمان بهذه الأربعة. فإذا تم الإيمان بهذه الأربعة؛ بموجب ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة؛ تحقق الإيمان الصحيح بالقدر. ولما خلط القدرية والجبرية والوعيدية والمرجئة في هذه المراتب الأربعة؛ حصل عندهم الشك والتيه والضلال. ومنها هذا الحديث؛ فهذا الحديث عندهم من المشكلات. وأما عند أهل السنة؛ فهو واضح؛ لأنه جاء في صحيح مسلم، وفي رواية لحديث مسعود، وجاء من حديث آخر شاهد له: «أن هذا العبد عمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس. وذاك عمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس». فهذه الأحاديث مع حديث مسعود؛ يوضح ويجلي أن الأمر مكتوب، وأنه كتب. وأن هناك شيء يكون من العامل، والقدر سر الله سبحانه وتعالى الذي كتبه الله، والذي علمه الله، والذي شاءه الله؛ لا ينافي إرادة المخلوق وفعله واختياره؛ لأن الله أثبت للمخلوق اختيار: ﴿إِنْ هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. ومع ذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله؛ التي هي تابعة لما قد أمر الله بكتابته، وما علمه قبل أن يكتبه سبحانه وتعالى. والقدر سر الله سبحانه وتعالى. وهذا ليس ملزمًا لهذا العبد، ولا مدخله في الجبر؛ لأجل عدم فهم هذه الأدلة. قال الجبرية: «بالجبر، وأن العبد كالريشة في مهب الريح». ولما أثبت القدرية النفاه شق؛ وهو إرادة العبد؛ نفوا إرادة الرب. وكذبوا بأمر الكتابة والمشيئة؛ بل وبعضهم حتى العلم السابق. وهذا كذلك ضلال؛ بل وكفر من أنكر العلم في القدر؛ كفر. لكن الصواب: «أن هذا كله لا ينافي إرادة العبد واختياره». لماذا؟ لأن الله عز وجل الرب الخالق العظيم؛ الذي هو بكل شيء عليم. من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى: «أنه لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه». لو لم يكن ذلك؛ لما كان ربًا حقًا وصدقًا. لكن لأنه الرب حقًا وصدقًا؛ لا يخفى عليه من أمر عباده شيء. ويضرب العلماء مثلًا - ولله المثل الأعلى - لتقريب المعنى: «إذا قال الولد: فلان من أبنائي سيعصيني في أمري. والآخر سيطيعني. فواقع بمثل ما أخبر فيه هذا الأب». هل يصح أن يستدل الولد العاصي على عقوقه ومعصيته بخبر الأب؟ الجواب: «ماذا لو فعل هذا؛ لاستحق هذا الولد العقوبة مرتين: العقوبة الأولى؛ لأجل معصيته. والعقوبة الثانية؛ لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به». ولو قال صاحب العمل: «سيخون في هذا الامتحان فلان، وسينجح في الامتحان فلان». امتحنه امتحانًا في أمانتهم؛ فنجح من قال رب العمل وصاحبه أنه سينجح، وفشل الذي قال أنه يفشل. هل يصح للفاشل في الامتحان الخائن أن يستدل بما سبق من كلام صاحب العمل؟ الجواب: «لا». هل ألزمه صاحب العمل حتى يقع في الخيانة؟ الجواب: «لا». كيف علم؟ علم بخبرته وبدقة نظره وكذلك اطلاعه. ولم يكن ذلك ملزمًا لهذا الخائن في الوقوع في الخيانة. فلو استدل بكلامه؛ لاستحق العقوبة مرتين: المرة الأولى؛ لأجل خيانته. والمرة الثانية؛ لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به. وهكذا القدرية الجبرية؛ لو استدلوا بالقدر على فعل المعاصي؛ لاستحقوا العقوبة مرتين. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: «أنه تناظر قدري وجبري». تناظر سني وجبري. فنصح السني الجبري بترك المعاصي؛ فقال: «إنما فعلتها بقدر الله». فلكمه لكمة في وجهه؛ فغضب. قال: «لما تضربني؟» قال: «بقدر الله». قال: «كذبت». قال: «وأنت كذبت». فغضب من أجل اللكمة؛ ولم يغضب من أجل المعصية؛ لعلمه أن اللكمة ليس مجبور عليها الذي سك به. فكذلك المعاصي؛ ليس مجبور عليها على الصحيح. لو أنصف نفسه. لكنه لم ينصف نفسه. فالقدر سر الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في رواية في الحديث: «فيما يبدو للناس»؛ يعني يظهر للناس: «أن هذا الإنسان يعمل بعمل أهل جنة». لكن في الظاهر. أما في الباطن؛ هذا الإنسان عنده سبب يجعله يدخل النار في آخر الأمر؛ مثلا: من هذه الأسباب عدم الصدق. عدم الصدق. فلما لم يكن صادقًا؛ لم يوفق لحسن الخاتمة. حسن الخاتمة لا يوفق لها الإنسان بالتمني؛ ولكن بالأعمال. الأعمال الصالحة هي التي تعين الإنسان على حسن الخاتمة. الأعمال الصالحة هي التي تعين الإنسان على الخروج من هذه الدنيا بالتلفظ بكلمة التوحيد. ولهذا يخطئ بعض الناس؛ حين يلقنون الميت: «لا إله إلا الله». ويلقنونه أسئلة الملكين. لو كان ينفع؛ لنفعه متى؟ حين كان في الدنيا. فهذه المسائل ونحوها؛ كلها من هذا الباب؛ لتجلي وتوضح هذا المعنى. نعم.