الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 600

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 600

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 600، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

زيارة وفد بني عامر للنبي وتوجيهاته بشأن السيادة المطلقة

يشرح المقطع زيارة وفد بني عامر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته لهم بشأن الثناء عليه، حيث أرشدهم إلى أن السيادة المطلقة لله وحده. يُفسر الحديث بأن السيادة للنبي مقيدة بينما السيادة المطلقة لله جل وعلا.

تحذير النبي من الغلو في مدح الصالحين

نهى النبي أصحابه عن الغلو في مدحه وأوضح أن السيادة المطلقة لله عز وجل، وأمرهم بالقول الحسن دون مبالغة. كما حذر من الغلو في الأفاضل لأنه بداية للغلو الذي يجر الناس إلى الشرك.

الغلو في الأولياء والعلماء وخطره على الدين

الغلو في الأولياء والعلماء مدخل للشيطان ليجعل العبد يفعل أشياء غير مشروعة، وهذا يخرج عن دين الله. الحديث يحذر من الغلو في الصالحين لأنه يؤدي إلى عبادتهم من دون الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقلد هذا الوادي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري، فأبو داود هو سليمان ابن الأشعث ابن بشير الصنجستاني نزيل بغداد. قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري. قال البخاري: كان مسدد كاسمه، كان حافظًا كبيرًا. قال: أخبرنا بشر، يعني ابن مفضل، وهو أيضًا من الثقاة الحفاظ. قال: أخبرنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد، أبو مسلمة سعيد بن يزيد، وهو أيضًا من الثقاة البصريين. قال: عن أبي نظرة، وهو المنذر ابن مالك ابن قطعة البصري. قال: عن مطرف، وهو ابن عبد الله بن الشخير. قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر، وبنو عامر هم من وفد بني المتفق من بني تميم، وكان عبد الله بن الشخير منهم. قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «سيد الله». قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. قال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجريَنَّكم الشيطان». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. فهذا الحديث يخبر عبد الله بن الشخير رضي الله عنه أنه جاء مع وفد بني عامر لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة، وفد بني المتفق، ومنهم بنو عامر، فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا من المسلمين. فقالوا: أنت سيدنا. فقال: «السيد الله». والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «سيد الله»، أي: السيد المطلق هو الله. والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، وهو سيد الناس جميعًا عليه الصلاة والسلام، لكنه سيادته مقيدة ببني آدم، وأما السيادة المطلقة فهي لله جل وعلا. ولهذا لما قالوا: أنت سيدنا، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبعدوا توهمهم أنه سيد مطلق، وإنما السيد هو الله، السيد المطلق هو الله. وليس المراد أن نهى عن كلمة السيد كما قد يفهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ولا شك في ذلك، فهو خير الناس، صلوات الله وسلامه عليه. لكن ما أراد منهم أن يغلوا، لأن هذا بداية غلو، أو كما قلنا: كما قال بعض الشراح أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد منهم أن ينزعوا التوهم في السيادة المطلقة، فالسيادة المطلقة هي لله عز وجل، فهو السيد المدبر، وهو السيد المدبر جل وعلا. والسيد: معنى الذي يسود الناس، يسودهم ويرأسهم ويكون الأمر له، فالسيادة المدبرة، فالسيادة المطلقة لله عز وجل. بهذا قال: «السيد الله». فلهذا أيضًا لا بأس أن يقال: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من باب أنه سيد أهل الإسلام وسيد الناس جميعًا. وأما هذا الحديث كما قلنا: فيحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخرج منهم إن كان يعتقدون ذلك، وهو السيادة المطلقة، فهي لله عز وجل. فقال: «السيد الله». قال: قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. والطول هو الغنى أو الفضل أو الجاه، تطلق على هذا. لهذا قال الله عز وجل: ﴿أولو الطول﴾، يعني: أهل الوجاهة وأهل الرئاسة وأهل المال. فقال: وأعظمنا طولًا، أي: جاهًا ورئاسة وغيره. فقال عليه الصلاة والسلام: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجريَنَّكم الشيطان». أي: لا تدخلوا في مثل هذه الأشياء التي قد تجركم إلى أشياء أخرى من الغلو وغيره. ولهذا جاء في حديث أنس أن أناسًا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أنت سيدنا وابن سيدنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «قولوا بقولكم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». وجاء في حديث عمر في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تطروني كما أطرت اليهود ونصارى»، أو قال: «كما أطرت النصارى، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الباب هو بداية الغلو. ولهذا من أوسع أبواب الباطل الغلو في الأفاضل، هو الغلو الذي يجر الناس إلى مثل هذه المزالق، وقد تكون مزالق عظيمة. فهنا أول ما وقع الشرك في بني آدم بسبب الغلو في الصالحين، وكذلك وقع الشرك عند بني إسرائيل بسبب الغلو أيضًا في الصالحين، وغيرها من الأمم وقع عندهم الغلو أيضًا بسبب هذا. ولهذا قال مجاهد: إن فلانًا كان رجل يلط السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره وصوروا هذه الصورة وجعلوه صنمًا يعبد. إنما كان يلط السويق، السويق: الخبز مع السمن مع التمر، يفته الحجاج، ويقولون: إنه رجل صالح يعاون الناس ويقدم لهم الطعام. فلما مات افتقدوه، فعملوا له هذا التمثال، ثم بعد ذلك عبد من دون الله. فلهذا لما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: مرض الموت- ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة كنيسة في الحبشة، مسلمتهم حبيبة قد ذهبا إلى الحبشة، فذكرتا له كنيسة رأتاها في الحبشة، يقال لها: مارية، وما فيها من الصور. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح أو النبي الصالح، بنوا على قبره مسجدًا وصوروا تلك الصور». «أولئك شرار الخلق عند الله». فهذا الغلو هو الذي أوقعهم في هذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم»، أي: أنا أجل الذي تريدون أن تقولوا، لا تأتوا بمثل هذه المقدمات، المقدمات التي قد تجركم إلى ما لا يحمد عقباه، وإلى أشياء غير صحيحة، فيجركم الشيطان إليها. فقال: ﴿وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. فهذا من مداخل الشيطان التي يوسوس للعبد أو يجره إلى أشياء أخرى، يدخل عليه بدافع الغلو، ودافع الفضيلة، وأننا لا بد أن نعظم هؤلاء الأولياء ونعظم هؤلاء العلماء ونعظم كذا، ثم يأتي بأشياء لا تشرع، ولم يشرعها الله عز وجل، بل قد تخرجها عن دين الله جل وعلا. فهذا شيء مما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.