الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 101، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع فائدة من قصة أصحاب الكهف وهي جواز الاستخفاء والكتمان درءاً للفتنة في الدين، مبيناً أن السرية في الإسلام لها ضوابط وسطية بين الغلو والإفراط. ويذكر أمثلة تاريخية من اليمن والأنظمة الظالمة لتوضيح التطبيق العملي.
يبيّن المقطع جواز استخفاء المسلم وفراره بدينه عند تعذر إقامته مستشهداً بأصحاب الكهف والمهاجرين، وأن من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه. كما يوضح المنهج القرآني في التحذير من الشرك والمعاصي بذكر مفاسدها لتنفر النفوس منها.
يتناول المقطع فائدتين: الأولى النهي عن الإكثار من البحث والجدال في المسائل غير المهمة، والثانية النهي عن سؤال من لا علم له أو من لا يوثق بدينه وأمانته. يؤكد وجوب أخذ الدين عمن يجمع العلم والخشية والأمانة.
تم الانتهاء من سرد القصة ومناقشة أحداثها وفوائدها والمسائل المتعلقة بها، ويكتفي المحاضر بهذا القدر ويختتم بالقول والله أعلم. تشكل هذه الخاتمة خلاصة للدروس المستفادة من القصة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف في سياق ذكره للفوائد المستنبطة من قصة أصحاب الكهف. قال: "وفي هذه القصة أيضاً منها من هذه الفوائد: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ هنا". راجعوا هذا قصة أخرى. طيب. قال: "ومنها -أي من فوائد قصة أصحاب الكهف-: الحث والتحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان الذي يدرأ عن الإنسان الشر وعلى إخوانه في الدين". قد يقول قائل: "وأين السرية في الإسلام في الدين؟" فيقال: هذه المسألة فيها تفصيل. فإذا كان الدين ظاهراً ويستطيع المسلم أن يبوح بكل ما يعتقد، وبكل ما كذلك يدله عليه هذا الشرع من الأحكام ومن العبادات ونحوها، فلا يجوز له الكتمان؛ لأن لا يوجد هناك سبب. وإن وجد السبب، كأن يكون مثلاً المسلم إن أظهر دينه وكذلك عمل بشرع ربه امتحن وابتلي، ولربما قتل أو سجن أو ضرب، فله حينئذ الاستخفاء كما فعل أصحاب الكهف. والناس في هذه المسألة طرفان ووسط: فمنهم من بالغ في أمر الاستخفاء والسرية، وهم أهل التحزب والجماعات المنحرفة من الإخوان المسلمين والسرورية؛ لأن من مقاصد أحزابهم الخروج على ولاة الأمور، فلذلك من أصول أحزابهم السرية. السرية هذا أصل من أصول هذه الأحزاب وهذه الفرق، كالإخوان المسلمين والسرورية والقطبية والخوارج، ومن نحى نحوهم. فهؤلاء غلوا في أمر السرية. هم في دولة مسلمة، ولو أظهروا الصلاة، ولو أظهروا العبادات كما يظهره السلفيون، لما آذاهم أحد، ولكنهم يستخفون من أمور تخالف الشرع، فيدبرون الخطط للانقلابات، وكذلك التسلط على رقاب البلاد والعباد، فلذلك يستخفون. هؤلاء غلوا في أمر الاستخفاء والسرية. وطائفة أخرى فرطوا في هذا الباب، قالوا: "الإسلام ما فيه إعلان ولا شيء، سرية مطلقاً في الإسلام". وهؤلاء كذلك جانبوا الصواب؛ لأن في بعض البلاد لربما من أظهر دعوة التوحيد أوذي أشد الأذى، وربما ضرب أو سجن، كما كان في عهد ليس ببعيد. لما جاءت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله إلى هذه البلاد اليمنية، كان هناك أفراد يعتدون بالأصابع ممن عرف الحق واتبع هذه الدعوة المباركة، فلا يستطيعون البوح والدعوة إلى التوحيد في أوساط المجتمع؛ لأن المجتمع يسوده الجهل، وكذلك وجود ذلك النظام الذي لا يحب الإسلام ولا الدعوة إلى التوحيد. فمن أظهر ذلك لربما ضرب كما ضرب بعضهم، ولربما أوذي أذى شديداً، فكانوا يجتمعون سراً في بعض البيوت ويثبتوا بعضهم بعضاً. فهذه سرية محمودة، سرية محمودة. فلا يقول قائل: "لا، التوحيد ينبغي أن يجهر به"، ثم يخرج ويدعو إلى التوحيد فيضرب أو يسجن، ويحرم الناس من الخير الذي معه. إيش استفاد؟ ما استفاد شيئاً. فلا إفراط ولا تفريط. الوسط: إذا دعت الحاجة إلى الاستخفاء كهذه الحالة التي ذكرنا. والبلاد البلدان المسلمة تختلف من بلاد إلى أخرى. بعض البلاد، بل يمنية، ما تستطيع أن تقوم وتدعو مباشرة إلى التوحيد، ربما تضرب في بعض مناطق غلات الصوفية، غلات الصوفية، أو في بعض مساجدهم. فهنا الاستخفاء له وجه، وهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل. كذلك مثلاً في وقت نظام ظالم كاشتراكية مثلاً، كان بعض إخواننا المستقيمين ما يستطيع أن يظهر استقامته، ربما يسجن، وربما يعدم، يقتل، فكانوا يستخفون ويجتمعون سراً. هذا لا بأس به، وليس معناه الخروج على هذه الدولة وإن كانت ظالمة، وإنما هو التثبيت، وكذلك التعليم فيما بينهم. لو اجتمعوا في مسجد لربما يعني منعوا من هذا المسجد، أو أغلق هذا المسجد، أو نحو ذلك، وهذا قد وقع في عهد قريب ليس ببعيد. فلا بأس في مثل هذا، لكن إن لم تدعُ الحاجة إلى ذلك فلا يجوز الاستخفاء. نعم، فأصحاب الكهف لماذا استخفوا ولماذا انعزلوا؟ كما ذكر الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: 20]، يعني يرمونكم بالحجارة، ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: 20]، يفتنونكم عن دينكم. فإذا كان الأمر كذلك، فهنا يجوز للمسلم أن يصنع مثل ما صنع هؤلاء. قال: "ومنها: بيان رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم لأوطانهم وعوائدهم في الله. ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه، أبدله الله خيراً منه". فهؤلاء الفتية فروا بدينهم، فروا من الفتن، فتركوا الأوطان، ولربما لهم الزوجات والأولاد، ولربما لهم الأموال، ولكن تركوا كل ذلك من أجل الله عز وجل. وهذا مثل الصحابة رضي الله عنهم المهاجرون، فإنهم تركوا المدينة لله وفراراً بدينهم لما اشتد عليهم البلاء، كما قال الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]. تركوا ديارهم وأموالهم لله، من أجل الله، فراراً بدينهم. فإذا كان المسلم لا يستطيع أن يقيم دينه في بلد من البلاد، فأرض الله واسعة، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه. قال: "ومنها: ذكر ما اجتمل عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة طريقة المؤمنين". يعني هؤلاء الفتية ذكروا مضار الشرك بالله عز وجل، فكما مر معنا في قولهم: ﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف: 15]، ينكرون عليهم ويذكرون سفه هؤلاء القوم، وكيف أنهم اتخذوا هذه الآلهة التي لا تخلق ولا ترزق ولا تنفع. فذكروا ما في هذه الآلهة من الشرور، من الشرور: ﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: 15]. كل هذا بيان الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهذه طريقة المؤمنين: إذا تريد تحذر من الشرك فبين أضراره ومفاسده، أردت أن تحذر من البدعة فبين أضرارها ومفاسدها، أردت أن تبين كذلك شر المعاصي فبين مفاسدها ومضارها، وهكذا في غيرها من المعاصي الخاصة كالزنا واللواط والسرقة والمخدرات. فطريقة القرآن أن هذه المعاصي يبين ما اجتمل عليها من الشر والمضار والمفاسد، فهذا مما ينفر، ينفر العقلاء منها، ويكون هذا البيان سبباً في بغض وترك هذا الشر، هذا الشر. قال: "ومنها: أن قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]، فيه دليل على أن هؤلاء القوم الذين بعثوا في زمانهم أناس أهل تدين، لأنهم عظموهم، رعوهم أنهم أهل صلاح، وأن الله عز وجل أكرمهم، فهم أرادوا بهذا البناء التعظيم لهؤلاء. فعظموهم هذا التعظيم حتى عزموا على اتخاذ مسجد على كهفهم. وهذا إن كان ممنوعاً، وخصوصاً في شريعتنا، فالمقصود بيان أن ذلك الخوف العظيم من أهل الكهف وقت إيمانهم ودخول في الغار، أبدلهم الله به بعد ذلك أمناً وتعظيماً من الخلق، وهذه عوائد الله، وهذه عوائد الله في من تحمل المشاق من أجله أن يجعل له العاقبة الحميدة". وقد بينا أن قولهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]، هذا يحمل على أمرين اثنين: الأمر الأول وهو ما ينطبق على الحال الذي ذكر المؤلف في هذه الفائدة، أن هذا الأمر كان في شريعة من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. هذا قول. وقول آخر وهو يخالف ما ذكره هنا المؤلف في هذه الفائدة: أن من فعل ذلك هم كفار، هم كفار؛ لأنه قال: ﴿غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: 21]، والغالب في الرؤساء وذوي الرأي مخالفة الحق وأهل الحق، مخالفة الحق وأهل الحق، هذا في الغالب، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الجاهلية. فعلى القول الأول: أن هذا شرع من قبلنا، يمكن أن يكون من فعل ذلك هم أهل تدين وأهل عبادة، ولذلك عظم أهل الصلاح، ولا يعظم أهل الصلاح إلا الصالح. هكذا ذكر أو معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قال: "ومنها: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي الانهماك به، لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22]، لأن الغرض من المجادلة الوصول إلى الحق والاستفادة والنفع. فإذا كانت هذه المسائل التي يتباحث فيها ليست بذات أهمية، فهذا من العبث بالوقت، وهذا من ضياع الأوقات فيما لا فائدة ولا طائلة تحته". ففيه أنك لا تمار في أمر ليس بذات أهمية. قال: "ومنها: أن سؤال من لا علم له في القضية المسؤول فيها، أو لا يوثق به، منهي عنه". فلا تسأل من لا علم عنده، لا تسأل من لا علم عنده، أو عنده علم لكنه فاسق فاجر لا يوثق به، من علماء الضلال. بعض الناس يقول لك: "فلان الصوفي عنده علم، عنده في الفقه الشافعي، عند كذا". لكن انظر، انظر إلى سلوكه، انظر إلى أخلاقه، انظر إلى معاملاته، انظر إلى سيره، تجد فيه خللاً ونقصاً وعيباً وفجوراً. فكيف تأمن هذا على دينك؟ إن هذا العلم دين، فانظر عمن تأخذون دينكم، عمن تأخذون دينكم. فالذي يسأل: العالم الثقة الصالح الذي عنده خشية، عنده خوف من الله عز وجل. نعم، وقد ذكر الله عز وجل لنا أن في بني إسرائيل علماء أحبار، والحبر هو الذي كثر علمه، لكنهم فسق فجار. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. ما قال: "إن الأحبار" أو "بعض الأحبار"، إن كثيراً يعني أكثرهم. ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. لعلكم قرأتم قصة سلمان الفارسي لما بحث عن الحق فدل على راهب، فكان بعض هؤلاء الرهبان يأخذ المال من الناس حجة أنه صدقه وزكاه، ثم يكنزه لنفسه. هذا هو الفجور، يكنز المال لنفسه، لا يعطي مستحقه شيئاً، ما عنده خوف من الله، وهو راهب عابد متفرغ لعبادة الله. وهكذا يصدون عن سبيل الله لفجورهم. وضرب الله عز وجل لنا مثل ذاك الذي آتاه من العلم، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 176]. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: 175]. آتاه آياته، آتاه آياته، أي العلم، فانسلخ منها، معنى أنه لم يعمل بها، واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، وتتركه يلهث. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». تجده ما شاء الله العمامة ربما عشر طوابق، والقميص الأبيض، والتصنع في الخشوع، لكن يأكل أموال الناس بالباطل، ويكذب على الله وعلى رسوله، ويغمز النساء ويغازلهن، ويعني يفسق ويفجر، ثم يقال: "هذا من أئمة الدين"، وهو العياذ بالله من أئمة الضلال. فلا تسأل في دينك إلا، لا تسأل في دينك إلا ذا العلم وذا الدين والأمانة والخشية من الله عز وجل، لا بد من اجتماع هذين الأمرين. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة في أحداثها وفي فوائدها والمسائل المتعلقة بها. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.