شرح الأصول الستة 10

شرح الأصول الستة 10

الدرس في شرح الأصول الستة 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الأصل السادس: رد شبهة احتكار فهم القرآن والسنة للمجتهد المطلق

يبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الأصل السادس وهو رد الشبهة التي ألقاها الشيطان بأن القرآن والسنة لا يفهمهما إلا المجتهد المطلق بشروط متعذرة. ويوضح أن الله يسر القرآن للذكر والتدبر، وأن هذه الشبهة تؤدي إلى ترك العمل بالكتاب والسنة والوقوع في التقليد الأعمى والضلال.

الرد على شبهة الزندقة وبيان كمال الدين وخطر التقليد الأعمى

يوضح المقطع أن اتهام المتمسك بالكتاب والسنة بالزندقة هو حجة باطلة لصرف الناس عن التعلم والعمل بالوحي. ويستدل بآيات كمال الدين وحفظه وبيانه، وبأقوال الصحابة ك أبي ذر وسلمان الفارسي على شمول الشريعة لكل تفاصيل الحياة.

خطر التقليد الأعمى في العقيدة وأثر اتباع الأهواء والآراء المخالفة للوحي

يحذر المقطع من خطورة التقليد للآباء والأجداد في باب الاعتقاد مستدلاً بقصة أبي طالب الذي مات على الشرك تمسكاً بملة آبائه، وقصة الغلام اليهودي الذي أسلم باتباعه للحق. ويبين أن الشيطان يزين للناس اتباع الآراء المخالفة للكتاب والسنة والأهواء المردية، داعياً للتمسك بالوحيين مصدراً للهداية لا للتبرك فقط.

خاتمة شرح الأصول الستة ودعوة لطلبة العلم للعناية بها

يختتم الشيخ شرحه للرسالة مؤكداً أن الأصول الستة هي أصول في العقيدة والتوحيد الخالص. ويحث طلبة العلم على قراءتها وحفظها وتعليمها لغيرهم لنفعهم العظيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا في الدرس الماضي الكلام حول الأصل الخامس من الأصول الستة لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله. وسبق معنا أن خلاصة هذا الأصل الخامس هو بيان الله عز وجل لأوليائه، وبيان الفرق بين أولياء الرحمن وبين أولياء الشيطان المتشبهين بهم من أعداء الله وأعداء رسوله من الفجار، وهكذا أيضًا من المنافقين. وكم حصل الخلط الكبير في هذا الأصل، فأصبح الكثير من الناس يعتقد أن الولاية فيمن ابتعد عن طريق الطاعة، وتلبس بصور الشركيات والبدع والمحدثات، وفعل المحرمات، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. وجعل ينظر إلى العلماء الناصحين والعلماء العاملين، وهكذا الأولياء المتقين، ينظر إليهم أنهم غيروا وبدلوا وزادوا وغلوا، وأنهم يعتبرون أعداء لهذا الدين. فلذلك ولغيره جعل رحمه الله تعالى يبين أهمية هذا الأصل، ويصحح الخطأ والغلط الذي وقع فيه من وقع من الناس. ثم ختم هذه الأصول الستة بالأصل السادس، قال رحمه الله تعالى: «الأصل السادس: ردوا الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة». قال: «وهي -أي هذه الشبهة- ما هي؟ قال: وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، إلا المجتهد المطلق». قال: «والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا». من هو المجتهد عندهم؟ قالوا: «المجتهد الذي صح أن يتكلم في القرآن والسنة هو الموصوف بكذا وكذا». قال: «أوصافًا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر». لا توجد هذه الأوصاف التي اشترطوها تامة، أي كاملة، في أبي بكر وعمر. قال: «فإن لم يكن الإنسان كذلك، أي ليس من أهل الاجتهاد المطلق، فإن لم يكن الإنسان كذلك، فماذا يفعل؟ قال: فليعرض عنها، فليعرض عنها فرضًا حتما، لا شك ولا إشكال فيه، ولا إشكال فيه». قال: «ومن طلب الهدى منهما، قال: فهو -أي عند هؤلاء- إما زنديق أو مجنون، لأجل صعوبة فهمهما، لأجل صعوبة فهمهما». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فسبحان الله وبحمده، كم بيّن الله سبحانه شرعًا وقدرًا». شرعًا: يعني في شرعه في الكتاب والسنة، وقدرًا: أي في الواقع والتجارب التي يعيشها الناس. قال: «وخلقًا وأمرًا، في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة». الضروريات العامة: أي التي لا يسع المسلم جهلها، لا يسع المسلم جهلها، وإنما يعرفها القريب والبعيد، والعامي والعالم، وطالب العلم، إلى غير ذلك. قال: «بلغت إلى حد الضروريات العامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون». ثم ذكر الآيات من سورة يس من الآية السابعة إلى الآية الحادي عشر، ألا وهي قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. فبشره بمغفرة وأجر كريم. وفي هذا الأصل بيّن رحمه الله تعالى ما وصل إليه حال بعض الناس من نبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم، وراء ظهورهم. تركوا العمل بالكتاب والسنة، حالهم كحال أهل الكتاب: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وهؤلاء تركوا الكتاب والسنة والعمل بهما، وماذا؟ وراء ظهورهم، وراء ظهورهم. والشيطان يا إخوان هو الذي زيّن لهم ذلك، فنفخ الشيطان في قلوبهم وعقولهم بهذه الشبهة، بهذه الشبهة. والشبهة يا إخوان، الشبهة عند العلماء: الشبهة يعني سميت شبهة، قالوا: لأنها تشبه الحق، لأنها تشبه الحق. سميت شبهة، فلو كان باطلًا محضًا، باطلًا محضًا، فقد لا يستجيب له أحد، قد لا يستجيب له أحد. لكن انظروا كيف يفعل الشيطان: يخلط الحق بالباطل، يخلط الحق بالباطل، فيوضع السم في وسط العسل أو على الدسم، فيغتر به الإنسان، يغتر به الإنسان، فيكون فيها ماذا؟ حتفه وموته وهلاكه. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ذكر كما في مجموع الفتاوى: «الشبهة التي يظل بها بعض الناس هي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، ما يشتبه فيها الحق بالباطل». وهكذا أيضًا ذكر رحمه الله تعالى قال: «لا يشتبه على الناس الباطل المحض، الباطل المحض، هذا غالبا ما يشتبه على الناس لأنه باطل محض». قال: «لا يشتبه على الناس الباطل المحض، بل لابد أن يشاب بشيء من الحق، بل لابد أن يشاب -إيش معنى يشاب؟ أي يخلط، أي يخلط بشيء من الحق، بشيء من الحق». فماذا يعني الشبهة؟ هي المسألة التي ماذا؟ جعلت شبها بالحق، المسألة التي جعلت شبها بالحق، وماذا؟ وليس هناك دليل بيّن واضح يدل عليها، يدل عليها. فالشيطان نفخ في عقول هؤلاء وفي قلوبهم بهذه الشبهة، بهذه الشبهة. ما هي هذه الشبهة؟ هذه الشبهة يا إخوان هي أن القرآن والسنة، أن القرآن والسنة لا يعرفهما أي أحد من الناس، وإنما الذي يعرفهما هو المجتهد المطلق، المجتهد المطلق. طيب، من هو المجتهد المطلق عندكم؟ يأتوا بقيود ويأتوا بأوصاف معجزة. هذه كما ذكر رحمه الله تعالى: أوصاف وشروط لا توجد تامة، لربما حتى عند أبي بكر وعمر، وهما أعلم هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فماذا؟ الأصل أن المجتهد هو العالم بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا بأقوال الصحابة. وأما الشروط التي يذكرها هؤلاء فهي من الشروط التي فيها شيء من الإعجاز. المجتهد نعم يكون عنده معرفة بالناسخ والمنسوخ، وهكذا المطلق والمقيد، والعام والخاص، ويعرف من اللغة العربية، وهكذا عنده اطلاع على أصول الفقه، وأوصافًا لا بأس أن تجتمع لدى هذا المجتهد. وأما ما يذكره هؤلاء من تعنت، وهكذا شروط زائدة عن الحد، فهذا كله من باب الإعجاز، من باب الإعجاز. ولهذا، ولهذا هم يريدوا أن يصلوا إلى أمر، ألا وهو أن الإنسان لا يأخذ من الكتاب والسنة. إذن ماذا يفعلون؟ قالوا: إذن يقلد من سبقه، يقلد من سبقه. فهنا بسبب هذا التقليد الأعمى، وهنا أيضًا بسبب التقليد في العقائد وغيرها، يدخل الضلال والانحراف على الناس، على الناس. ولهذا يا إخوان، ماذا ربنا تبارك وتعالى يقول؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ليتدبر آياته. وهكذا أيضًا الآيات في هذا الباب كثيرة، الآيات في هذا الباب كثيرة. وهم يقولون: الذي يأتي ويأخذ من القرآن ويتكلم في القرآن والسنة، هذا كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، هذا عندهم إما زنديق وإما مجنون. لماذا؟ قالوا: لصعوبة فهم القرآن والسنة. وقلنا: الزنديق في باب الاعتقاد، ماذا يراد به؟ المنافق نفاقًا اعتقاديًا، المنافق نفاقًا اعتقاديًا. يقولون: هذا إما زنديق، هذا يريد أن يخرب على الناس أمر دينهم، مدسوس بين المسلمين، وإما أنه مجنون، وإما أنه مجنون. فبهذا يا إخوان يزهدون الناس عن تعلم الكتاب والسنة، والأخذ من القرآن والسنة. ومما يرد به هذه الشبهة: بالآيات التي تدل على أن الله تبارك وتعالى أكمل للناس هذا الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وهكذا الآيات التي فيها أن الله عز وجل حفظ هذا الدين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وإنا له لحافظون. وهكذا أيضًا الآيات التي فيها أن الله عز وجل قد بيّن لعباده هذا الدين غاية البيان، لكي لا يكون لأحد من الناس حجة، حجة على عدم الآ... التبليغ وعدم البيان: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. يأتي واحد يقول: ما جاءنا من نذير، ما جاءنا من نذير. فربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾، حتى يبين لهم ما يتقون. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، يهدي، أي يهدي من استهدى به، ومن تعلمه وعمل بما فيه، فيه يهديه للتي هي أقوم، أي إلى الصراط المستقيم الذي يوصل إلى الله عز وجل، وإلى جنته، وإلى... وإلى جنته. أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي ذر الغفاري، نعم، جندب بن جنادة، أبو ذر الغفاري. قال أبو ذر: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا فيه علمًا». توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا فيه علمًا». ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتوفاه الله عز وجل إلا بعد أن أكمل به هذا الدين، وبلغ البلاغ المبين، عليه الصلاة والسلام: ﴿لِتُنذِرَ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾، أي ومن يبلغه هذا، هذا الكتاب. وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي قبلي إلا كان حقًا عليه، إلا كان حقًا عليه». إيش معنى حقًا عليه؟ يعني واجبًا وفرضًا عليه: «أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن يحذرهم شر ما يعلمه لهم». ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على مثل البيضاء واضحة، قال: «ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». المشركون قالوا لسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: قالوا له: «علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء، حتى الخراءة؟» إيش هي الخراءة؟ ما هي الخراءة؟ نعم، ما هي الخراءة؟ «علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة؟» قال: «أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستجمر برجيع أو عظم». إذن ما هي الخراءة معنا يا نجيب؟ ما هي الخراءة؟ آداب وأحكام، آداب وأحكام، آداب أحكام الغائط. أحسنت: آداب وأحكام قضاء الحاجة. انظروا علمنا ماذا: أن الواحد لو يبغى الحمام، الحمام هناك آداب، هناك أحكام، بينها النبي صلى الله عليه وسلم. لو أراد أن يخرج الخلاء، قالوا: ما في ماء، حمامات ما في ماء، أين يذهب؟ الوادي هنا أو هنا. طيب، كيف يفعل؟ ماذا يعمل؟ هناك آداب وأحكام. إذن معنى هذا، معنى هذا أن ديننا كامل، ليس فيه نقص، ولا يحتاج منا إلى زيادة، ولا يحتاج منا إلى زيادة. فماذا؟ فهذا مما يرد هذه الشبهة، هذه الشبهة. وهذه الشبهة يا إخوان خطيرة جدًا، أدت إلى إبعاد الناس عن الكتاب والسنة. لو أخذ كتاب تفسير ويفسر كلام الله، قالوا: هذا فعل أمر عظيم، ماذا تفعل؟ وهكذا إذا تكلم في الحلال والحرام، آبوا عليه. فهذه الشبهة أدت إلى إبعاد الناس عن الكتاب والسنة، وعن فهم الكتاب والسنة، وعن العمل بالكتاب والسنة. وإذا، وإذا تركوا العمل بالكتاب والسنة، بماذا سيأخذ؟ سيأخذ بالآراء، ويأخذ بالأهواء. وهذا يا إخوان مما يسهل الوقوع في الضلال والانحراف. ولهذا ربنا تبارك وتعالى عاب على هؤلاء المقلدين، ولا سيما في باب الاعتقاد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. ليس أصحابك فقط الذين كانوا قبلك، هكذا تعاملوا مع أنبيائهم ورسلهم. ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. لاحظوا: بسبب التقليد ردوا كلام الأنبياء والرسل، ما قبلوا منهم. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، نقتدي بهم، أي نتبعهم. قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. قال سبحانه: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. وهذه يا إخوان هي حجة أهل الباطل في كل زمان ومكان. إذا عجزوا عن مقابلة الحجة بالحجة، استدلوا بماذا؟ بما عليه الآباء والأجداد، بما عليه الآباء والأجداد. انظروا إلى قصة موسى مع فرعون: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾. طيب، موسى أتى فرعون وقوم فرعون بهذه الآيات والحجج والمعجزات. آخر شيء، فرعون لما عجز قال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾. يعني: أنت يا موسى على الحق وأخوك، طيب، باقي الناس كلهم في النار، كلهم كفار، وأنتما على الحق فقط؟ ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ﴾. قال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾. لاحظوا ما جاء في صحيح البخاري من حديث المسيب بن حزن رضي الله تعالى عنه، في قصة وفاة... في قصة وفاة... في قصة وفاة يا با الفضل، في قصة وفاة يا با شفيق، طيب يا با عبد الرحمن، في قصة وفاة... وفاة... وفاة أبي طالب، عم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «لما حضرت الوفاة أبا طالب، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده من وجد عنده رجلين: أبو جهل، ما اسمه؟ عمرو بن هشام المخزومي، ومن؟ وعبد الله بن أبي أمية، أيضًا المخزومي، عند أبي طالب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم». انظر إلى التلطف في العبارة: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فماذا قال جليس السوء؟ مع أن عبد الله بن أبي أمية أسلم وحسن إسلامه، وهو أخو أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» أترغب، يعني: أتترك ملة، أي دين، عبد المطلب. من عبد المطلب؟ هذا أبوه، عبد المطلب، أبوه، أبو طالب بن عبد المطلب. «أترغب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فعاد النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عم، يعني: أترك كلام هؤلاء، يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وأبو جهل وصاحبه يعيدان نفس الحجة: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فكان آخر ما قاله أبو طالب قبل أن تفارق روحه جسده: قال: «هو... يعني نفسه، لكن لأن الكلمة بشعة، فالصحابي الجليل المسيب بن حزن لم يأتِ بها كما قال أبو طالب، ما قال: أنا، قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك». فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، قيل: من أحببته، وقيل: من أحببته هدايته. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وهو أعلم بالمهتدين. انظروا يا إخوان خطورة التقليد، وخاصة في باب الاعتقاد، وخاصة في باب الاعتقاد. يأتي إنسان عالم، طالب علم، داعي إلى الله عز وجل، يحذر الناس من الزيارات الشركية التي تذبح عندها البهائم، ويتمسح بأتربتها، ويدعى أصحابها. تقول: الله يا إخوان، وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فإني قريب، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فيأتوا بماذا؟ بهذه الحجج: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، هذا دين جديد، وهذا كلام غريب، هذا نحن على ما كان عليه الآباء والأجداد. هذا يا إخوان سبب هلاك وضلال الكثير من الأمم. وهذا الذي يستعمله اليوم الصوفية والشيعة مع عامة الناس، فيغروهم ويضلوهم من أبواب، ومنها هذا الباب الذي بين أيدينا، ألا وهو باب التقليد، ألا وهو باب التقليد. لكن انظروا بالمقابل، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على غلام يهودي يعوده، لأنه مريض، ولماذا يعوده؟ لكي يدعوه إلى الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الغلام اليهودي: «يا غلام، قل لا إله إلا الله، يا غلام، قل لا إله إلا الله». ماذا فعل الغلام؟ نظر إلى أبيه. أرأيتم؟ نظر إلى أبيه، كأنه يستشيره. فقال له أبوه: «أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». فهنا تشهد الغلام بشهادة الإسلام. خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». يعني: لو قال له أبوه: لا، قد لا يقولها. تقليد الآباء الدجالي، إخوان، في آخر الزمان، لما يخرج ويفتن الناس بما يجعله الله على يديه من خوارق وأشياء عظيمة، يقول للسماء: أمطري، فتمطر، يقول للأرض: أنبتي، فتنبت، يأمر الخريبة، يعني البيت الخارب القديم، أن يخرج كنوزه، فتخرج كنوزه، فتتبعه كيعاسيب النحل، أي كذكور النحل. طيب، ماذا يفعل إذا أراد أن يغري بعض الناس؟ قد يبعث له أباه وأمه، أباه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه، فإنه ربك. فتنة عظيمة، فيماذا؟ في تقليد الآباء، وتقليد كذلكم أيضًا تقليد الأجداد وغيرهم، في بابي الاعتقاد، في بابي الاعتقاد. طيب، فكما سبق يا إخوان، يعني خطورة هذه الشبهة التي ينفخ بها الشيطان في قلوب وعقول... ماذا؟ الكثير، الكثير من الناس، ويبعدهم عن الكتاب والسنة. الكتاب والسنة يصبحان للبركة، يتبرك بها الناس، يقرؤون القرآن تبركًا، يقرؤون صحيح البخاري ليس تعلما، وإنما تبركًا، أي التماسًا لبركة، والتماسًا لخير، ليس فهما وعلما وتعليما، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. والشيطان هو الذي يدعو إلى هذا الأمر، وهو الذي ينشر هذه الشبهة بين... بين أصحابه. كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى قال: «ردوا الشبهة التي وضعها الشيطان، التي وضعها الشيطان». والشيطان في اللغة، كما ذكر العلماء، أنه من مادة شطن، من مادة شطن. وهذه المادة يا إخوان في اللغة تدل على البعد، تدل على البعد. ومعنى الشيطان: كل من بعد عن الحق وتمرد عنه، كل من بعد عن الحق وتمرد عنه. فماذا؟ فيطلق ويشمل على الجن والإنس المتمردين، الجن والإنس المتمردين عن الحق، وهم كذلكم أيضًا العتاة، البعيدين عن الخير، البعيدين عن الخير. كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، زخرف القول غرورًا. وأما المراد ها هنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى، ذكر ها هنا المعنى الخاص بشيطان الجن، وهو المراد ها هنا في كلام المصنف رحمه الله تعالى، المقصود في كلام المصنف معنى خاص، ألا وهو: شيطان الجن، شيطان الجن. وقوله كذلكم أيضًا ها هنا: «ردوا الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، واتباع الآراء». والآراء يا إخوان، جمعوا رأي، جمعوا رأي، والمقصود بالرأي ها هنا: أي المخالف للكتاب والسنة، المخالف للكتاب والسنة. ولهذا اختلفت عبارات العلماء في حد الرأي، وذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى فقال: قال أبو بكر بن أبي داود رحمه الله: «قال: أهل الرأي هم أهل البدع، أهل الرأي هم أهل البدع». ولو تذكرون في قصيدة الإمام أبي بكر بن أبي داود رحمه الله تعالى يقول فيها: «ودع عنك آراء الرجال وقولهم، ودع عنك آراء الرجال وقولهم، فقول رسول الله أزكى وأشرح». يقول: فدع عنك آراء الرجال وقولهم، أي آراء الرجال المخالفة للكتاب والسنة. قال: «فقول رسول الله أزكى وأشرح، أزكى وأشرح». قال: «واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة». وأما الأهواء فهي جمع ماذا؟ الأهواء جمع هواء، جمع هواء. وقد ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في الهوى قال: قال: «أما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء». ابن القيم رحمه الله تعالى له كتاب قيم اسمه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»، روضة المحبين ونزهة المشتاقين. لما تكلم عن الهوى قال: «أما الهوى، أما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء، النفس ميل إلى الشيء، إلى الشيء». ثم ذكر بعد ذلك قال: «وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم، أكثر ما يستعمل الهوى في الحب المذموم، يعني العشق والغرام الذي يقع بين الناس». وربنا عز وجل يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾، نهى نفسه عما تهوى، لأنه ماذا؟ يخالف، يخالف ما أمر الله عز وجل به. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «ويقال إنما سمي هَوَاءً لأنه يهوي بصاحبه، لأنه يهوي بصاحبه، يهوي بصاحبه». فختم رحمه الله تعالى هذه الأصول بهذا الأصل السادس، في رد هذه الشبهة التي هي تعتبر سببًا لانحراف وظلال الكثير، الكثير من الناس. وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على هذه الرسالة الماتعة، وهذه الرسالة القيمة: الأصول الستة، الأصول الستة. هذه الأصول كما سبق معنا ليست أصولًا في الفقه، أو في التفسير، أو في المصطلح، وإنما هي أصول في العقيدة والتوحيد الخالص لله عز وجل. فحري بطالبي العلم أن يهتم بمثل هذه الأصول قراءة وحفظًا وتعلما وتعليما لغيره، فإن في ذلك النفع العظيم. طيب، نكتفي بهذا. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.