موانع قبول الأعمال 2

موانع قبول الأعمال 2

الدرس في موانع قبول الأعمال 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الظلم والمظالم

الظلم والمظالم تمنع قبول الأعمال وتؤثر على الانتفاع بها، خاصة في شهر رمضان. يجب على المسلم أن يتحلل من المظالم قبل دخول الشهر الفضيل.

عواقب الاعتداء على حقوق الآخرين

الاعتداء على حقوق الآخرين يمنع صاحبها من الاستفادة بأعماله الصالحة يوم القيامة، حيث يؤخذ من حسناته ويعطى لضحاياه. يبين خطورة هذه المظالم وضرورة الوعي بها لتجنب الشقاء في الآخرة.

خطورة عدم رد الحقوق وأهمية التحلل

يوم القيامة، سيتم أخذ الحقوق من حسنات المعتدي، فإن نفدت حسناته أخذ من سيئات المعتدى عليه وطرحت على ظهره. يجب على المسلم أن يتحلل من المظالم قبل دخول رمضان ويبرئ ذمته من الديون.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، فقد ذكرنا أننا في مثل هذه الأوقات سنتتبع أهم الموانع التي تمنع المسلم من الانتفاع بعمله، وخاصة ونحن قادمون على شهر رمضان، فإن من الحرمان أن الواحد منا يشمر عن ساعد الجد بطاعات وعبادات، ثم ترد على وجهه. فكان مما مضى معنا في درس أمس ما يتعلق بأمر القطيعة والهجران، وأيضًا مما أذكر في هذا المقام إخواني في الله من موانع قبول الأعمال ما يكون من الظلم والعدوان. ولهذا وجب على المسلم من الآن أن يتحلل من المظالم، لأن رمضان هو شهر التوبة والغفران، يتوب الله جل وعلا على من تاب جل في علاه. وقد اتفقت كلمة العلماء على أن الله جل وعلا يتوب على كل المذنبين وعلى كل المخطئين، إلا إذا كان الذنب فيما بينك وبين عباد الله من الحقوق، حينها لا تشملك التوبة حتى تتحلل من الحقوق لأهلها. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: عليه الصلاة والسلام «الظلم ثلاث: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله. أما الظلم الذي لا يغفره الله فهو الشرك به، وأما الظلم الذي يغفره الله هو ظلم العبد لنفسه، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فهو ظلم العباد بعضهم بعضًا». ما يقع من الظلم والتظالم فيما بيننا وبين غيرنا، هذه لا بد أن نستوفيها في الدنيا قبل أن نندم عليها في الآخرة، لأن هذا النوع من أنواع الظلم لا يتركه الله. وإن من تأمل في مسألة المظالم التي تقع بين العباد هي تؤول إلى ثلاثة مسائل: الدماء والأموال والأعراض. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، وقال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». هذه الأسس الثلاثة أو أنصح التعبير الخطوط العريضة هي الخطوط التي من تعداها فهو على شفا هلكة. ولهذا كان ينبغي على من ابتلي بحقوق أحد من عباد الله أن يتعجل في التحلل منها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من دم أو مال فليتحلل منها اليوم قبل أن تأتيك الساعة». فالشاهد إخواني في الله أن هذه المظالم محرمة. تأتي المسألة التي أود أن أذكرها وما علاقة هذه الحقوق والمظالم أنها تؤثر في أعمالنا، تمنعنا من الانتفاع بها. وهذا الذي نذكره في هذا المقام بذكر هذه المسألة بالذات مما يدل على أن المظالم والاعتداء على حقوق الآخرين تمنعنا من الاستفادة بأعمالنا، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «أتدرون من المفلس؟» قلنا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا». هذه الجرائم التي اقترفها هذا الإنسان مع غيره من إخوانه لو أردنا أن نجمعها ستؤول إلى هذه الحقوق الثلاثة. ماذا سيكون مصيره هذا الذي اعتدى على إخوانه من المسلمين؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فيأخذ من حسناته فيعطى لهم». هذه الحسنات التي أنت جمعتها التي أنت تعبت عليها في هذه الدنيا تأتيك المواسم العظيمة فتصلي وتقوم بالنوافل والقربات وتتقرب إلى رب الأرض والسماوات، ثم بعد ذلك تذهب إلى غرمائك تذهب إلى خصومك. فيأخذ من حسناته ويأخذ من حسناته، لكن تخيل أن هذا الرجل ليست مظلمته عند أحد الناس، لا بل مظلمته تعدت أممًا من الخلق، وهذا هو الشقاء. ولو أن الإنسان عنده وعي مثل هذه الأحاديث لقشعر بدنه، وخاصة الذي يستغل ما هو فيه في الاعتداء على مظالم الناس. فيا من تعتدي على أموال الناس السرقة، كالسرق يسرق من هنا ويسرق من هنا، ويقفز على هذا البيت. والسرقة قد تنوعت الآن في هذه الأزمان المعاصرة على مستوى راق، قد لا تشبعه أن يأخذ عشرين ألفًا، بل ينظر إلى الكعكة الكبيرة إلى عشرين مليونًا يدور حولها حتى يختلسها اختلاسًا، تزويرًا، غشًا. وهذه الأموال لا تعود إلى أحد الناس، بل تعود إلى شعب، كالأموال الحكومية والأموال العامة، آلاف البشر تؤخذ منهم. صاحبها سيحاسب على كل مال أخذ من صاحبه. وذاك الذي أخذ العقارات، وذاك الذي أخذ الأراضي، وذاك الذي نزع الممتلكات، وهكذا. قس في باب الأعراض الذي لا يلوغ بلسانه يفري في عرض هذا، ويكذب في عرض ذاك، ويقذف هذا، ويشتم هذا، ويغتاب، وينم، ويجد أن الأمر السهل سلس، ما هي إلا حركة لسان، متى ما خل له الجو خاض في الأعراض، في أعراض قرابته، في أعراض أرحامه، في أعراض جيرانه، في أعراض أي أحد يخوض يتكلم في عرضه كذبًا ولوغًا، ويأكل من لحمه. وهكذا قسم يكون من الاعتداء في الدماء، كمن يشن الحروب ويشن القتال والاعتداء على قبائل وعلى دول أو على أفراد، فيستحل دم هذا ودم ذاك، ويدخل في ذلكم الضرب والبطش والأذى، كل ذلك من الاعتداء على الدماء. تخيل من أمثال هؤلاء الذين قد ولغوا في حقوق الكثير من الناس، فتخيل كم سيُطالب من الغرماء يوم القيامة، يطالبون: يا رب، يا رب، هذا تكلم في عرضه، والذي بعده، والذي بعده، والذي بعده. وكلها لن يتزحزحوا من هذه الساحة من ساحة الحشر حتى ماذا؟ حتى يريدوا رد اعتبار. لا، فات رد الاعتبار، رد الاعتبار في الدنيا كان يكفيهم منك أن تعتذر وترد اعتبارهم، وانتهى الأمر، ترجع حقوقهم، ينفعك في الدنيا. لكن يوم القيامة ما هناك ثم لا دينار ولا درهم ولا متاع، فماذا يستنفذون منك؟ الصلاة، الصيام، القيام، الأعمال الحسنات، فيأخذون من حسناتك حتى ينتهي القصاص. فتخيل أن هذا الرجل الذي أتى بهذه العبادات العظيمة فنيت فنيت حسناته، لكن لم ينتهِ الأمر، لماذا؟ لأن هناك أناس لا زالوا يطالبون هذا المسكين يطالبونه، الذي كان في هذه الدنيا يرتع ويلعب بقوته بسلطانه بجبروته، خاض في الأموال، خاض في الأعراض، خاض في الدماء من غير حسيب ولا رقيب، كما يدعي. لكن الله له بالمرصاد، فإذا بحسناته فنيت، فيقول: ماذا بعد هذا؟ قال: لا حقوق العباد، فتأخذ من سيئاتهم، فيطرح على ظهره، يتكفل بحمل خطايا الغرماء من باب العوض، فتأخذ من سيئات الباقين فتطرح على ظهره، فماذا عسى أن تجد نهايته؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فيلقى في النار». السؤال: هذا جاء ومعه صلاة وصيام وزكاة، أين ذهبت؟ من تفع به؟ وهذا هو الشاهد من ذكر هذه المسألة في هذا المقام أن نعلم أن الاعتداء والتطاول على حقوق العباد يا عبد الله مآله أنك لن تستفيد من أعمالك. ولهذا قبل أن تتعب، وهذه نصيحة لكل مسلم للسامع والمتكلم والجالس والبعيد والماكث، يا عبد الله، قبل أن يدخل عليك رمضان، وها أنت تستعد بصلاة بقيام ببر بإحسان، قبل ذلك انظر هل عليك مظالم؟ هل عليك مظالم؟ تحلل منها الآن حتى تبريء ذمتك. ما أشرنا إلى مسألة التخاصم والقطيعة، بريء ذمتك، أمدد يدك، فإن اصطلح من اصطلح معك الحمد لله، ما اصطلحه قد برأت الذمة، وهكذا في التحلل، تحلل يا عبد الله من دم، من مال، من عرض، ثم بعد ذلك قد أديت الذمة حتى تأتي يوم القيامة وتحتضن أعمالك بنفسك، لا ينازعك فيها أحد. فهذا الحديث حديث المفلس إخواني في الله، اجعله يا عبد الله نصب عينيك. يا عبد الله لا بد من الآن من التحلل من المظالم. ومما أحب أن أشير إليه من المظالم مسائل الديون، مسائل الديون، لأنها تدخل في حق المال. بعض الناس ربما يرى أن مسألة الدين ليست بتلك الصعوبة، وأنا ما أتحدث عن حال الناس، كلنا من غير استثناء كلنا من ذوي الديون، لكن أتحدث عن الديون في حق رجل يستدين مالًا وهو لا يريد إرجاعه، يتلاعب، يتلاعب، أو يتملص ويتنصل، يأخذ من هنا ويأخذ من هنا، وعند الحساب يقول: لا والله لم أأخذ شيء، أنا ما فعلت شيء، يكذب، هو يعرف أنه قد أخذ. أو أن بعض الناس يهرب بديونه، وتبقى له دفاتر معلقة، هذا يا عبد الله ارجع، ارجع، سدّد ما عليك، وإلا ستأتي يوم القيامة وستسددها بنفسك. قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه دين من درهم أو دينار قضي من حسناته». حمل العلماء هذه المسألة في الذي يتهاون في سداد الديون أو يتعمد في أنه لا يسدد الدين. كما نجده للأسف نسأل عن بعض الدكاكين يقول: هذا الدفتر فيه سنوات، سنوات، ديون على أصحابه، أين هم؟ اقتركوها، ما سددوها ولا سألوا عنها. فإن فعلوا ذلك عمدًا وقصدًا فحيل سيأتهم بها، لكن سيسددونه، لكن بماذا؟ بحسناتهم. فالشاهد إخواني في الله، فلنجعل هذه الأيام ونحن في أواخر أيام شعبان وعلى وشك دخول رمضان أن نتحلل من المظالم ومن حقوق العباد من دمائهم وأموالهم وأعراضهم. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.