الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع شروط صحة المفطرات من علم وذكر وعمد، والمفطرات الثلاثة المتفق عليها. ثم يبين قاعدة الأصل في المشتبهات ويناقش الخلاف في تعمد القيء والحجامة مرجحاً قول الجمهور بإفطارهما.
يذكر المقطع قول الجمهور بأن الحجامة لا تفطر وإنما تكره للضعف مستدلين بحديث ابن عباس. ويبين إجماع الأئمة الأربعة على أن الاستمناء المتعمد مبطل للصوم ويوجب القضاء مع الخلاف في الكفارة المغلظة.
يستعرض المقطع مسائل فقهية متعددة فيما يفطر وما لا يفطر كالكحل والحقن ونقل الدم والقطرات والنخامة وبخاخ الربو. ويبين الراجح في كل مسألة مع الضوابط الشرعية الحاكمة لها.
يختتم المتحدث عرض مسائل باب المفطرات بالصلاة على النبي والحمد لله. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فلا نزال مع أحاديث الصيام من عمدة الأحكام، وقد انتهينا في الدرس الماضي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة ذلك الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان وهو صائم، وهو سلمة بن صخر البياضي رضي الله تعالى عنه، وذكرنا من الفوائد المتعلقة بهذا الحديث، وإلا ففي الحديث عظيم وكثير الفائدة، كثير الفائدة، وتلخص لنا مما سبق الكلام حول بعض المفطرات. المفطرات التي مرت معنا هي ثلاثة، وهي مجمع عليها: أولها الأكل متعمداً، وثانيها الشرب متعمداً، وثالثها الجماع متعمداً. هذه المفطرات أجمع العلماء عليها. وقبل أن ندخل في ما يتعلق بالكلام حول المفطرات، ذكر العلماء ثلاثة شروط للمفطرات: الشرط الأول العلم، والثاني الجهل، والثالث العمد. أولاً: العلم، فالجاهل يُعذر. والثاني: الذكر، والناس معذور. والرابع: العمد، والذي هو غير متعمد فإنه كذلك أيضاً يُعذر. وثلاثة المفطرات التي سبق معنا ذكرها هي في قول الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وهنا قاعدة يذكرها العلماء، ألا وهي: أننا إذا شككنا في الشيء هل هو مفطر أو ليس بمفطر، فما هو الأصل؟ إذا شككنا في الشيء هل هو مفطر أو ليس بمفطر، فما هو الأصل؟ نعم، ليس بمفطر حتى يأتي الدليل الذي يدل على أنه من المفطرات، الذي يدل على أنه من المفطرات. وهناك بعض المفطرات التي اختلف العلماء فيها، نذكر جملة منها على سبيل الإيجاز والاختصار: منها تعمد القيء، يتعمد القيء يعني الطراش، إخراج ما في المعدة، إخراج ما في المعدة. والذي عليه الجمهور من أهل العلم أن تعمد القيء مفطر، وأما إذا لم يتعمد فإنه لا يفطر، فإنه لا يفطر. واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه»، ذرعه يعني غلبه وخرج بغير اختياره، قال: «فلا قضاء عليه، ومن استقاء أي تسبب هو بإنزال وخروج القيء، قال: فعليه القضاء، فعليه القضاء». وهذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، في تصحيحه وتضعيفه، والذي عليه الكثير من أهل العلم هو ماذا؟ أنه صحيح، وأخرجه شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، ثم بعد ذلك ظهر له إعلاله، ظهر له إعلاله، فأخرجه في أحاديث معلة ظاهرها الصحة. والذي رجحه أئمة العصر كابن باز والعثيمين، وهكذا كان عليه شيخنا الوادعي، هو أن تعمد القيء يفطر، وإذا خرج بغير قصد فإنه لا يفطر، فإنه لا يفطر. وخالف بعض أهل العلم، فذهبوا إلى أن القيء لا يفطر سواء خرج باختياره أو خرج بغير اختياره، واستدل على ذلك ببعض الأحاديث التي لا تصح، التي لا تصح. وهكذا أيضاً من هذه الأمور التي حصل الخلاف فيها: الحجامة. الحجامة، ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تفطر، إلى أنها تفطر، واستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان، قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث حديث ثوبان، ونحوه عن شداد بن أوس عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، وجاء الحديث عن نحو من ثمانية عشر صحابياً، حتى عده السيوطي من المتواتر، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. فذهبوا إلى أن الحجامة تفطر. وخالف في هذا الجمهور من أهل العلم، أكثر العلماء على أن الحجامة لا تفطر، واعتبروا الحديث السابق: «أفطر الحاجم والمحجوم» أنه منسوخ بماذا؟ منسوخ بحديث ابن عباس في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وهو صائم. وهذا الحديث متأخر عن الحديث السابق، عن الحديث السابق، فالذي يظهر أن الحجامة لا تفطر، وإنما تكره من أجل الضعف الذي قد يصيب المحتجم، الذي يصيب المحتجم. ولهذا جاء في صحيح البخاري عن ثابت البناني أنه قال: لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف، إلا من أجل الضعف. ولهذا حمل بعضهم «أفطر الحاجم والمحجوم» أي: كاد أن يفطر الحاجم بأن قد يدخل بعض الدم إلى جوفه، والمحجوم قد يضعف فيغمى عليه ويصاب بإرهاق فيحتاج إلى أن يفطر، يحتاج إلى أن يفطر. وقد جاء في حديث أنس بن مالك قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفطر هذان»، يعني الحاجم والمحجوم، قال: ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجام للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. والحديث هذا أخرجه الدارقطني وقواه، أي الدارقطني قوى هذا الحديث، قوى هذا الحديث. والحديث تكلم في إسناده ومتنه جماعة من أهل العلم، حكموا عليه بالشذوذ، هو من طريق خالد بن محمد القطواني، وهو كما ذكروا صدوق له مناكير، وهكذا عبد الله بن المثنى أيضاً في هذا الإسناد صدوق كثير الخطأ. والحديث أنكره جماعة من الحفاظ كابن عبد الهادي وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهم. إلا لو صح لكان نصاً في هذه المسألة، فقول الجمهور يا إخوان هو الأقرب إلى الصواب، لكن الأحوط أن الشخص يترك الحجامة في وقت الصيام ويؤخرها إلى وقت الإفطار. قال أيضاً: من هذه الأمور الاستمناء. والاستمناء هو إخراج المني متعمداً، وليس الاحتلام، الاحتلام خروج المني بغير قصد نائم، وقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ. لكن هذا استمناء، أي طلب خروج المني. والاستمناء ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يبطل الصوم لعدم وجود الدليل الذي يدل على الإبطال، الذي يدل على الإبطال، وإليه مال الشوكاني ورجحه الألباني. لكن هذا القول يا إخوان ليس بصحيح، ولهذا قول عامة العلماء على أن الاستمناء مبطل للصوم ويوجب القضاء، ويوجب القضاء. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة. بل نقل بعضهم الإجماع كما فعل الإمام ابن منذر، وهكذا نقله ابن قدامة وغيرهما، نقلوا الإجماع على أن الاستمناء مبطل للصوم ومفسد له. واستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، قالوا: المقصود بالشهوة هاهنا هي شهوة الجماع، شهوة الجماع. وهل عليه كفارة مغلظة؟ الذي يستمني يعني يخرج المني باختياره، استمنى، هل يكون حكمه كحكم المجامع في نهار رمضان متعمداً فيفسد صومه ويكون عليه كفارة مغلظة أم لا؟ في رمضان، نعم عليه كفارة مغلظة. ما هي الكفارة المغلظة يا أبا بدر؟ ما هي الكفارة المغلظة؟ وقبله ماذا؟ وقبله ماذا؟ أحسنت: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. نعم، يا عبد الله: ليس عليه كفارة، صومه يفسد وعليه القضاء، لكن ليس عليه كفارة، لا مغلظة ولا غير مغلظة. الاكتحال، الكحل للصائم، الصحيح أنه ليس، ليس بمفطر، ولو وجد طعم الكحل في حلقه، في حلقه. وإلى هذا ذهبت الشافعية وغيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال الترمذي رحمه الله تعالى: قال: لم يصح في هذا الباب شيء. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهكذا أيضاً من المعاصرين الشيخ العثيمين وغيرهم، أن الكحل ليس بمفطر. القبلة للصائم، وهكذا المباشرة، والمقصود بالمباشرة أي الاستمتاع من غير جماع، من غير جماع. هما جائزتان لمن قدر على أن يضبط نفسه، لمن قدر على أن يضبط نفسه. في حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم، ولما سئلت أمنا عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم، ولكن كان أملككم لإربه، أي لشهوته. فإذا قبل أو باشر فنزل منه المني بسبب ذلك كان مفطراً، وحكمه حكم المستمني. وإذا جامع فينطبق عليه ما سبق في حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان. الحقنة للصائم، والاحتقان هو عبارة عن إدخال الأدوية إلى الجسد، قد يكون عن طريق الدبر مثلاً كالتحاميل وغيرها، وهكذا يدخل في ذلك الحقنة التي تكون عن طريق الوريد، عن طريق الوريد. والعلماء يفصلون بين ما كان مغذياً وبين ما كان ليس بمغذٍ، فالمغذي يعتبر مفطراً لأنه يقوم مقام الطعام والشراب. ولهذا بعض الناس قد يستغني بهذه الحقن المغذية أياماً عن الطعام والشراب. وهكذا قرب الدم أدخل لشخص، قرب الدم هذه تعتبر مفطرة، فحقيقتها عبارة عن طعام أو تقوم مقام الطعام والشراب. وما كان ليس بمغذٍ كإبرة حقنة حمى، رواسد ونحوها، فهذه ليست بمفطرة. المضمضة والاستنشاق والاستنثار، كله جائز، لكن الذي يكره للصائم هو ماذا يا بلال فاروق؟ أحسنت: المبالغة، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً، إلا أن تكون صائماً. أيضاً بالنسبة لما يتعلق بالقطرة: قطرة العين وقطرة الأذن، أذه مما يجوز للحاجة، ولو وجد طعمها في حلقه، لكن يقال: إذا كان ممكن أن يؤخر إلى ما بعد الإفطار فهذا أفضل. أما قطرة الأنف، فالأنف مدخل للجوف كالفم، ولهذا بعض المرضى إذا فقد الوعي أدخل له الطعام عن طريق الأنف. فقطرة الأنف ذهب بعض العلماء إلى أنها مفطرة، وبعض العلماء يقول: ليست بمفطرة، لكن الأحوط البعد عنها. وهكذا أيضاً بالنسبة للنخامة، النخامة ويقال النخاعة، ويفرق بعض العلماء بين النخامة والنخاعة، يقول: النخامة إذا صعدت من الجوف، والنخاعة إذا نزلت من الرأس، من الدماغ. والنخامة والنخاعة إذا كانت لا تزال بالداخل فإنها لا تفطر، لكن إذا أخرجها، تنخم، أخرجها خارج ثم أدخلها، فذهب بعض العلماء إلى أنها تفطر. الريق يفطر أو ليس بمفطر؟ الريق عندك يفطر؟ الريق اللعاب يعني، الريق يفطر معناه يجب أن يخرجه خارج، وهذا فيه ماذا؟ مشقة، إذا ماذا؟ لا يفطر الريق. طيب، إذا أخذ ريق غيره فابتلعه، يفطر أو لا يفطر؟ ريقك أنت ما يفطر، لكن إذا بلع ريق غيره يفطر؟ أحسنت: إذا بلع ريق غيره. قد يقول قائل: كيف يقع هذا يا بمالك؟ طيب، ماذا أيضاً بالنسبة لتذوق الطعام؟ تذوق الطعام جائز بشرط أنه ماذا؟ يلفظه خارج ولا يبتلعه إلى الداخل. أيضاً استخدام المريض مرض الربو للبخاخ، هذا لا يفطر. استخدام السواك، استخدام الصائم للسواك لا يفطر، لكن إذا كان رطباً وطرياً ووجد شيء من مائه أخرجه خارج. أيضاً لو هناك شيء من هذه الأعواد فوجب عليه أن يخرجها إلى خارج، وإلا فالأصل أن السواك جائز في أول النهار وفي آخره، كذلكم أيضاً بالنسبة لمعجون الأسنان. الأصل أنه لا يفطر إلا إذا ابتلع، والذي ينصح به العلماء كما ذكر العلامة العثيمين: أن في معجون الأسنان مادة سريعة النفاذ إلى الجوف، ولهذا ينصح الصائم بعدم استخدام معجون الأسنان ويستغني بعود الأراك أثناء الصوم، أثناء الصوم. فهذه جملة من الأمور التي تذكر في باب المفطرات. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر