كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عقلان البازلي

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عقلان البازلي، والتي كانت بمسجد الفاروق بمنطقة حباير يوم الأحد 5 شوال 1445هـ الموافق 14 أبريل 2024م ألقاها منوع

أهمية الحفاظ على الأخوة والوحدة في الاجتماعات الدعوية

يرحب الخطيب بالحضور في اللقاء السنوي مشيداً بنعمة الاجتماعات العلنية، محذراً من التفرق ومُحثاً على التمسك بالأخوة الدينية. ويؤكد أن هذه اللقاءات تقوي أواصر الأخوة وتثبت الدعوة، داعياً إلى اغتنام الفرص لزيادة الإيمان والأخوة قبل فوات الأوان.

مقومات الأخوة الإسلامية ومفسداتها

يؤكد المقطع على أهمية التزاور والنصيحة والتعلم والتعليم كركائز للأخوة الإسلامية، محذراً من مفسداتها كالسخرية والتنابز وسوء الظن والتجسس والغيبة. ويضرب المثل بأخوة السلف الصالح كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.

المصارحة وحفظ الأخوة في ضوء قصص الصحابة

يسرد المتحدث قصتي أبي بكر وعمر مع حفصة، وعمر مع سعد بن أبي وقاص، مبيناً كيف أن المصارحة والصدق أزالتا ما في النفوس وحفظتا الأخوة. ويؤكد على وصية ابن عثيمين بضرورة السؤال المباشر عند سماع شكوى عن الأخ، مستشهداً بآية نزع الغل من الصدور في الجنة.

دعاء ختامي وبركة اللقاء السنوي

يدعو المتحدث الله أن يحفظ الدين والدعوة والأخوة، وأن يبارك في جهود الحاضرين والقائمين على الاجتماع. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، الحمد لله الذي جعل في الاجتماع قوة ونصراً، وجعل في التفرق ضعفاً وكسراً، ودعانا ربنا لنزداد على هذا الأمر ثباتاً وصبراً، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها ذخراً وألقى بها أجراً، وأنا لها عند الموت أشد حاجة وفقراً. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أعظم الناس عند الله قدراً، الداعي إلى الله سراً وجهراً. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما غاب نجم أو بدا بدراً، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، حياكم الله في هذا الاجتماع السنوي واللقاء الأخوي والحضور المأوي. حياكم الله أيها الإخوة الأكارم، للإسلام ترفعون صرحة وتبنون أساسه وأسه، فتكونون خزرجه وأوسه. حياكم الله تذودون عن حياضه وتنهلون من رياضه وتزيدون من نوره وبهائه وبياضه. حيا الله المشائخ الأفاضل وطلاب العلم، المتقدمين منهم والأوائل. وحيا الله كل محب لهذا الخير وباذل، وكل منافح عن هذه الدعوة ومناضل: هذا بقلمه كاتب وناقل، وهذا بلسانه متكلم وقائل، وهذا بماله منفق وباذل، وهذا بجاهه دافع وحائل، وهذا بنفسه صائل وجائل، وهذا بطابه للعلم مستفتٍ ووسيل. فحياكم الله جميعاً في هذا الاجتماع المبارك، وزادكم الله عز وجل من فضله، وحفظكم المولى سبحانه وتعالى بحوله وقوته. فاستعينوا بالله أيها الإخوة الفضلاء، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً فكثركم. فهذا من فضل الله عز وجل عليكم ونعمته ومنته. ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. فقد حرم غيركم هذه الاجتماعات المعلنة، وربما كانت سرية أو شبه سرية، وقد كانت بالأمس القريب علناً وتمتعوا بها زمنا، وحرم منها من حرم، وانصرف عنها من انصرف، وحيل بينهم وبين ما يشتهون. فاعرفوا قدر هذه النعمة التي أنتم فيها، والمنة التي تستمتعون بها، وحافظوا عليها أيها الأكارم. حافظوا على هذه النعمة، وعلى هذه الأخوة، وعلى هذه الدعوة السلفية الطيبة المباركة. حافظوا على أخوتكم، وامضوا قدماً في دعوتكم، واسألوا الله عز وجل الثبات على دينكم. ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. والثبات والثبات يا عباد الله، منة عظمى ونعمة كبرى، ليست بأيدينا، فقلوبنا تتقلب في الليل وفي النهار، وما سمي القلب قلباً إلا لتقلبه. فسأل الله أن يثبت قلبك. فكم كنت تعرف من إخوان لك على هذا المضمار، وفي هذا الخير، وفي هذا المسار، انقطع بهم السير، ولم يواصلوا في هذا المشوار. فهذا صُرِف بفتنة، وهذا صُرِف بدنيا، وهذا صُرِف بعمل من الأعمال وشغل من الأشغال، وهكذا. فلنغتنم الفرص أيها المسلمون، ففراغنا تحفه غصة الأشغال، وشبابنا تلاحقه غصة الكهولة، وصحتنا محفوفة بالأمراض والأهوال، وحياتنا مهددة بالموت والآجال. فإن لم نغتنم الفرص التي منحنا الله سبحانه وتعالى، فَـنَـزَّادُ عِلْماً إِلَى عِلْمِنَا وَأُخُوَّةً إِلَى أُخُوَّتِنَا وَثَبَاتاً إِلَى ثَبَاتِنَا، وَإِنْ لَا تَنَدَّمْنَا أَشَدَّ النَّدَمْ، وَبَكَيْنَا جُمُوعَ الدَّمْ عَلَى مَا فَاتَ مِنَ الزَّمَنْ. فَالْعَاقِلُ مِنَّا مَنْ بَكَى عَلَى زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ مُوَاسِياً لِإِخْوَانِهِ، وَمَنْ كَانَ حَافِظاً لِسَانِهِ، تَالياً لِقُرْآنِهِ. العاقل أيها المسلمون من يبكي على الزمن، ومن يتفقد إخوانه ويبكي زمانه. وهذه الاجتماعات تُعَدُّ من العقل والحكمة، إذ أن فيها الحفاظ على الزمن، وفيها اللقاء بالإخوان. ولقاء الإخوان لم يبق من لذات الدنيا إلا هو، كما قال بعض السلف: «لولا لقاء الإخوان وصلاة الجماعة لما أحببت البقاء على الدنيا». فاجتماعكم قوة، وتفرقكم ضعف. عباد الله، واذكروا نعمة الله عليكم: قبل عشرات السنين لم يكن هناك اجتماعات ولا لقاءات ولا محاضرات ولا أعداد كمثل هذه الأعداد الطيبة المباركة. هذه دعوة الله عز وجل، فكونوا من أنصارها، وتشرفوا بأن تكونوا من أتباعها وأبنائها وناصريها والمدافعين عنها. وهذا لا يتم ولا يثبت ولا يكمل إلا بأن نحافظ على أخوتنا. فأخوتنا أيها الإخوة هي سواد العين. وأخوتنا الدينية فيما بيننا، أهل السنة والجماعة، أهل العلم والفصاحة والبراعة، أهل السنة والجماعة نقاوة المسلمين، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. لا تتم هذه النقاوة، ولا تجدون لها حلاوة، إلا بأن تحافظوا على الأخوة حفاظاً كبيراً، كما تحافظ على سواد العين. وهذه الاجتماعات، ولله الحمد، تثبت الأخوة وتزيد من أواصرها، وتقوي أركانها وأوطادها بإذن الله سبحانه وتعالى. فكونوا لها محافظين في الاجتماع، وفي الخلوات، وفي الانفراد. وأكثر من زيارات بعضكم بعضاً، فإن زيارة الأخ لأخيه، وتفقد الأخ لأخيه، يزيد في الإيمان وفي الأخوة، ويثبت ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى. كونوا دائماً متزاورين أيها الإخوة، وكونوا دائماً متناصحين، وكونوا دائماً متعلمين ومعلمين، وكونوا دائماً على الخير سائرين، وعلى النصح مقيمين، حتى يتوفاكم الله سبحانه وتعالى. فدعوتنا تثبت بالأخوة، وتقوم بالأخوة، فهي ركن من أركانها، وبالنصيحة كذلك، وبالعلم كذلك. فهذه من مقومات أخوتنا: أن نشغل أنفسنا بالعلم، بالنصح، بالدعوة، بالزيارة لبعضنا بعضاً، بالتفقد لبعضنا بعضاً، ولو بالاتصال الهاتفي، بحسن الظن لبعضنا بعض. فإن ذلك من أعظم مقومات الأخوة، ومات الأخوة. ولهذا لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما يبدد الأخوة ويفتتها ويشتتها، نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن أنواع من المنهيات، هي من أعظم أسباب الضياع والشَتَات للأخوة والأخوات. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى، لما قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾، دعا إلى الإصلاح بين الإخوة، أفراداً وجماعات، أفراداً وجماعات. ثم حذر ربنا سبحانه وتعالى مما يذهب أخوتنا، يذهب صفوها، ويعكر جمالها، ويذهب برونقها. قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ ﴾. فكم كانت السخرية أيها المسلمون سبباً للهجر، وسبباً للتشتت، وسبباً للانفراد. هذا ينفرد بنفسه وبدعوته، وهذا ينفرد في بيته ومسجده، وهذا ينفرد في عمله ومزرعته. قال: «سخر مني فلان في المجلس، فلن أعود أبداً إلى الاجتماع، ولن أعود أبداً إلى اللقاءات، ولن أعود أبداً، وقد سخر مني فلان». وربما كانت زلة لسان أو هفوة من الشيطان، عياذاً بالله. ولهذا دعا الرحمن عباد الرحمن أن يقولوا التي هي أحسن، فإن الشيطان ينزغ بينهم. حذر الله بعد أن دعا إلى الأخوة، حذر من السخرية: ﴿ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ﴾. وحذر من التنابز بالألقاب. فربما غل الأخوة في المزح وفي الجلسات الجانبية، فكثر التنابز بالألقاب، فكان سبباً للذهاب والغياب، سبباً لغياب الشخص: «أين فلان؟ لا نراه يحضر مع إخوانه. أين فلان؟ غائب». إذن هذا الغياب وهذا الانصراف والذهاب، ربما كان سببه يوماً من الأيام التنابز بالألقاب، عياذاً بالله رب الأرباب سبحانه وتعالى. ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾. وحذر الله من الظن السيء بأخيك المسلم، فقال بعدها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾. هذا أيضاً مما يفتت أخوتنا، ومما يشتت أمرنا، ويضيع بعضنا بعضاً. وحذر الله عز وجل من التجسس والتحسس على بعضنا بعض: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾. كل هذه المنهيات أردفها الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أخوتنا، ودعانا إلى الإصلاح فيما بيننا، وحذرنا من هذه الأشياء التي تدك في مفاصل أخوتنا، وفي أركانها وأعضائها ومقوماتها. فوالله يا إخوة، لو وقفنا عند الأوامر وتركنا النواهي والزواجر، لرأيت أخوة صافية. وإني لأرى في الأزمنة المتأخرة ما لم نكن نراه في الأزمنة المتقدمة. لقد كان طلبة العلم فيما قبل على نوع كبير من الصفاء، وعلى نوع كبير من الإخاء، وعلى نوع كبير من الارتقاء في الكلمات مع بعضهم بعضاً. فحصلت قساوة بعض الشيء عند بعض الأخوة، وحصل تقصير للزيارة لبعضهم بعض، وحصل شيء من الجفاء، فكان هذا من أعظم ما يباعد الأخ عن أخيه، عياذاً بالله. فلذلك هذه الاجتماعات تردنا بإذن الله إلى صفاء الأخوة، وإلى نقاء الأخوة، بإذنه سبحانه وتعالى. فاحذروا الغيبة أيها الإخوة، فهي من جملة ما يمزق أخوتنا. واحذروا البيع على بعضكم بعضاً، والتنافس في الدنيا. واحذروا قبول الوشايات على بعضكم بعضاً من النمامين المفسدين. النمام الذي يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في عام. النمام الذي يجلب الآلام. النمام الذي يسعى بالنميمة بين الأخ وأخيه. ولهذا قال بعض السلف: «يفسد النمام في ساعة ما لا يقدر عليه الساحر في سنة، ما لا يقدر عليه الساحر في سنة». فهذا النمام والنميمة، وقبول الوشايات على بعضنا بعضاً، لهو من أعظم ما يمزق أخوتنا. فلذلك أيها الإخوة، لنا في السلف الصالح أسوة، ولنا فيهم قدوة. كانوا على الإخاء، وكانوا على الصبر والثبات، وكانوا على الصدق والصفاء. ولهذا لما عرض عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ابنته حين تأيمت على عثمان، انظروا إلى سهولة الأخوة بين الأخ وأخيه. خذوا نموذجاً يا معاشر المتآخين على الخير وعلى الحق وعلى الهَدْي. قال: «لقد تأيمت حفصة بنت عمر، فإن شئت زوجتك إياها». فاعتذر له عثمان في الحال، وقال له: «قد بدا لي الآن ألا أتزوج، والحمد لله». فعرضها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فسكت ولم يرد له جواباً، لأن أبا بكر لم يستطع أن يرد الجواب في ذلك الوقت، ما كان يستطيع أن يرد الجواب لا بنعم ولا بلا، وإنما وسعه السكوت رضي الله عنه. فوجد عمر في نفسه على أبي بكر. ولكن مرة الأيام، ويذهب ما في النفوس بالاجتماعات، ويذهب ما في النفوس بالصراحة أيضاً، بأن تصارح أخاك إن كنت قد وجدت عليه في نفسك. فلما خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، كان هذا هو السبب الذي منع أبا بكر من أن يعلن بقبوله لها. بعد ذلك جاءه عمر، أو لقيه أبو بكر، وقال: «علك وجدت في نفسك علي يا أخي، حين عرضت علي ابنتك حفصة فلم أرد عليك». قال له: «نعم». ما قال: «لا». هل منكم الآن أحد إذا وجد على أخيه، وجاء وصارح، وقال: «وجدت علي في نفسك من الموقف الفلاني»، هل يستطيع أحد منا أيها الإخوة أن يقول له: «نعم، وجدت في نفسي عليه»؟ بل ربما بادر بالإنكار، هذا في الغالب، ويقول: «لا، لم أجد عليك في نفسي»، وفي نفسه أشياء وأشياء، وقد بيت الهجر، وبيت الجفاء، وبيت أشياء أخرى. فقال له: «نعم، ولم يمنعني من الرد عليك إلا أني سمعت رسول الله يذكرها صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها، وما كنت لأكشي سر رسول الله»، أي: ما كنت لأخبرك أن رسول الله يريدها، وكان هذا سراً بيني وبينه عليه الصلاة والسلام. انتهى الأمر، انتهى الأمر هنا أيها الإخوة، فلا داعي للهجر، ولا داعي للقطيعة، ولا داعي للحساسيات النفسية التي صارت اليوم أكثر من الحساسيات الجلدية بين كثير من الناس، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. وحين بلغ عمر رضي الله عنه الشكوى بسعد بن أبي وقاص من أهل العراق، من أهل العراق، وأنه لا يعدل في الرعية، ولا يمشي في السرية، ولا يقسم بالسوية، أرسل عمر من يسأل عن سعد في أحياء البصرة. فكل الناس يثنون خيراً على سعد. وكيف لا؟ وكيف لا؟ وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله. كيف لا؟ وقد جمع له النبي صلى الله عليه وسلم أبويه في أحد. كيف لا؟ وهو المسدد في رميته، المجاب في دعوته، المبشر بجنة الله سبحانه وتعالى. كيف لا؟ ولكن حمل بعض الناس على سعد أن يتكلم عليه بالباطل، ويسجع كسجع الكهان، ويقول: «أما سعد، فإن سألتم عنه، فهو لا يحسن يصلي بنا، لا يعدل في الرعية، ولا يمشي في السرية، ولا يقسم بالسوية». فأرسل عمر يسأل من يسأل عن سعد، وإذا بالناس يثنون خيراً، إلا شاب من بني عبس، تكلم بهذا الكلام. فرفع سعد يديه ودعا عليه، فاستجاب الله عز وجل دعوته، ولله الحمد والمنة. «اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأعمِ بصره، وأدم عليه الفقر، وعرضه للفتن». فأصابته دعوة سعد، فكان يغمز الفتيات في المدينة، ويقول: «شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد». وأما عمر، فقال: «ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، ذاك الظن بك يا أبا إسحاق». نعم، ولم يعزله خيانة له، ولكن لأمر أراده عمر رضي الله تعالى عنه. أيها الإخوة الكرام، يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «إذا بلغت عن أخي شيء، فإن استطعت أن تصل إليه فتسأله عن ذلك الأمر، فهذا مما يحافظ على الأخوة. وإن لم تتصل به، فهلا ربنا سبحانه وتعالى قد يسر لنا، إن لم نقدر على اللقاء الجسد ولقاء الأجساد، فقد جعل الله عز وجل لنا ما يقرب البعيد: هذه الآلات وهذه الأجهزة، ولله الحمد، وهي تقرب البعيد، ولكن هي أيضاً قد بعدت شيئاً ما القريب. ولكن تستطيع أن تسأل عن أخيك، وتسأل إذا بلغك عن أخيك، ولله الحمد والمنة». فهذا مما يحافظ على الأخوة. حافظوا على الأخوة أيها الكرماء، لتنالوا مجامر الألوة غداً في جنات الله سبحانه وتعالى، إخواناً على سرر متقابلين. ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾. ذكرنا الله بأخوتنا في الدنيا، أخوتنا يوم ندخل جنة الله، إخواناً على سرر متقابلين، ونزعنا ما في صدورهم من غل. فلذلك الجنة طيبة، فتحتاج إلى الأنفس الطيبة، وتحتاج إلى الصدق في الأقوال والأفعال، وتحتاج منا إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فاصدقوا الله في أخوتكم، واصدقوا الله في دعوتكم، واصدقوا الله عز وجل فيما أمركم وفيما نهاكم سبحانه وتعالى. نسأل الله عز وجل لنا ولكم حسن الحال وحسن المآل، وأن يجعلنا وإياكم ممن يريدون وجهه سبحانه وتعالى. أسأل الله أن يحفظ علينا ديننا ودعوتنا وأخوتنا، وأن يبارك فيكم وفي جهودكم، وفي الإخوة القائمين على هذا الاجتماع. فأنعم وأكرم به من لقاء سنوي ولقاء أخوي. نسأل الله عز وجل أن يبارك فيه، وفي الإخوة القائمين عليه، وفي الحاضرين جميعاً. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.