الدرس في كتاب الاستغفار 4، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض هذا الباب نعيم الجنة الذي يفوق التصور البشري ولا يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء، مؤكداً معتقد أهل السنة بأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. وتدل آيات سورة الحجر على أن المتقين ينعمون في جنات وعيون بسلام دائم بلا نصب ولا خوف ولا خروج.
تصف الآيات القرآنية الجنة بأنها دار سلام يدخلها الملائكة بالتحية، وتطهر قلوب أهلها من الغل والحسد ليصبحوا إخواناً على سرر متقابلين. وينعم أهلها بأزواجهم وصحاف الذهب وأكواب الشراب وما تشتهي الأنفس، ولهم لباس الحرير خالدين فيها برحمة الله وعمل الصالحات.
يستعرض المقطع أوصاف نعيم الجنة من لباس حرير وأزواج وأمن من الموت والنار، مبيناً أن أعظم نعيم هو النظر إلى وجه الله الكريم. كما يحذر من التنافس على الدنيا الفانية ويحث على التنافس في أعمال الآخرة لنيل الدرجات العلى والفردوس الأعلى.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر. ويشكل هذا الختام نهاية الجلسة العلمية المباركة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع أحاديث رياض الصالحين، وما ختم به الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى هذا الكتاب القيم. وكنا فيما مضى تكلمنا حول كتاب المنثورات والملح، وهكذا بعده تكلمنا حول كتاب الاستغفار. وذكر رحمه الله تعالى في باب الأمر بالاستغفار وفضله جملة من الآيات القرآنية الكريمة، وهكذا مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة. ثم ختم هذا وذاك بباب عظيم، ألا وهو باب بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة. باب ما أعد الله، أو بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة. وماذا أعد الله عز وجل للمؤمنين في الجنة؟ أعد لهم جنات ونعيماً، أعد لهم فضلاً منه ورحمة، أعد الله لهم رضواناً لا يسخط عليهم بعده أبداً. وكما قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي ما تقر به العيون وترتاح وتعيش في سعادة، جزاء بما كانوا يعملون. وفي الحديث القدسي، حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي سيأتي معنا الإشارة إليه، قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين» أي في الجنة «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». مهما تخيلت ومهما توقعت وظننت من النعيم الذي سيجده المؤمن في الجنة، فإن ما عند الله عز وجل أعظم، وما عند الله عز وجل أفضل. وليس هناك شبه بين نعيم الدنيا ونعيم الجنة إلا في شيء واحد، فما هو يا أبا عبد الرحمن؟ الاسم: تفاح في الدنيا وتفاح في الجنة، فهل هما متشابهان في اللون أو في الشكل أو في الريح أو في الطعم أو في غيرها؟ الجواب: لا، ولا خطر على قلب بشر. وإنما التشابه كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما يكون في الاسم. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لهذا النعيم، وأن يرزقنا أجمعين الفردوس الأعلى. قال رحمه الله تعالى: «باب بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة، وأعد الله للمؤمنين في الجنة». وهذا فيه إشارة إلى معتقد أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، خلافاً لما ذهب إليه المعتزلة ومن قال بقولهم. قالوا: وجود الجنة والنار الآن عبث، ما هي الفائدة؟ وآيات القرآن وأحاديث السنة تدل على أنهما مخلوقتان موجودتان الآن. الجنة أعدت وزينت للمتقين، والنار أعدت وجهزت للكافرين. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. أرأيتم هذا الخير وهذا النعيم الذي وعد الله به المتقين المؤمنين؟ قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، جنات وعيون. وأخبر ربنا عز وجل عن حال أهل الجنة أنهم يعيشون في أمان وسلام، قال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾. ليس فيها خوف، وليس فيها قلق، وليس فيها هم، وليس فيها غم، ليس فيها حروب، وليس فيها مشاكل، وليس فيها نزاعات، وليس فيها أمراض. إذن هي دار السلام، دار السلام، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. وأخبر ربنا عز وجل عن نعيم يكرم به أهل الجنة، أنه ينزع ما في الصدور من الأحقاد والغل والبغضاء والكراهية والحسد. هذه كلها يا إخوان أمراض تكدر عيش صاحبها، وليس في الجنة كدر، تنغص على حياة صاحبها، وليس في الجنة ما ينغص على أهلها. قال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، وبسبب ذلك أصبحوا ماذا؟ قال: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾، ما هو النصب يا أبا طاهر؟ ما هو النصب؟ طيب، لأجل هذا أنا سألت يا أبا أحمد: ما هو النصب؟ التعب. ما في تعب في الجنة، ما في تعب في الجنة. ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. هذا يا إخوان من تمام النعيم، الواحد مهما تنعم في الدنيا، ومهما عاش في خير الدنيا، يخاف من ماذا؟ يخاف من زواله، ويخاف من انتقاله. الله عز وجل طمأن أهل الجنة أنهم ما سيخرجون من هذا النعيم ومن هذه الدار، قال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. وكما في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، لا يتحولون منها إلى حال آخر. وقال: ﴿وَقَالَ تَعَالَى يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. لا خوف عليكم، الخوف في الغالب يكون من ماذا؟ من المستقبل الذي سيقدم عليه الإنسان. إذن أنتم عند خروجكم من هذه الدنيا، مروراً بالدار والحياة البرزخية، لا تخافون، فما ينتظركم خير مما فاتكم، مما فاتكم. ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، أي على ما خلفتم في الدنيا. خرجت من الدنيا وتركت زوجة، لا تحزن، الله عز وجل سيخلفك بخير فيها. تركت أولاداً، تركت مالاً، إلى غير ذلك، لا تحزن. قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. ما هو جزاؤهم؟ ما هو المستقبل الذي ينتظرهم؟ قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾. أنتم وأزواجكم، والأزواج يطلق على الزوجة، على الزوجة الحقيقية، ويطلق في بعض المواضع على الأمثال والأشباه. قال: وهذا مما يؤيد أنها الزوجة الحقيقية، قوله عز وجل: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وما أجمل هذا يا إخوان، ما أجمل هذا حين أن يتمعن فيه المسلم، ينسى كدر الدنيا وتعب الدنيا ونصب الدنيا، ويشتاق يا إخوان إلى ما عند الله عز وجل من النعيم المقيم. قال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، أي كان السبب في دخولكم ونيلكم لها هو ما كنتم تعملون من الأعمال الصالحة الطيبة. وليست أعمالكم مقابل هذا النعيم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «سددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدكم لن يدخل الجنة بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». إذن الجنة ليست مقابل الأعمال، وإنما الأعمال هي سبب في دخول الجنة. قال سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، ثم بين ذلك المقام الأمين، قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. السندس والإستبرق كلاهما من أنواع الحرير الذي هو لباس أهل الجنة. لباس أهل الجنة، غير أن الفارق بينهما أن أحدهما من غليظ الحرير والآخر من رقيقه. قال: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. ﴿زَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾، هؤلاء هن أزواج أهل الجنة، هؤلاء هن أزواج أهل الجنة. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، أي التي خرجوا بسببها من هذه الدنيا إلى الحياة البرزخية. ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. وهذا يا إخوان من أعظم ما يوفق الله له أهل الإيمان، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فتدخل الجنة وتسلم من النار والجحيم، آذى من أعظم ما يكرم الله به أهل الجنة. قال: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. على الأرائك، أي على السرر، ينظرون. قيل: إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون قيل: إلى وجه الله الكريم والعظيم سبحانه وتعالى. وما أعطي أهل الجنة عطاءً ولا نعيمًا ألد من ماذا يا إخوان؟ ألد من ماذا؟ نعم يا خان النجيب، ألد من ماذا؟ أعظم نعيم يعطيه الله أهل الجنة ما هو؟ أعظم شيء، هل هو الشراب أم اللباس أم الأكل أم السرر أم الزوجات؟ أم هناك شيء آخر؟ أحسنت. أعظم نعيم يعطيه الله أهل الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى. قال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. تعرف في وجوههم نظرة النعيم، أي أثر الراحة والنعيم الذي يجدونه في الجنة عند الله عز وجل. قال: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، آخر شيء فيه، الذي قد نسكبه في الدنيا ونلقيه خارجاً. قال: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ * وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. المصيبة اليوم التنافس الأكبر على أمور الدنيا، على تجارات، على زوجات، على مناصب ووظائف، على غيرها مما يفنى ويبلى، وقد يكون ماذا؟ قد يكون وبالاً على صاحبه. فالنعيم الذي يجده الإنسان في الدنيا، فحلاله حسابه، وحرامه عقاب عند الله تبارك وتعالى. قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. وينبغي أن نعلم أمراً يا إخوان، ألا وهو أن الشخص إذا دخل الجنة ليس هذا هو انتهاء الأمر، وإنما حين يرفع بصره عالياً فيرى أهل الغرف، ويرى من فوقه في الدرجات، هنا يتمنى أن لو اجتهد وعمل كي ينال مثلهم، بل أعلى منهم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض. وأخبر أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء. فما أعظم هذا الفضل، وما أعظم هذا النعيم. قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾، ولاحظ الإشارة، ﴿فِي ذَلِكَ﴾ تعود إلى النعيم الذي سبق ذكره. قال: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. فهذه، هذه مجموعة من الآيات التي استفتح بها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب العظيم من أبواب هذا الكتاب، وهو آخر أبواب كتاب رياض الصالحين، وذلك لكي ماذا؟ تعلو الهمم، وهكذا يشمر المسلم عن ساعدي الجد لكي ينال هذا الخير، ولا يضيعه بسبب لذة فانية وشهوة زائلة. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقني وإياكم لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يجمعنا في الجنة إخواناً على سرر متقابلين. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر