الدرس في كتاب الاستغفار 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع حديث جابر رضي الله عنه عن صفات أهل الجنة في الأكل والشرب دون احتياج لقضاء حاجة، حيث يكون طعامهم جشاءً كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس بلا تكلف. كما يورد الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الله أعد لعباده الصالحين في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
يوضح المقطع أن نعيم الجنة الحقيقي لا يعلمه إلا الله ولم يطلع عليه بشر، مما يشوق المؤمنين للعمل لدخولها. ثم يستعرض فضائل الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، وكنيته واسمه، ومكانته في حفظ الحديث، واجتهاده الشديد في طلب العلم بصبر على الجوع والتعب، ودعاء النبي صلى الله له بالحفظ، ويختتم بحديث أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر.
يشرح المقطع حديثاً يصف أول زمرة تدخل الجنة بأنهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبولون ولا يتغوطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، أزواجهم الحور العين، وعلى خلق أبيهم آدم ستون ذراعاً. وتضيف رواية أخرى أن آنيتهم الذهب، ولكل منهم زوجتان، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشية.
يختتم المتحدث المجلس بدعاء أن يجعل الله الحاضرين من أهل الجنة ويمنحهم الفردوس الأعلى، وأن يجمعهم فيها إخواناً على سرر متقابلين. ثم يصلي على النبي محمد ويحمده الله، مؤكداً أن الله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع باب بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة، وهو ضمن أبواب كتاب الاستغفار الذي ختم به الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى كتابه القيم رياض الصالحين. وسبق معنا الكلام حول الآيات القرآنية التي صدر بها رحمه الله تعالى هذا الباب، وفيها بيان لما أعد الله عز وجل للمؤمنين في الجنة من النعيم المقيم. ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من الأحاديث النبوية في هذا الباب، قال رحمه الله تعالى: قال، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس». قال: رواه مسلم. رواه مسلم. وهذا الحديث كما هو ظاهر فيه بيان لبعض النعيم الذي يعطيه الله عز وجل لأهل الجنة، فهم يأكلون ويشربون. ومن أكل أو شرب في الدنيا احتاج إلى ماذا؟ احتاج إلى أن يقضي حاجته ويخرج من الفضلات، وهكذا أيضاً من البول، ويخرج منه العرق، ويخرج منه المخاط وغير ذلك، وهذا كله مما يحتاجه الإنسان في الدنيا. أما في الآخرة فليس فيها من هذه الأمور شيء، ولهذا قال: «ولا يتغوطون»، أي لا يذهبون إلى الغائط لكي يقضوا الحاجة. وقال: «ولا يمتخطون»، أي لا يسيل شيء من أنوفهم كما يحصل للإنسان في الدنيا. وقال: «ولا يبولون»، وهذه أمور إذا لم تتحصل للإنسان في الدنيا هلك وتضرر، وأما في الآخرة فإنه لا يقع شيء منها ولا يتضرر صاحبها. قال: «ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك»، يعني يخرج من هذه النسمات كرشح المسك في ريحه الطيب. قال: «يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس»، ومعنى ذلك أنهم يأتون بالذكر من التسبيح والتهليل والتكبير وغيره من غير تكلف، كما يتنفس أحدهم اليوم. لو قيل لأحدنا: خذ نفساً، فهل يتكلف في ذلك؟ الجواب: لا، وإنما يشعر بمزيد من الراحة. وهكذا أهل الجنة، فهم في دار جزاء لا دار عمل، وهذه الأعمال الطيبة الصالحة لا يتكلفونها، وإنما يلهمونها من غير مشقة ولا كلفة. وهذا فيه يا إخوان كذلك أيضاً أن نعيم الجنة دائم وليس بمقطع. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى»، قلنا: هذا يدل على أن الحديث يا أخانا عبيد ماذا يسمى؟ قدسي. والحديث القدسي ماذا؟ كما ذكر كثير من أهل العلم: ألفاظه من النبي صلى الله عليه وسلم ومعانيه من الله تعالى، وقيل: اللفظ والمعنى كلاهما من الله عز وجل. قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين» أي في الجنة «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: متفق عليه. وهذا فيه يا إخوان أن الله تبارك وتعالى لم يطلع عباده في الكتاب والسنة على الأشياء والنعيم الذي يكون في الجنة على الحقيقة التي يكون عليها في الجنة. أخبرنا ربنا عز وجل عن أنهار الجنة: أنهار من لبن، وأنهار من عسل، وأنهار من خمر، وأنهار من ماء غير آسن. تخيل أو لا تتخيل، لن تصل إلى حقيقة ذلكم النعيم الذي أعده الله عز وجل لأهل الجنة، ولا خطر على قلب بشر. وهكذا قل في الطعام وغيره، اللباس وغيرها من ذلكم النعيم. وهذا يا إخوان مما يشوق المؤمنين إلى ذلكم النعيم، ويعملوا لكي يكونوا من أهل تلكم الدار العظيمة، الدار العظيمة. قال رحمه الله تعالى: وعنه - الضمير يعود إلى من؟ وعنه يا أبا العباس: النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قال: «وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». فهل ممكن أن يعود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا شهاب الدين؟ نعم، إلى أبي هريرة. ما اسمه؟ ما اسمه؟ نعم يا أبا أحمد، ما اسمه؟ طيب، ما كنيته؟ أحسنت. ما كنية أبي هريرة يا أبا تميم؟ ما كنية أبي هريرة يا أبا تميم؟ ما كنية أبي هريرة؟ وإلا فعكاشة خلفك. نعم، عكاشة، ما كنية أبي هريرة؟ أبو هريرة كنيته أبو هريرة، وما اسمه؟ نعم، على المشهور عند أهل العلم أنه عبد الله، أو أنه عبد الرحمن بن صخر. اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولاً، ذكرها الإمام الحاكم في كتابه المعرفة، معرفة علوم الحديث، وهكذا ذكر جملة منها غيره من أهل العلم. قال: ويلقب بحافظ الصحابة، أكثر الصحابة رواية للحديث، أبو هريرة الدوسي اليماني. وكما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: قال: والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، ذروتهم أبو هريرة. يا أبا محمد، نال أبو هريرة هذا الخير في حفظ الحديث بأمور، من أهمها أمران، ما هما؟ نعم، بالجد والمصابرة على طلب العلم، على طلب العلم. ولهذا في صحيح البخاري قال أبو هريرة: يقولون أكثر أبو هريرة، أي من رواية الحديث، قال: والله الموعد، والله الموعد. فقد كان يشغل إخواني المهاجرين الصفقة بالأسواق، بيع وشراء، ويشغل إخواني الأنصار حدائقهم ومزارعهم، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، على ملء بطني، يعني يصبر على الجوع، يصبر على التعب في سبيل طلب العلم والمثابرة. وهذه من الدروس العظيمة يا إخوان، فأبو هريرة يعتبر مثالاً ونموذجاً لطالب العلم المجتهد، لطالب العلم الصابر على الجوع، على الحر، على البرد، على غيرها من الأمور. فالصبر من الأمور المعينة لطالب العلم أن ينال العلم. والأمر الآخر؟ نعم يا باب عبد الرحمن: دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له أن ماذا؟ نعم، أن يحفظ ما يسمع من حديثه عليه الصلاة والسلام. قال: وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر». على صورة القمر ليلة البدر. وقوله: «أول زمرة»، يا أبا مصطفى ما هي الزمرة؟ وسُيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً، وهذه زمرة واحدة، فما هو المقصود بأول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر؟ ما هي الزمرة؟ نعم، ما هي الزمرة؟ مرحبا بك يا أبا الصديق تفضل. الجماعة، أحسنتم. الزمرة هي الجماعة. وقوله: «على صورة القمر ليلة البدر»، ليلة البدر أي ليلة اكتماله، ويكمل القمر فيكون بدراً في أي الليالي؟ نعم يا ذا أحمد، مكتملاً. وفي الرابعة عشر كيف حاله؟ متقارب، نعم أحسنت. نعم، إذن الرابع عشر والخامس عشر، أحسنتم، يكونوا بدراً، يكونوا بدراً، ومعنى بدراً أي مكتملاً، أي مكتملاً. قال: «ثم الذين يلونهم» أي في الدرجة والمنزلة، قال: «على أي» على صورة أشد كوكب دري في السماء إضاءة، والكوكب الدري هو النجم الشديد الإضاءة. أنت حين تنظر إلى السماء فترى النجوم، فيختلف إضاءتها، بعضها شديد الإضاءة وبعضها دون ذلك. قال: «لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون»، وهذا كما سبق لكمال حسنهم وكمال خلقهم الذي يكون في الجنة، الذي يكون في الجنة. قال: «أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، عود الطيب، عود الطيب، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على خلق رجل واحد». ضمير يعود إلى من؟ على خلق رجل واحد يا أبا يحيى: الحور أم أهل الجنة؟ أعيد. طيب. قال: «ومجامرهم الألوة، عود الطيب، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد». من المعني على خلق رجل واحد؟ أكمل الحديث. قال: «على صورة أبيهم آدم، آدم ستون ذراعاً في السماء». متفق عليه. أهل الجنة، أهل الجنة على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم. وهذا فيه فائدة يا إخوان أن خلق آدم جميل وعظيم. وعقد بعض العلماء مقارنة: أيهما أجمل، آدم أم يوسف؟ استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن خلق آدم أحسن من خلق يوسف عليهما الصلاة والسلام، لأن أهل الجنة على صورة أبيهم آدم. قال: «ستون ذراعاً في السماء». ما هو الذراع يا أبا محمد؟ نعم، ما بين طرف الأصابع إلى المرفق، هذا ذراع. تخيل ستون ذراعاً إلى أين يصل. وهذا يدلنا على أن الخلق الأول كان أعظم، كان أعظم. وهكذا جاء بعد آدم قوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم. ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخرة بالواد، وفرعون ذي الأوتاد الآيات. وانظروا إلى الخلق كيف يتناقص، كيف يتناقص. قال: وفي رواية للبخاري ومسلم: «آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشية، بكرة وعشية». وهذا فيه الإخبار عن بعض النعيم الذي أعده الله عز وجل للمؤمنين في الجنة، والحديث له تتمة. أسأل المولى عز وجل أن يجعلني وإياكم جميعاً من أهل الجنة، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى، وكما جمعنا في هذا المجلس المبارك أن يجمعنا في الجنة إخواناً على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.