الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 57، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع باب قصر الصلاة في السفر من عمدة الأحكام، مبيناً أن القصر يختص بالصلوات الرباعية بإجماع العلماء. ويستعرض حديث ابن عمر عن التزام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بالركعتين في السفر مع ذكر الاحتمالين في معنى "لا يزيد على ركعتين".
يناقش المقطع حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر مبيناً أنه رخصة ثابتة لم تُنسخ، مع ترجيح قول الجمهور بالاستحباب. كما يتناول مسافة السفر المعتبرة العرفية وأحكام النوافل للمسافر، ثم يفتتح باب الجمعة موضحاً فضائل يوم الجمعة وحديث سهل بن سعد في تماري الصحابة حول منبر النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح المقطع حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن نزول النبي ﷺ القهقرى من المنبر للسجود، مبيناً أن هذا اللفظ من أفراد مسلم. ويستعرض توجيه العلماء لإيراد البخاري لهذا الحديث في باب الجمعة لارتباطه بالمنبر، مع التنبيه على فقه سهل بن سعد في تحويل السائلين من السؤال عن نوع خشب المنبر إلى تعلم صفة الصلاة.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه. ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بباب من أبواب كتاب الصلاة من عمدة الأحكام للإمام أبي محمد عبد الغني -أو عبد الغني- المقدسي رحمه الله تعالى، ألا وهو باب الجمع بين الصلاتين في السفر. حديثنا في هذه الليلة حول باب آخر يتعلق بكتاب الصلاة. قال رحمه الله تعالى: «باب قصر الصلاة في السفر». قال رحمه الله تعالى: «باب قصر الصلاة في السفر». وقوله رحمه الله تعالى: «قصر الصلاة في السفر» في الصلاة الرباعية، والصلوات الرباعية هي الظهر والعصر والعشاء، فهذه تقصر إلى ركعتين. وقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، وهكذا نقل غيره، الإجماع على أنه لا قصر في المغرب والفجر؛ المغرب والفجر لا قصر فيهما، هذا بإجماع أهل العلم. والسفر كما سبق معنا: المقصود به مفارقة محل الإقامة على وجه يسمى سفراً. والرخصة للمسافر بأن يقصر الصلاة -آذى يا إخوان- كما هو ظاهر من رحمة الله عز وجل بعباده وتيسيره عليهم، لأن السفر هو مظنة حصول المشقة والتعب، وعناء الطريق، وبعد المسافات، إلى غير ذلك. ولهذا جاء التخفيف من ربنا تبارك وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب حديثاً واحداً، قال رحمه الله تعالى: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك». كذلك، أي أنهم كانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين. وهذا الحديث يتعلق ببيان حكم الصلاة في السفر. وقول ابن عمر: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم»، هذا يا إخوان فيه منقبة لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، وصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على العمل بما عمله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «فكان» أي النبي صلى الله عليه وسلم «لا يزيد في السفر على ركعتين». «فكان لا يزيد»، نفى الزيادة، ونفي الزيادة على الركعتين يحتمل أمرين اثنين: الأمر الأول: يحتمل بيان أنه عليه الصلاة والسلام لم يصلِّ أربعاً، وإنما صلى ركعتين. هذا هو الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني: في قوله: «فكان لا يزيد في السفر على ركعتين» يحتمل أنه أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنفل قبلها ولا بعدها. «من يعيد، من يعيد الاحتمالين؟ نعم، عند من؟ واحد، اثنان. من يعيد الاحتمالين؟ تعيد يا أبا شهاب الدين». قوله: «فكان لا يزيد في السفر على ركعتين»، قلنا: نفي الزيادة على ركعتين يحتمل أمرين. يا أبا الحسن: واحد، لم يصلِّ... لم يصلِّ إلا ركعتين، يعني نفى أنه صلى كم؟ أربعاً. هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني: معنى... يا أبا عبد الله، يا أبا معاد، معنى الاحتمال الثاني: نفى... نعم، أنه يعني ماذا؟ لم يصلِّ نافلة، لا قبلها ولا... ولا بعدها. «قال: وأبو بكر» أي كذلك، «وعمر» أي كذلك، «وعثمان». يظهر من قوله: «وعثمان كذلك» أن عثمان رضي الله تعالى عنه ماذا؟ استمر على ذلك، استمر على ذلك. والصحيح يا إخوان أن عثمان في صدر خلافته كان يصلي ركعتين، ولا سيما إذا جاء إلى... إلى ميناء في موسم الحج كان يصلي ركعتين، كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر. ثم بعد ذلك أتم عثمان، يعني: بدلاً من أنه صلى ركعتين أصبح يصلي أربعاً. قال ابن عمر: «صليته مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدراً». ماذا معنى «صدراً»؟ يعني في أول الأمر، «صدراً» يعني فترة من الزمن في أول خلافته. قال: «صدراً من خلافته، من إمارته، ثم أتمها»، أي صلى أربعاً. وعثمان اجتهد وتأول فأتم الصلاة بمنى أربعاً، وأنكر ذلك ابن مسعود وغيره، وكان ابن مسعود يقول: «لو أن لي من هذه الأربع ركعتين متقبلتين». لكن لما جاء يصلي مع عثمان صلى أربعاً. ومن صلى ركعتين... فسئل ابن مسعود: لماذا تصلي أربعاً وأنت تقول كذا وكذا وكذا؟ قال كلمة عظيمة يا إخوان، تعتبر مبراساً ومثالاً: «الخلاف شر». قال: «الخلاف شر». فهذا يدل على عمق فقه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وفائدة ذكر أبي بكر وعمر وعثمان هاهنا: فيه بيان إلى أن الحكم باقٍ لم يُنسخ، أن الحكم باقٍ، ألا وهو قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين، لم يُنسخ. ومما يدل على أنه لم يُنسخ: أن الخلفاء من بعده كذلكم أيضاً قصروا الصلاة بعده عليه الصلاة والسلام، قصروا الصلاة بعده عليه الصلاة والسلام. والقصر للصلاة في السفر هذا رخصة، والرخصة عند الأصوليين يعرفونها بقولهم: «الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، على خلاف الدليل لعذر». ومن أهم مسائل هذا الباب: قصر الصلاة للمسافر، هل هو على سبيل الوجوب أم أنه على سبيل الاستحباب؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى الوجوب، قالوا: واجب على المسافر إذا صلى الرباعية أن يقصرها إلى ركعتين. قالوا: لفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهكذا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر» أي على ركعتين، «وزيد في صلاة الحضر، وزيد في صلاة الحضر». وهذا هو قول أبي حنيفة والثوري وغيرهما. والذي عليه الجمهور من أهل العلم: هو أن القصر للصلاة في حق المسافر إنما هو على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب. هي رخصة... ماذا؟ من الله بها على من سافر من أهل الإسلام، على من سافر من أهل الإسلام. واستدلوا على أنه مباح... على أنه يعني ليس واجباً، وإنما هو رخصة، بما جاء من فعل الصحابة كعائشة، وهكذا أيضاً فعل عثمان رضي الله تعالى عنهم، أنهم أتموا وهم على سفر، وهم على سفر. وقول الجمهور يا إخوان أقرب، والله تعالى أعلم. قول الجمهور هاهنا هو الأقرب إلى الصواب. وينبغي على المسافر أن يحرص على العمل بهذه السنة، العمل بهذه السنة. وأما بالنسبة لمسافة القصر، فكما سبق معنا أنه لم يأتِ دليل يحدد هذه المسافة. وإذا لم يأتِ تحديدها في الكتاب أو السنة، فقلنا: يرجع إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أنه... أنه سفر، فيعطى أحكام السفر، وما تعارف على أنه ليس بسفر، فلا يعطى أحكام السفر. وإذا حصل الاختلاف في العرف، هذا يقول سفر، هذا يقول ليس بسفر، ممكن يرجع إلى المسافة التي حددها بعض العلماء بما يزيد على الثمانين كيلو، على الثمانين كيلو. وأيضاً من المسائل التي ممكن أن تطرق في هذا الباب: صلاة النوافل بالنسبة للمسافر. الأصل يا إخوان أن النوافل التي هي الرواتب، كنافلة قبل الظهر وبعده، وهكذا أيضاً بعد المغرب وبعد العشاء، فهذه لم يأتِ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها. لكن كصلاة الضحى، وركعتين قبل صلاة الفجر، وهكذا قيام الليل والوتر، هذا جاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاها، فينبغي ماذا؟ أن يحرص على صلاتها. قال رحمه الله تعالى: «باب الجمعة». «باب الجمعة»، أي هذا مدخل لدراسة أحاديث تتعلق بأحكام صلاة الجمعة، أحكام صلاة الجمعة. والجمعة من الجمع، قيل سُمِّي بذلك لأن الله تعالى جمع فيه من الأمور الكونية والشرعية ما لم يجمعه في غيره. ففي يوم الجمعة يا إخوان: كمل خلق السماوات والأرض، وهكذا خلق آدم، وهكذا تقوم الساعة، ويبعث الناس، وهكذا فيه هذه الصلاة العظيمة، ألا وهي صلاة الجمعة، التي يجتمع الناس عليها، يجتمع الناس عليها. قال رحمه الله تعالى: «عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه». في بعض النسخ لم يذكر هذا الحديث، وفي بعضها ذكر أن حديث سهل بن سعد هذا هو أول أحاديث باب الجمعة، باب الجمعة. قال: «عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رجالاً تماروا في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أي عود هو؟ من أي عود هو؟ من أي عود هو؟» فقال سهل: «من طرف الغابة، من طرف الغابة». والتماري يا إخوان هو التجادل، هو التجادل في أمر ما. وهذا التماري الذي حصل بينهم في منبر النبي صلى الله عليه وسلم: من أي عود هو؟ فأجاب سهل بن سعد بجواب الحكيم، أتى بما يريدون الجواب عنه وزادهم، وهذا يسمى يا إخوان «جواب الحكيم». فقال: «من طرف الغابة، من طرف الغابة». وقوله: «من طرف الغابة» يعني طرف... هذا نوع من أنواع الأشجار، قيل هو الإثل، وقيل: السَّبْط. وأما الغابة فيطلق على الشجر الملتف، الشجر الملتف يقال له غابة. والمراد به هاهنا موضع يقع في عوالي المدينة، في عوالي المدينة، ويكثر فيه هذا النوع من أنواع الأشجار. وقوله: «أن رجالاً تماروا» إلى قوله: «من طرف الغابة»... ماذا؟ إلى قوله: «من طرف الغابة»... آذى... زيادة في بعض نسخ العمدة، وفي بعضها بُدِئ الحديث بقوله: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام، فكبر». قال رحمه الله تعالى: «قال: وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فكبر، وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر، وهو على المنبر. قال: ثم ركع، فنزل القهقرى، فنزل القهقرى». ما هو المقصود بالقهقرى؟ قال: «ثم ركع، فنزل القهقرى». ما هو القهقرى؟ نعم يا بس... صديق: إلى الوراء أو إلى الأمام؟ أحسنت. نعم، إلى... يعني القهقرى يطلق على المشي إلى الخلف، المشي إلى الخلف من غير التفات إلى مكان رجوعه، من غير التفات إلى مكان الرجوع. قالوا: رجع القهقرى. «حتى سجد في أصل المنبر»، حتى سجد في أصل المنبر، أي أسفل درجة منه. «قال: ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته». وقوله: «ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته»، هذه القطعة يا إخوان من أفراد مسلم، ولم يخرجها البخاري، ولم يخرجها البخاري، كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم، كالصنعاني في حاشيته، وهكذا الزركشي كما في النكت، كما في النكت. «قال: ثم أقبل على الناس فقال: ثم أقبل على الناس فقال»، أي النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي، ولتعلموا صلاتي». «قال: وفي لفظ: صلى عليها، ثم كبر عليها، ثم رفع وهو عليها، فنزل القهقرى، فنزل القهقرى». ولاحظوا يا إخوان إلى جواب سهل بن سعد: القوم يتساءلون ويتمارون في نوع العود، العود الذي منه منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يسميه العلماء «ملحاً»، يعني أشياء ليست مهمة. «من أي عود» ليس من المهم، فنقلهم من الملح إلى أين؟ إلى العلم الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم. وهكذا يفعل المدرس: يأخذ الطالب من الملح وينقله إلى ماذا؟ لربما إلى مسألة في صميم الاعتقاد، أو من مسائل الفقه المهمة، وهكذا. وماذا بالنسبة لما يتعلق بهذا الحديث؟ حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قد يتعجب الشخص من كونه أورده في ماذا؟ في باب الجمعة. ولهذا ذكر ابن الملق رحمه الله تعالى أن الأنسب أن يذكر هذا في أي باب مناسب، أن يذكر هذا في أي باب؟ يا أبا عبد الرحمن: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، في أي باب؟ في كتاب الصلاة... ما سنخرج... لكن في باب... في باب أرفع... في باب آت... يا أبا ناظم: في باب... أنا قلت هكذا في باب... واضح جداً يعني السجود... آية... أبا سالم: في باب «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»، وقد حضر الإمام... يا أبا حذيفة: في باب الإمامة. أحسنتم، في باب الإمامة. لكن لماذا ذكره في باب الجمعة؟ لماذا ذكره في باب الجمعة؟ نعم يا أبا أحمد... ومن أي... نتيت بهذا وهو يخطب... يصلي ما يخطب، كان يصلي على المنبر، ما كان يخطب... خطبت... خطبت... ما شاء الله، زادك الله استنباطاً وفقهاً، صلى الله يبارك أبا عبد الله... والإمامة... طيب، لماذا ذكره في باب الجمعة؟ أحسنت: لمناسبة ذكر المنبر الذي... ماذا؟ يخطب عليه. لماذا وضع المنبر؟ من أجل أن يخطب عليه يوم الجمعة. وكذلكم أيضاً ذكر ابن الملق أمراً آخر، ألا وهو: تعليم الصلاة، والتعليم في الجمعة أبلغ من ماذا؟ التعليم في غيرها من الصلوات الأخرى، لأن الجمعة يحضرها لربما من لا يحضر الصلوات الأخرى. إذن الذي يحفظ إن شاء الله حديثين: حديث ابن عمر في قصر الصلاة للمسافر، والحديث الأول في باب الجمعة، حديث سهل بن سعد. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.