شرح المنظومة الدالية في السنة 1

الدرس في شرح المنظومة الدالية في السنة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أهمية الاعتقاد الصحيح

يبدأ الشيخ بمنظومة أبي الخطاب الكلوداني الدالية في السنة، مشيرًا إلى أهمية الابتعاد عن الدنيا والتركيز على الاعتقاد الصحيح على نهج الإمام أحمد بن حنبل. ويبين أهمية اتباع السلف في العقيدة.

منهج الإمام الأشعري واهتمامه بمذهب الإمام أحمد

يشرح المقطع منهج الإمام الأشعري في كتاب الإبانة، حيث يتبنى مذهب الإمام أحمد ويحذر من اتباع أهل البدع، ويبين أن بعض الأئمة قد يخالفون مذهب أحمد دون قصد.

صفات طلبة العلم وحرصهم على المعرفة

يصف الشيخ طلبة العلم بصفات حميدة مثل الحرص على العلم وسهر الليالي لدراسته، ويضرب أمثلة من حياة السلف الصالح، ويشرح معنى التسابق إلى العلا والسعد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يومًا، ولا ما بعده، فإن شاء الله تعالى نبدأ في دراسة هذه المنظومة، منظومة أبي الخطاب الكلوداني، رحمه الله. وهذه القصيدة، وهذه المنظومة لم يذكر لها اسمًا معينًا، وإنما وجدت هكذا. فتجد بعض العلماء يأتي لها باسم؛ مثلا الدالية في السنة؛ لأنها بقافية الدال. ومنهم من يسميها؛ مثلا عقيدة أهل السنة والجماعة، مثل الشيخ صالح البليهي في "عقيدة المسلمين" سماها "عقيدة أهل السنة والجماعة". لكن اشتهرت بالمنظومة الدالية في السنة. وهذا مؤلفها أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوداني، رحمه الله، وهو بغدادي، وهو أحد شيوخ الحنابلة، وهو من تلاميذ بيعلَى الفراء، قاضي الحنابلة. لكنه صار مثلهم ممن يختار في اجتهاده، كالقاضي أبي يعلى. وله كتب مشهورة، مثل "التمهيد في وصول الفقه"، وهو من الكتب المشهورة. وأيضًا له كتب في الفقه. وهذه المنظومة قد اشتهرت عند كثير من طلبة العلم، وهي منظومة ليست بالطويلة، وإنما تكون متوسطة، أبياتها ثلاثة وأربعون بيتًا. وذكر فيها مقدمة، ومن ثم دخل في بعض الاعتقادات. وكأنها نصيحة قدمها لبعض إخوانه، أو بعض تلاميذه، أو طلب منه نصيحة في شيء فذكرها؛ لأن فيها مقدمة في بعض الأمور التي تشغل عن العلم، تشغل عن الاعتقاد الصحيح. ثم ذكر بعد ذلك الاعتقاد الصحيح، فجعله في سؤال وجواب. طيب، فقال المؤلف، رحمه الله: "دعاك تذكار الخليط المنجدي، والشوق نحو الآنسات الخردي. وفي بعض النسخ: والسوق لنحو الآنسات الخردي. والنوح في أطلال سعدى، إنما تذكار سعدى شغل من لم يسعد". ذكر أولًا هذه الأبيات في التحذير من الانشغال بالنساء، أو بما يلهو به الإنسان في الدنيا. "دعاك تذكار الخليط المنجدي"؛ والخليط: المجموعة. والمنجدي: هو الذي يسير إلى نجد. كأنه متوجه إلى نجد. كأن الخليط: الركب المتجه إلى نجد، أو النازل نجد. ويقصد العرب بهذا الكلام: القوم الذين أمرهم واحد. الذين أمرهم واحد. فالمراد أنه لا تشغل نفسك بالتذكر بالأصحاب والخلان، وكذا، من هذه الأمور التي لا فائدة منها. فإن الإنسان إذا التقى بآخر، إن كان أكبر منه وأكثر منه علمًا، استفاد منه. وإن كان مثله، ذاكره في العلم. وإن كان أقل منه، فإنه يفيده. أو أيضًا كذلك يذاكره. فهذا الذي يحرص عليه المرء. أما أنه يحرص يتذكر هذه الأيام التي مرت، تلك الأيام التي التقى مع فلان وفلان، ويشغل نفسه بهذا، فهذا لا يفيده شيئًا. أيضًا تذكر النساء، والشوق نحو الآنسات الخردي، أيضًا تذكر النساء، وغيره مما يشغل. وقد أيضًا يؤديه إلى المعصية. فيقول: "دع هذه الأمور". قال: "والنوح في أطلال سعدى، إنما تذكار سعدى شغل من لم يسعد". حتى بلغ بعضهم أنه يبكي على الأطلال، يبكي على البيوت التي كانت فيها؛ مثلا عشيقته، أو كانت فيها؛ مثلا محبوبته، وهكذا. مثل ما جاء عن امرئ القيس وغيره. فيقول: هذه الأشياء ابتعد عنها، لا تنشغل بها، ابتعد عن هذه الأشياء؛ لأنها لا خير فيها، ولا منفعة فيها. فقال: "والنوح في أطلال سعدى، إنما تذكار سعدى شغل من لم يسعد". "واسمع مقالًا إن أردت تخلص يوم الحساب، وخذ بهدي تهتدي". فاسمع هذا الاعتقاد الصحيح الذي أعطيك إياه، والكلام الصحيح الذي أعطيك إياه، اسمعه واعه، وإفقه هذا الكلام، واهتدي بهذا. ومعنى "واسلك": هذه الطريق التي توصلك إلى مرضاة الله جل وعلا، وإلى جنات. فكأنه يريد أن ينصح لهذا الشخص أنه ابتعد عن ما يشغلك عن الله، ابتعد عن ما يشغلك عن طاعة الله، وتمسك بما أقوله لك، تمسك بما أقوله لك، وهذا الذي ينفعك، وهذا الذي ينفعك في يوم المعاد. وأما هذه الأشياء ما تنفعك، قد تضرك في ذلك اليوم الذي تريد أن تنفع فيه الحسنات. فتجد أشياء لا تنفعك، بل تضرك في ذلك اليوم. فلهذا قال له: "واسمع مقالًا إن أردت تخلص"؛ أي تتخلص مما يلهيك عن طاعة الله يوم الحساب. "وخذ بهدي تهتدي"؛ أي واقصد. "فإني قد قصدت موفقًا نهج بن حنبل الإمام الأوحدي، خير البرية بعد صحب محمد والتابعين، إمام كل موحد". كأنه يريد أن يمهد له مقدمة أولًا: اسمع هذا المقال، وانتهج. إذا أردت الفوز، وأردت النجاح، أولًا اجعل لك قدوة، اجعل لك قدوة في الخير. وهنا ذكر القدوة الإمام أحمد. والإمام أحمد، والظاهر أنه أراد الاعتقاد الذي كان عليه الإمام أحمد. وقد يكون أيضًا طريقة الاستدلال. وليس المراد التعصب للإمام أحمد، رحمه الله؛ لأن أبا الخطاب قد خالف أحمد في عدة. وهو أيضًا يعتبر من المجتهدين في المذهب، اجتهد، رحمه الله، في مذهب أحمد. فكانت له اختيارات وأقوال. فالظاهر كما قلنا أنه هنا أراد الاعتقاد. ولأن الناس تشعبت في ذلك الوقت، تشعبت الأقوال، تشعبت الآراء. ولا يدري الإنسان أين يذهب؛ لأن في هذا الوقت، في وقت أبي الخطاب الكلوداني، انتشرت الكلابية كثيرًا، انتشرت الكلابية؛ أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب. وأيضًا المعتزلة، أيضًا المعتزلة، انتشار كان أكثر. لكن الكلابية يمثلون السنة؛ معنى يظهرون للناس أنهم أهل سنة. وهذا الذي يحصل دائمًا في هذه التفرقات: يأتي؛ مثلا بعض الفرق الضالة، وينظر الناس إليها أنها على السنة؛ لأنها غالبًا تنبثق من السنة، أو أنهم يتشبهون بأهل السنة. فكان في ذلك الوقت عدو أهل السنة هم المعتزلة؛ معنى الذي أقصد من أهل البدع، الانتشار البدع فيهم، أو الانتشار في هذا المذهب. فكان أهل السنة يردون عليهم. وممن يرد عليهم هؤلاء الكلابية؛ أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب. فلهذا الناس يظنون أن ابن كلاب من أهل السنة. مثل الآن؛ مثلا فرق كثيرة لإخوان المسلمين، وكذا سرورية. فبعض الناس يظن أن هؤلاء من أهل السنة؛ لما لهم؛ مثلا من مواجهة غيرهم. فيظن أنهم أهل السنة، وهم ليسوا من أهل السنة، ولا يحرصون على الدفاع على السنة. وإن دافعوا، دافعوا في أشياء معينة. فلهذا تجد أن هذا الأمر يختلف. فلهذا المؤلف، رحمه الله، أراد أن ينصح. إما نصح عام، وإما خاص. إما نصح أراد به العموم، عامة الناس. أو أنه خص إنسانًا. وسواء كان هذا أو ذاك، فهي نصيحة لكل أحد. فقال: إذا أردت أن تنهج النهج الصحيح، فانهج منهج أحمد؛ لأن أحمد بن حنبل في ذلك الوقت يعد رأس السنة، وإمام الدنيا. فالانتساب إليه انتساب للسنة. الانتساب إليه انتساب للسنة؛ معناه: إذا أردت أن تميز نفسك عن الكلابية، وعن من يشبههم، فانهج منهج أحمد بن حنبل. لهذا عندك الأشعري. والأشعري، بعد أبي الخطاب الأشعري، لما أراد أن يبتعد من المعتزلة. الأشعري: أبو الحسن الأشعري، خاله عبد الله بن سعيد بن كلاب، ابن كلاب يعتبر أقصد ابن كلاب خاله. فلما أراد أن يرجع إلى المعتزلة، أخذ العلم أيضًا من ابن كلاب. لكن أهل السنة لم يثقوا فيه. ذهب إلى البربهاري، وقال له: قد رددت على المعتزلة، وقد رددت على كذا. قال: "ما أفهم ما تقول". إنما نحن نقول بقول أبي عبد الله. "هل تقول أنت بقوله؟ أم أنك تقول بأقوال أخرى؟". ولهذا صدر كتابه "الإبانة". الإبانة لأبي الحسن الأشعري، في المقدمة ذكر أنه على نهج أحمد بن حنبل. أن هذا الاعتقاد على نهج أحمد بن حنبل. وفعلًا هو أثبت بعض الصفات. لكن بعض القضايا التي ذكرها ليست على مذهب أحمد. لكن مجمل الكتاب على مذهب أحمد. فهنا لما أراد أن يتميز، وأنه صحيح، أراد السنة، ذكر الإمام أحمد، وأنه على منهج أحمد بن حنبل الشيباني، رحمه الله. وهذا كما قلنا من هذا الباب. فقال: "وقصد فإني قد قصدت موفقًا نهج بن حنبل الإمام الأوحدي، خير البرية بعد صحب محمد". "خير البرية" قد يكون أراد خير البرية من باب أنه من خير الناس، من خير الناس بعد الصحابة؛ لأن الصحابة لهم شرف الصحبة. الصحابة لهم شرف الصحبة، وهذا شرف عظيم، ومقام عظيم لا يبلغه أحد غيرهم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي". هو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفًا. فلهم منزلة على خلاف منزلة هؤلاء. ولأن الله عز وجل قد رضي عن طريقتهم، ورضي عنهم. فلهذا فهم لهم مقام عظيم. من جاء من بعدهم من التابعين، لهم مزية أنهم رأوا الصحابة، أنهم رأوا الصحابة. لكن مزيتهم ليس كمزية الصحابة. فالتابعون بإحسان يدخل فيهم من رأى الصحابة، ومن كان بعدهم. الله عز وجل قال: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم". فبعد الصحابة يأتي من اتبعهم بإحسان. فلهذا ذكر أن أحمد من خير هؤلاء، من خير البرية؛ معنى بعد صحبتي النبي عليه الصلاة والسلام. وليس معنى أنه أفضل رجل بعد الصحابة. وإن كان قد قال بعضهم هذا. قال قتيبة بن سعيد: "قد رأيت مالكًا، ورأيت الأوزاعي، ورأيت سفيان الثوري، ورأيت فلانًا، فلانًا -ذكر من الأئمة- قال: ما رأيت مثل أحمد أبدًا". قال: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل"؛ معنى في زهده، وورعه، وعلمه. مع أنه رأى هؤلاء الأئمة. فلهذا لعله كما قلنا قصد هذا. وهؤلاء الأئمة يحتمل لهم في كلماتهم ما يقصد، أو ما يحمل في كلماتهم المحمل السيء. ما يقال: هو أراد التعصب، لا. ليس المراد هذا. وإنما المراد أن مذهب أحمد هو مذهب التمييز في ذلك الوقت، الذي يريد أن يميز مذهبه إلى السنة، ينتهج منهج أحمد بن حنبل. فقال: "نهج بن حنبل الإمام الأوحد، خير البرية بعد صحب محمد". قال: "والتابعين إمام كل موحد". "إمام كل موحد" هو الإمام أحمد. وهذا ما يؤيد أن المؤلف، رحمه الله، أراد العقيدة، أراد الاعتقاد الذي يعتقده كل مسلم. فإذا أراد الاعتقاد الصحيح، فعليه باعتقاد الإمام أحمد. إذا أراد الاعتقاد الصحيح، فعليه بالاعتقاد باعتقاد الإمام أحمد. ولهذا كان الأئمة كما قلنا يميزون اعتقاداتهم بمعتقد الإمام أحمد. حتى أنه أحيانًا يتركون أئمة كبار؛ مثلا في كلامهم، يقولون: "نحن مع أحمد". عندك الإمام أبو عوانة الإسفرايني، في مسألة الإيمان، الفرق بين الإيمان والإسلام. الإيمان، الفرق بين الإسلام والإيمان. المزني مع أنه خاله، خال أبي عوانة الإسفرايني، خال أبي جعفر التحاوي. لكن هذا يعتبر بدعة. فذكر في كتابه "المستخرج" على أن الإمام المزني، أبو إسماعيل المزني، صاحب الشافعي، قال: أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان. الإسلام: الإيمان، والإيمان: الإسلام. قال أبو عوانة: "وقد حدثنا غير واحد من العلماء". وذكر بعضهم عن أحمد أنه كان يقول: "إن الإيمان غير الإسلام". وذكر نصوصًا عنه. أو ذكر أشياء عنه. مع أن الإمام أحمد يقول: "إن الإيمان هناك فرق إذا اجتمع الإسلام والإيمان، يفرق بينهما". وهذا الذي دأب عليه أهل السنة. فهذه المسألة يقول أبو عوانة: "أنه قد خالف المزني هذا". لكن نحن على قول أحمد بن حنبل. قال: "نحن نتبع قول أحمد بن حنبل؛ لأنه الإمام في هذا الباب، وهو أفهم الناس في هذا الباب". معنا: ما تجد إمامًا في هذا الباب، في مسألة الاعتقاد، مثل أحمد. فهو ميز عقيدة الجهمية والمعتزلة، وما يقرب إليهم. حتى ما يقرب إلى عقيدة الجهمية، كان ينهى عنه أحمد. بعض الناس لا يفهمون، يقول لك: "هذا أولًا ناس طيبون، ناس كذا، وناس كذا". انظر: أصحاب الحارث المحاسبي، أصحاب الحارث المحاسبي. كان هذا الحارث من أهل التصوف، عنده زهد. يأتي بالقصائد، وكذا. يمشون على هذه، يتكلمون في النفس، وأمراض النفس، وغيرها من هذه الأشياء التي كان عليها الحارث المحاسبي. فلما كان أحمد، كان يحذر منهم. وبعض الناس ما يدري لماذا يحذر منهم أحمد؟ فكان أحمد يقول: "هؤلاء من ذهب معهم، أوردوه إلى الجهمية". صار جهميًا. مع أنهم هم أهل زهد، أهل كذا، ما يدخلون في هذه الأبواب. لكن يستغلهم أهل البدع. فلهذا الإمام أحمد يقول لهم: "فلان، والمغازلي، وفلان، وفلان، كانوا من أهل السنة". لما دخلوا مع الحارث، ذهبوا إلى الجهمية، صاروا من الجهمية. مع أنهم كانوا من أهل السنة؛ بسبب دخولهم مع هؤلاء. الآن؛ مثلا تجد؛ مثلا أصحاب التبليغ. أصحاب التبليغ، بعضهم يقول: "أولًا مساكين، يدعون الناس إلى الخير، يدعون كذا". لكن من دخل معهم، تجد أنه يغير طريق السنة، يدخل مع أهل التصوف، أهل القبور، أهل كذا. مع أنه لو جئت إلى مذهبهم، هم ما يدخلون في هذه الأشياء. لكن تجد أن قادتهم هم أهل التصوف، قادتهم من أهل القبور، من عباد القبور. فإذا دخل الإنسان معهم، وراء القادة، وراء كذا، هؤلاء الذين هم قدوتهم، يراهم يشركون بالله جل وعلا، فيتبعهم على ذلك. ولعل أكثرهم قد قرأ رسالة الشيخ سعد بن حصين، رحمه الله عليه، الذي كان قد بلغ منزلة عظيمة عند التبليغ. ثم تركهم، وبيّن أشياء كثيرة عندهم. وأنهم كانوا ينشدون الأبيات الكفرية الشركية، التي كان يقولها ابن عربي، وغيره: "الرب عبد، والعبد رب، يا ليت شعري من المكلف". وغيرها من هذه الأبيات التي كانوا ينشدونها، كأنها شيء عادي. مثل الآن أهل التصوف، تجد أنهم يأتون بأبيات فيها استغاثات بغير الله، فيها كذا. وهم لا يدرون أشياء مما يقولون. فالمهم أن بعض أهل البدع تجد أنه يوصل إلى غيره. وبعض العلماء قد لا يفهم مثل هذه الأشياء، يقول: "هؤلاء أناس على خير". مثل الأشعري. الأشعري لما خرج من المعتزلة، ظن أن الكلابية على مذهب صحيح؛ لأنهم يردون على المعتزلة. فكان هم الأشعري أنه يرد على المعتزلة. لكن بيّن له بعض العلماء، كالبربهاري وغيره، أن هؤلاء أيضًا مخالفين لمذهب أحمد. وأيضًا كذلك هو في كل زمن هذا الأمر. فكما قلنا: أن الإمام أحمد، رحمه الله، كان يميز به الخير من الشر، يميز به الطريق الصحيح من الطريق غير الصحيح. وقد أجمع العلماء على تزكية مذهب أحمد، وأنه على السنة. ولم يأتي شيء عنه يخالف السنة. أقصد في الاعتقاد. أما في الأمور الاجتهادية، فهذا ما من أحد إلا يؤخذ من قوله، ويرد. لكن أقصد في الاعتقادات. حتى الأشياء التي نسبت إليه؛ مثلا من التحريف في بعض النصوص، لم يثبت عنه. لم يثبت عنه. ذكر حنبل رواية عنه أنه أول صفة المجيء. لكن العلماء أنكروا هذا. لم يأتي أحد أبدًا بما جاء به حنبل في هذه الرواية. لهذا ذكر الشيخ الإسلام أنه أصحاب أحمد كلهم نقلوا إثبات الصفات عنه. لم يأتي عن أحد أبدًا إلا عما جاء عن حنبل. ولعله لم يفهم كلامه. ولعله لم يفهم كلامه؛ لأن حنبل أخذ العلم من ابن عمه أحمد بن حنبل، وهو صغير، وهو صغير. فكان يأتي بمسائل منكر أحيانًا. ليس أنه ليس مقبول كلامه، لا. لكن أحيانًا الفهم الصغير ليس مثل الكبير والراشد الذي يفهم الكلام. طيب، إذا كانت هذه المسألة عند أحمد، لماذا لم ينقلها أكثر أصحاب الذين كانوا أكثر ملازمة له؛ كالمروذي، والأثرم، والمروزي، وابن هاني؟ فالمهم أن هناك أشياء كما قلنا تميز أهل السنة. ومن هؤلاء القدوة، فكان أحمد قدوة أهل السنة. قال: "والتابعين إمام كل موحد ذي العلم والرأي الأصيل، من حوى شرفًا على فوق السهاء والفرقدي". "واعلم بأني قد نظمت مسائلًا، لم آل فيها النصيحة غير مقلدي". الآن يقول: أنه قد بلغ السهاء. السهاء: معنا المكان المرتفع الذي له مكان عظيم بين أئمة الإسلام. وفي بعض النسخ: "السماء". والسهاء: السماء، أو السهاء. السهاء: هو النجم، نجم صغير يكون غالبًا في السماء، من الأنجم التي يسمونها "بنات نعش". فيضرب به المثل على ارتفاعه. معنا؛ لأنه كان نجمًا خفي الضوء؛ معنا لارتفاعه كثيرًا. قال: "وأعلم بأني قد نظمت مسائلًا لم آل فيها النصيحة غير مقلدي". كأنه يسأل، كان عن هذه الأشياء. فقال: "نظمت هذه القصيدة، أبين فيها اعتقادي"، أو اعتقاد الاعتقاد الصحيح الذي كان عليه أحمد بن حنبل. وهذه القصيدة معنا جاءت عن أسئلة قبلها، سئل عنها. فأجاب بهذا. ولهذا كما قلنا: إما أن المؤلف نصح إنسانًا بعينه. أو أنه أراد ردًا على أكثر من واحد، كان قد سأله في ذلك. قال: "وأجبت أن تسأل كل مهذبي". "ذي صولة عند الجدال مسود هجر الرقاد، وبات ساهر ليله ذي همة لا يستلذ بمرقد قوم طعامهم دراسة علمهم". يريد أن هذا السؤال قد سألني عنه طلبة علم. وهؤلاء طلبة العلم مجتهدون، مجتهدون في العلم. وهنا قال: "ذي صولة عند الجدل مسود". والجدل هنا المراد به الفقه؛ لأن هؤلاء الأئمة يطلقون على الفقه "الجدل"، أو "المناظرة". فالمراد به معنى مسائل الفقه. وقد انتشر عند بعض الفقهاء أن من أحسن الجدل؛ أي أحسن النقاش المسائل، وتعليلها. فهذا الذي قد فقه، وقد حاز مرتبة في العلم الذي يعرف تعليلات المسائل. لماذا قالوا بهذا؟ لماذا قالوا بهذا؟ يعلم الفروق بين المسائل، يعلم اجتماع المسائل في قاعدة معينة. فاجتماع المسائل، واختلافها، وأيضًا كذلك تعليلاتها، وغيرها من هذه الأمور، يسميه بعض العلماء "الجدل"، أو "المناظرة". لكن هو أصلا ليس جدلًا، وإنما هو فقه وعلم. لكن انتشر في ذلك الوقت يسمى "جدلًا". يسمى "جدلًا". فلهذا ذكر أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" مسألة الجدل، وأكثر فيها. والمراد الجدل: هو ما يعرف الإنسان، ما يعرف الإنسان كيف هذه المسائل التي تجتمع، المسائل التي تفترق. المسائل فيحصل بهذا معرفة للفقه، معرفة للفقه. وأيضًا يجيب عن العلل التي يعللها العلماء في المسائل. لماذا يقولون هذه المسألة كذا، وهذه المسألة كذا؟ فهذا يعرفه الذي يتعلم الفقه. طيب، قال: "ذي صولة عند الجدال مسود هجر الرقاد، وبات ساهر ليله". معنى في العلم، هجر الرقاد؛ هجر النوم. ويبيت ساهرًا في العلم، يسهر في العلم. وقد كان السلف رحمهم الله، طلبة العلم، تجد أن الواحد منهم يحب المسائل، وإن ذهب عنه الرقاد. حتى أن بعض الأئمة يقال: أنه ما كان ينام إلا وهو جالس. ذكروا هذا في ترجمة محيي الدين النووي، رحمه الله؛ معنى ما ينام إلا وهو جالس، من كثرة مطالعة للكتب، ومدارسته، وغير هذا. بعضهم أيضًا تجد أكثر وقته وهو في العلم، يسجل ويكتب، وكذا. ليله كله وهو في العلم. كان أهل الحديث في النهار يطلبون العلم عند المشايخ، وفي الليل يجعلون الليل للنسخ، ينسخون ما كتبوا. ينسخون ما كتبوا. أحيانًا بعضهم يحفظ، ثم ينسخ. بعضهم يكتب، ثم يرتب هذا الذي كتبه، وينسخوا فيه جزءًا يرتبه، يرتبه؛ حتى يعرف أن هذا من سماعه على فلان؛ لأنه أحيانًا قد يذهبون في النهار الواحد إلى عدة مشايخ. فيأتي الليل عليهم وهم يكتبون. ولهذا جاء في الشعر الذي قاله الإمام أحمد -معناه شعر معثور، لكن الإمام أحمد تمثل به، وذكر أهل الحديث- فقال: "والحديث ... إيش في الحديث؟"؛ معنى كلامه: أن الحديث في النهار، والنسخ في الليل. طيب، فلهذا كما قلنا: كان السلف يسهرون الليالي، الواحد منهم ما ينام، يظل يفكر في المسائل. ثم يكتب. بعضهم؛ مثلا يسهر على سراج. إذا انطفأ عليه السراج، يفكر؛ مثلا في المسائل. مثل ما ذكر ابن عقيل. يعني: يعني: يعني: يعني: يقول: إذا انطفأ عليه السراج، يفكر في المسائل، وكذا. إذا أصبح، أو إذا جاءه السراج، كتب ما يفكر فيه من المسائل التي ذكرها الإمام الشافعي، رحمه الله؛ كما ذكر عنه الحميدي. لما ذهب إلى مصر، ذهب معه الحميدي. فكان الشافعي طوال الليل وهو والسراج -معناه السراج يشتغل- فقال له الحميدي: قال: "يا أبا عبد الله، ما هذا؟ لماذا لا تنام؟" قال: "والله أردت أن أنام، كلما أردت أن أنام، ذكرت مسألة فكتمتها". فكانوا دائمًا يشتغلون بالسراج، يكتبون. فكانت عندهم همة عالية. فالمهم أنه ذكر أن هؤلاء الذين تركوا الرقاد، تركوا الأشياء من أمور الدنيا، واهتموا بالعلم، وسهروا الليالي لأجل العلم، أولئك الذين سألوه. قال: "قوم طعامهم دراسة علمهم". أن أكثر همهم ومحبتهم العلم. أنهم يدرسون العلم، أكلوا أو لم يأكلوا. في قصة عبد الرحمن بن نبي حاتم -معنا لنا عبرة فيها- لما قال: "كنا ببغداد، فكنا الصباح ندور على المشايخ، وفي الليل ننسخ". فاشتهينا طعامًا نريد أن نأكل طعامًا نطبخ. قال: فذات يوم جئنا إلى درس أحد المشايخ، قال: "أنه تأجل درسه". فذهبنا إلى السوق، واشترينا سمكة سمكة، وأخذناها حتى نطبخها. قال: "لما وصلنا إلى البيت، المكان الذي ستكونون فيه، جاء وقت الشيخ الآخر". قال: "فذهبنا عنده". ثم هكذا الصباح نذهب ندور على المشايخ، وفي الليل ننسخ. ما استطاعوا أن يأكلوها. قال: "فجلست ثلاثة أيام حتى خشينا أنها تنتن، أنها تظهر فيها الرائحة". قال: "فأكلناها نيئة". وهذا لشغلهم بالعلم، ما يفكرون في الطعام، ولا في الشراب، ولا في غيرها من هذه الأمور. أكثر همهم أنهم يحرصون على دراسة العلم. قال: "يتسابقون إلى العلا والسعد". أن يتسابقون إلى العلا والسعد؛ ليس أنهم يقصدون أنهم يريدون أن يعلوا على الناس، لا. هم يتسابقون لأجل أن يرتفعوا عند الله. فيرتفعوا؛ أي أن الله عز وجل يرفعهم بهذا العلم. أن الله لا يرفع بهذا الدين، أو بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين. فمن أراد الله عز وجل رفعه الله. وأما من أراد الرفعة من نفسه، وأراد الدنيا، فغالبًا يسقط. فغالبًا يسقط. فلهذا يقول: أن هؤلاء الذين سألوه من طلبة العلم، ممن يتسابقون إلى العلاء؛ يعني يجتهدون في طلب العلم، يريدون أن يكونوا من قادة الأمة، من العلماء. "قالوا: بما عرف المكلف ربه؟ فعجبت بالنظر الصحيح المرشدي". طيب، إن شاء الله هذا نتركها إلى غد، إن شاء الله.