تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 8

تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 8

الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية امتحان المؤمنات المهاجرات وتوضيح السياق

نزلت آية امتحان المؤمنات المهاجرات بعد صلح الحديبية، حيث كان الشرط يشمل ردة المسلمين إلى الكفار، فأمر الله المؤمنين بامتحان النساء المهاجرات. تم توضيح ذلك من خلال قصة أبي جندل بن سهيل بن عمر.

حكم التعامل مع النساء المهاجرات وأحكام الإيمان

ناقش حكم رد النساء المهاجرات من مكة إلى المدينة إلى أزواجهن الكفار، وأمر الله تعالى بعدم رد المؤمنات إلى الكفار بل امتحانهن لمعرفة صدق إيمانهن، وتم التأكيد على عدم جواز ردهن.

أحكام ما بعد امتحان النساء المهاجرات وتطبيقها

إذا ثبت إيمان النساء المهاجرات، فلا يجوز إرجاعهن إلى أزواجهن الكفار، ويجب على المسلمين أن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر، ويمكن للمسلمين أن يتزوجوا النساء المهاجرات.

تحريم الزواج من الكافرات وتوضيح أحكامه

نهى الله تعالى عن الزواج من الكافرات وعن الاستمساك بعصمتهن، وهذا يشمل النهي عن ابتداء التزوج بهن أو الاستمرار في الزواج معهن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهم وآتوا ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم﴾. قال رحمه الله: ولما كان صلح الحديبية صالح النبي عليه الصلاة والسلام المشركين على أن من جاء منهم إلى المسلمين مسلما أنه يرد إلى المشركين، وكان هذا لفظا عاما مطلقا يدخل في عمومه النساء والرجال، فأما الرجال فإن الله لم ينهى رسوله عن ردهم إلى الكفار وفاعلا بالشرط وتتميما للصلح الذي هو من أكبر المصالح. وأما النساء فلما كان ردهم فيه مفاسد كثيرة أمر المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات المهاجرات وشكوا في صدق إيمانهن أن يمتحنوهن ويختبروهن بما يظهر به صدقهن من أيمان مغلظة وغيرها، فإنه يحتمل أن يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية. أن هذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية، وغالب السورة كما تقدم معنا أنها نزلت بعد الحديبية، فكان من الشرط بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين قريش أن من جاء من المسلمين إلى قريش لا يرد إليهم، ومن جاء من قريش إلى المسلمين فإنه يرد إليهم أن يرجعونه إليهم. ولهذا لما عقد هذا الصلح جاء أبو جندل بن سهيل بن عمر، وكان الذي يعقد الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهيل بن عمر، فجاء ولده أبو جندل وهو مقيد بالسلاسل، خرج من مكة فقيده بعض أهله حتى لا يرجع إلى المسلمين، فخرج هاربا وارتمى بين عيد المسلمين. فقال سهيل بن عمر -رضي الله عنه لأنه أسلم بعد ذلك في الفتح- قال سهيل بن عمر: يا محمد، هذا ما أقاضيك به أولا. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنا لم نتم الكتاب بعد. فقال سهيل: والله لا أقاضيك في كتاب أنا إذا كان ما تريد أن ترجع هذا -وهو ابنه- ما سأقضي بيني وبينك أبدا. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «والله لا يسألون خطة يعظمون فيها كتاب الله أو فيها بيت الله إلا وفقتهم عليها». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يرجع إليكم. فحزن سهيل أو أبو جندل، فقال: يا معشر المسلمين، أورد إلى الكفار فأفتن في ديني. فرقى له كثير من المسلمين، ولولا أنهم يخضعون لقول النبي عليه الصلاة والسلام لما رضوا. ولهذا قال عمار بن ياسر -رضي الله عنه- في الجمل، وقال أيضا: سهيل -أو أقصد سهل بن الحنفية- قال: ووعظ أصحابه وقال: «اتهموا رأيكم». فلو رأيتنا في يوم أبي جندل، فاتهموا رأيكم. الإنسان يتهم رأيه ولا يتهم الشرع، ولا يقول أن في حكم الشرع فيه شيء. لا يتهم رأيه لأن الرأي يخطئ، أما الشرع فهو من عند الله جل وعلا. فلهذا قال سهل بن الحنفية: «اتهموا رأيكم». فلما جاء أبو جندل وقال: يا معشر المسلمين، أرد إلى الكفار فأفتن في ديني. فرق له كثير من الصحابة، حتى قال عمر: يا رسول الله، أليس نحن على الحق وهم على الباطل؟ قال: «بلى». وجاء أولا إلى أبي بكر الصديق وقال: يا أبا بكر، فلما نعطي الدنية لديننا؟ لماذا نحن نعطي هكذا؟ نقول: إذا جاء الرجل من المسلمين نرده إليهم، أو من قريش نرده إليهم، وهو يريد الإسلام. فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا عمر، إنه رسول الله حقا، فالزم غرزه. أو قال في رواية: «إنه رسول الله حقا وليس عاصيه، فالزم غرزه»، أي لا تبتعد عن رأيه. ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، أليس نحن على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى». قال: ألسنا قد أخبرتنا أننا ندخل إلى البيت الحرام ونتطوف به؟ قال: «بلى، لكن هل قلت لك هذه السنة؟». قال: لا. قال: «فإن الله عز وجل قال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون». فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، لما نعطي الدنية لديننا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، أنا رسول الله ولست أعصيه». فقال عمر -رضي الله عنه-: فعملت لذلك اليوم أعمالا أنا لمعارضتي لرسول الله أو لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا لما حصل هذا الأمر، فجاء أبو جندل وقال هذا الكلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «سيجعل الله لك مخرجا، سيجعل الله لك فرجا ومخرجا». ويسر الله عز وجل لهم بعد ذلك بأبي بصير، وخرجوا إلى الساحل، ويسر الله أمرهم حتى خضعت قريش بسببهم، خضعت قريش للنبي عليه الصلاة والسلام بسببهم. المهم أن الشاهد هنا حصل إشكال من ناحية النساء، لأن النساء كثرن يخرجن من مكة إلى المسلمين إلى المدينة، فصار إشكال أن النساء يرددن إلى هؤلاء الكفار. فالمرأة ليس مثل الرجل، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يعقد الصلح على النساء وإنما عقده مطلقا. لكن النساء ضعيفات، فلهذا ربنا جل وعلا لم يدخل أمر النساء في هذا الصلح. فقال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن﴾، أن إذا هاجرنا من مكة إلى المدينة لا تردوهن إلى الكفار، وإنما امتحنوهن. فأمرهن غير أمر الرجال، لأنها إذا خرجت وهي مؤمنة لا يجوز لها أن ترجع إلى الكافر إلى زوجها الكافر، ولأنها لا تحل له، فكيف ترجع إليه؟ قال: ﴿فامتحنوهن﴾. وقد ذكر العلماء كيفية الامتحان، لكنه لم يأتي في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كيف يمتحنوهن. لكن أكثر كلام المفسرين على أن الامتحان هو أنهن يحلفن بالله جل وعلا أنهن جئن لأجل الإيمان، ليس رغبة في زوج أو رهبة من زوج. معنى بعض النساء تخرج لا تريد زوجها، فتخرج من عنده. وبعض النساء أيضا يبحثن عن زوج. فلما وجدت هذه الأشياء، فقال الله عز وجل: ﴿فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾، فلأنكم قد شككتم في إيمانهن فامتحنوهن، فالله أعلم بالسرائر، أي اقبلوا منهن هذا الامتحان. قال: وعما النساء فلما كان ردهم فيه مفاسد كثيرة أمر المؤمنين إذا جاءوا المؤمنات مهاجرات وشكوا في صدق إيمانهن أن يمتحنوهن ويختبروهن بما يظهر به صدقهن من أيمان مغلظة وغيرها. أنا لم يذكر المؤلف كيفية معينة، لكن كما قلنا اتفق العلماء أو أكثر العلماء مفسرين يقولون أن الامتحان هو الأيمان أنها تحلف أنها جاءت لأجل الإسلام، ليس لأجل شيء آخر. وهذا كما قلنا بعد صلح الحديبية أو قبل الفتح، وسيأتي المبايعة التي كانت بعد الفتح. قال: بما يظهر من صدقهن. قال: ثم إن كن بهذا الوصف تعين ردهن وفاء بالشرط من غير حصول مفسدة. وإن امتحنوهن فوجدوا صادقات أو علموا ذلك منهن من غير امتحان، فلا يرجعهن إلى الكفار. معنى إذا كان لم يروا الصدق منهن فإرجعهن إلى الكفار فلا فائدة فيهن. وأما إن كانوا رأوا أنهن خرجن لأجل الإيمان، معنى وجدوا ذلك بإيمانها التي حلفت أو بقرائن تدل على ذلك. مثل ما مثلا خروج بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام، زينب خرجت في ذلك الوقت. زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجت في هذا الوقت. وكذلك أيضا بعض النساء التي عرف صدقهن. وأيضا كان أزواجهن في المدينة فخرجوا لأجل أن يسلموا كذلك لأجل أزواجهن. فإذا امتحنت فرأوا أو شكوا في أمرها، فإنهم يرجعونها إلى الكفار. وأما إذا امتحنت ورأوا أنها صادقة، فقال الله عز وجل: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾. لماذا؟ لأنه كما ذكر الله عز وجل: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهم﴾. لماذا ترجعهن إلى الكفار وهم قد أسلموا؟ فلا تحل زوجها حتى ترجع إليه، لا تحل زوجها ولا هو يحل لها. فقال الله عز وجل: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهم﴾، فهذه مفسدة كبيرة. أنا كيف ترجع إلى الكافر وهو لا يحل لها أصلا؟ قال: فهذه مفسدة كبيرة وراعاها الشرع، وراعى أيضا الوفاء بالشرط بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه عوضا عنهن. أنا يرجعون للكفار مهرهم. قال: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾، ولا تمسكوا بعصم الكوافر. ولا جناح حينئذ على المسلمين أن ينكحوهن، ولو كان لهن أزواج في دار الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن من المهر والنفقة. معنى ليس أنه يتزوجها بدون مهر، وإنما يأخذها بمهرها، وكذلك ينفق عليها. وهذا يكون بعد بعد الاستبراء، لما يجوز لرجل أن يتزوج امرأة مثلا قد كانت في عدة رجل آخر. ولهذا الذي يتزوج في العدة يكون عقده باطلا، بل حتى الخطبة غير صحيحة لا تجوز. مثلا إنسان يريد أن يخطب على امرأة قد طلقت طلاقا رجعيا، إذا طلقت طلاقا رجعيا سواء كانت طلقة الأولى أو الثانية، لا يجوز لأحد أن يتقدم لها أو أن يخطبها حتى فكيف بالزواج؟ فإذا عقد عليها بعض الناس يقول: خلاص نعقد ثم إذا انتهت العدة نتزوج أو نعمل الزواج، هذا ما يجوز. العقد يعتبر باطل، العقد في العدة يعتبر باطل. فإذا فعل ذلك فإنه لابد أن يعيد هذا العقد، أن يعيد هذا العقد لأن العقد الأول باطل. فإذا استمر معها فهو ليس زواج وإنما هو سفاح، فينتبه كثير من الناس في مثل هذه المسائل. فيأتي ويتزوج ويعقد على امرأة في العدة، فكما قلنا لا يجوز حتى أن يخطبها لأنها لا زالت في عقد الرجل الأول. قال: وكما أن المسلم لا تحل للكافر، فكذلك الكافرة لا تحل لمسلم ما دامت على كفرها غير أهل الكتاب. معنى لو جاءت هذه المرأة وهي لازالت على كفرها، ما يجوز للمسلم أن يتزوجها. لكن إذا جاءت وهي مؤمنة فإن المؤمن يجوز له أن يتزوجها، لكن الكافر لا تحل له. قال الله عز وجل: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. ولا تمسكوا بعصم الكوافر، وإذا نهى عن الامساك بعصمتها فالنهي عن ابتداء تزوجها أو لا. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في تفسير هذه الآية في درس لاحق، والله تعالى أعلم.