كتاب الطلاق من صحيح البخاري 7

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 7

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب من قال لامرأته أنت علي حرام وأقوال العلماء في النية

يناقش المقطع تفسير قول الرجل لزوجته "أنت علي حرام" وهل يقع طلاقاً أم يميناً بحسب النية، مستعرضاً أقوال الحسن البصري وابن تيمية وابن مسعود وابن عمر في أنه بحسب نيته. كما يورد حديث عائشة رضي الله عنها عن المرأة التي تزوجت بعد طلاقها فلم يصل زوجها الثاني إليها لضعفه فطلقها.

حديث المرأة المطلق ثلاثاً واختلاف الفقهاء في لفظ أنت علي حرام

يذكر المقطع حديث المرأة التي طُلقت ثلاثاً ثم تزوجت بغيره فلم يُكمل الجماع، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل للأول حتى يذوق الثاني عسيلتها. ثم يستعرض خلاف الصحابة والفقهاء في لفظ «أنت علي حرام» هل هو طلاق ثلاث، أو طلاق واحدة، أو يمين تكفر، أو ظهار.

تفصيل أحكام التحريم بالنية والفرق بين الطلاق واليمين والظهار

يناقش المقطع خلاف العلماء في حكم تحريم الزوج لزوجته بلفظ "أنتِ عليّ حرام"، موضحاً أن الصواب يعتمد على النية: إن نوى الطلاق وقع طلاقاً، وإن نوى التحريم على نفسه كان يميناً يكفرها. ويخلص إلى أن تحريم ما أحل الله إثم إلا إذا كان هجراً تأديبياً في الفراش دون تحريم.

تحريم النطق بالتحريم وحكم حلف النبي صلى الله عليه وسلم

الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف، لذا يبقى التحريم قائماً ولا يجوز النطق به، ومن قاله فهو آثم وعليه الرجوع والتوبة. بهذا تنتهي مسائل هذا الباب والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب من قال لامرأته: أنت علي حرام». قال: وقال الحسن: «نيته عن نيته، أيش أراد؟ هل أراد الطلاق أو أراد شيئا آخر من التحريم أو اليمين؟» كما جاء في بعض الروايات عن الحسن: «قال الحسن: إذا نوى طلاقا فهو طلاق، وإلا فهو يمين». وهذا الذي يقول به شيخ الإسلام ابن تيمية، ونسب هذا القول أيضا إلى ابن مسعود وابن عمر: أنه بحسب نيته. وقال أهل العلم: «إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه، فسموه حراما بالطلاق والفراق، وليس هذا كالذي يحرم الطعام؛ لأنه لا يقال للطعام الحلال: حرام، ويقال للمطلقة: حرام». إنما يريد الطلق الثالث، ويقصدون به التحريم، هو الطلق الثالث تحرم عليه، ولهذا بعضهم جعله ثلاثا. قال الإمام البخاري: وقال أهل العلم: «إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه، فسمي تحريما». فإذا قال: «أنت علي حرام»، معناه أنها طلاق بالثلاث، هكذا فسرها جماعة من أهل العلم كما سيأتي ذكره. وقال: «وفي الطلاق ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره». معنى هنا: يقول: فرق بين أن يقول لزوجتي: «أنت علي حرام»، وبين أن يقول مثلا: «حرمت على نفسي كذا من الطعام»، أو يقول: «علي اللحم حرام أن آكله»، أو «الخصلة الفلانية من الطعام علي حرام». يقول: هناك فرق، هكذا ذكر بعض أهل العلم. وقال: «ليس عن نافع، كان ابن عمر إذا سئل عن من طلق ثلاثا قال: لو طلقت مرة أو مرتين فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا، فإن طلقتها ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غيرك». يقول: أن ابن عمر هذا الأثر قد رواه الإمام مسلم رحمه الله في الصحيح. قال: «كان ابن عمر إذا سئل عن من طلق ثلاثا قال: لو طلقت مرة أو مرتين». وفهم من ذلك أنه يقول: أن الذي يطلق ثلاثا فهو تحسب عليه ثلاثا. وقيل: أن المراد من كلام ابن عمر أنه إذا طلق مرة ثم مرتين فلا تحرم عليه، وإنما تحرم عليه إذا طلق ثلاثا. وأراد الإمام البخاري أن يفسر كلام أهل العلم الذين قالوا: أن التحريم هو طلاق الخلاة. قال: «وحدثنا محمد، قال: حدثنا أبو معاوية». ومحمد هنا غالبا يكون محمد بن سلام البيكندي، وقد يكون أيضا محمد بن يحيى الذهلي؛ لأن الإمام البخاري لا يصرح باسمه، محمد بن يحيى ما يقول: «محمد بن يحيى»، وإنما يقول: إما أن يقول «محمد» ويهمل، أو يقول: «حدثني ابن فارس»، أو يقول: «ابن خالد»، ولا يصرح باسمه، لكنه روى عنه. فإذا قال: «محمد»، ذكر بعض أهل العلم في المذكرة لشيخنا مقبل التي أخذها عن شيخه الصومالي: على أن إذا قال البخاري «محمد»، فإن كان الذي روى عنه من الصغار فهو الذهلي، وإن كان من الكبار فالغالب أنه محمد بن العلاء البيكندي. والراوي هنا هو محمد بن العلاء البيكندي البخاري، فهو الإمام البخاري يروي عنه كثيرا. قال: «حدثنا أبو معاوية»، وهو محمد بن خازم الضرير، صاحب الأعمش. وغالبا إذا روى عن الأعمش أثبته، وإذا روى عن غير الأعمش غالبا يخطئ، إلا أن بعض أهل العلم قواه في رواية هشام، في رواية هشام بن عروة. قال: «حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة». ولهذا البخاري يروي رواية أبي معاوية عن هشام. قالت عائشة: «طلق رجل امرأته فتزوجت زوجا غيره وطلقها، وكانت معه مثل الهدبة، فلم تصل منه إلى شيء تريده، فلم يلبث أن طلقها». وهذه القصة قد مرت أنها حصلت لامرأة من قريضة، يعني: من بني قريضة، أو امرأة من الأنصار كانت متزوجة لرجل من قريضة، ثم تزوجت آخر، يعني: من المسلمين من الذين أسلموا، ثم تزوجت آخر فلم ترضَ به. وقالت: «إنما ما معه إلا مثل الهدبة». الهدبة هي طرف الثوب. فقالت: «يا رسول الله، إن زوجي طلقني»، وطلقها ثلاثا، «وإني تزوجت زوجا غيره فدخل بي، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يقربني إلا هنة واحدة، لم يصل مني إلى شيء». فحل لزوجي الأول. عن أنه لما جاء لم... يعني: لم يجامعها مجامعة صحيحة. وقيل: «لم يقربني إلا هنة واحدة»، أي: لم يطأها إلا مرة. والظاهر أنه كما قال بعض أهل العلم: أن الهنة هي الغشية، وهنا كنّى عن الجماع. قالت: «فلم يقربني إلا هنة واحدة، لم يصل مني إلى شيء، فأحل لزوجي الأول». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر عسيلتك وتذوقي عسيلته». وهذا يدل على أن الهنة لم تبلغ الجماع، يعني: وطئها لكنه لم يُنزل، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى تذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته». والمراد بالعسيلة: الجماع، أنه يقع، يقع ماءه في ماءها، أنه الجامع. فهذا هنا وجه الشاهد: أنه لما طلق ثلاثا كانت حراما عليه، وهذا بنص الآية. الآن الإمام البخاري يريد أن يدلل على كلام أهل العلم الذين قالوا: أنه طلاق ثلاثا، أن التحريم هنا أراد به الطلاق الثلاث. فمن قال لزوجته: «أنت علي حرام»، فهو طلق ثلاثا؛ لأن التطليق الثلاث هو التحريم، كما ذكر هنا عن ابن عمر، وذكر أيضا هذا الحديث. وهذه المسألة، مسألة: «أنت علي حرام» أو «حرام علي»، هذه المسألة حصل فيها خلاف في هذا اللفظ: ما معناه؟ كيف تفسيره؟ أو ما حكمه؟ وقد ذكر، وقد ذكرت مذاهب كثيرة عن الصحابة، عن التابعين، حتى أوصلها بعضهم إلى أكثر من خمسة عشر مذهبا. وذكر ابن بطال في شرح البخاري ثمانية أقوال. فمنهم من قال: أنها كما... وهو قول الجمهور: أنها ثلاثة، تعتبر طلاق ثلاث؛ لأنه حرم على نفسه، والتحريم لا يكون إلا بالثلاث. وهذا جاء عن علي وزيد وابن عمر، وأيضا ذكر عن الحسن والحكم بن عتيبة، وهو قول مالك وسفيان. وهناك قول سفيان: قال: «إن هو ثلاثا فثلاث، وإن هو واحد فهي بائنة، وإن هو يمينا فهي يمين، يكفرها». هذا قول سفيان الثوري. وقال أيضا في آخر كلامه: «وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فهي كذبة». وبهذا قال أهل الكوفة: أبو حنيفة وأصحابه. وقد ذكرنا أن قول ابن مسعود وقول زيد أيضا: أنه إن كان ينوي الطلاق تكون تطليقة، وإن رأو أنه يمين يكفرها، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأيضا جاء عن عمر مثله، جاء عن عمر مثله، إلا أن بعض أهل العلم يقول: عن عمر فيه كلام. وقال به من الفقهاء: النخعي وطاوس وغيره. وقول الشافعي رحمه الله: أن هذا التحريم ليس بطلاق حتى ينويه، فإذا أراد الطلاق فهو طلاق؛ لأنه يعتبر من الكنايات، من ألفاظ الكناية، كما تقدم معنا بالأمس. وأيضا الشافعي رحمه الله في كتابه «الأم»، وقد ذهب إليه أيضا جماعة من أصحابه: أنه إذا حرم، فإن نوى طلاقا فهو طلاق، وإن قال: «أردت تحريما بلا طلاق» كان عليه كفارة يمين. وقال: «وليس بمول»، يعني: ليس هذا إيلاء، وإنما يمين. إذا نوى الطلاق فطلاق، وإذا لم ينو الطلاق فهي يمين. ومن أين أخذ اليمين؟ أخذ من الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. جاء عن ابن عباس قولان: قول أنه يلزمه كفارة الظهار، يعتبر ظهارا، وهذا أيضا قول أحمد، وبه قال جماعة من السلف: سعيد بن جبير وغيره. وجاء عن ابن عباس أنها يمين تكفر، وهذا مشهور عنه: أنها يمين تكفر؛ لأن الله عز وجل لم يذكر اليمين في القرآن، يعني: في الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. فذكر هنا الله عز وجل تحلة اليمين، ولم يذكر يمينا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قد جاء في الحديث الذي ساقه عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام حلف أن لا يأكل العسل، لما تآمرت عليه عائشة وحفصة، وقالا: «إنك أكلت مغافير»، وإنما هو أكل عسلا، فقال: «والله لا آكل العسل». فلَامه ربه جل وعلا، وذكر له هذا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وهو العسل، هذا الذي حرمه. فلهذا صارت يمينا، وهو لم يحلف، صارت تحريم يمين. فلهذا أخذ كثير من أهل العلم، ومنهم من الصحابة، حتى جاء عن الصديق، وعن عمر، وعن عائشة، وعن ابن عباس كذلك، ومن التابعين: عن سعيد بن المسيب، وعطاء، وجماعة من أهل العلم، على أنه يعتبر يمينا، وإن لم يحلف يعتبر يمينا، وإن لم يحلف إذا نوى به اليمين. وأيضا استدل كثير من أهل العلم أن «الحرام» ليس من ألفاظ الطلاق، فلهذا لا يوجب طلاقا، حتى لو نوى، على قول بعض السلف: كابن المسيب، وعطاء، وطاوس، قالوا: أنه كفارة، أنه يمين وليس طلاقا، ولو نوى الطلاق؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق. وهذا قال به أبو ثور والأوزاعي. فلهذه فهذه المسألة لها أقوال كثيرة، والصحيح هو كما ذكرنا: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أيضا عن السلف: عن ابن مسعود، وعن زيد بن ثابت، وعن غيرهم، وهو أيضا ظاهر كلام الشافعي رحمه الله في «الأم». وإلا في المذهب عنده أنه يعتبر طلاقا، في المذهب يعتبر طلاقا، لكن كلام الشافعي في «الأم» يدل على أنه ليس طلاقا إلا إن نواه: إن نواه طلاقا فهو طلاق، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين يكفر عن يمينه. فإذا قال: «أنت علي حرام»، فإن لم ينو طلاقا يكفر عن يمينه. وهناك قول على أنه ليس بشيء، لا يعتبر طلاقا ولا يعتبر يمين، وقد قال به جماعة أيضا من السلف: الشعبي، ومشروع، وغيره. وجاء عن المشروع أنه قال: «ما أبالي حرمت امرأتي أو جفنة من ثريد، حرمت امرأتي أو حرمت جفنة من ثريد»، يعني: طعام، كله سواء، يعني: لا فرق بين هذا وهذا. وهكذا قول الشعبي رحمه الله. وخلاصة الكلام: أن الصحيح أنه إذا قال: «أنت علي حرام»، أو «أنت حرام»، أو «حرام مني أقربك»، فإن نوى الطلاق فهو طلاق، وإن نوى التحريم على نفسه فهو يعتبر تحريما، يعتبر تحريما على نفسه. وإن وقته بوقت فيعتبر مثل الظهار، يعتبر مثل الظهار. لكن هل عليه كفارة الظهار؟ لم يثبت شيء في هذا. وإن كان بعض أهل الحديث يقول: أنه تلزمه كفارة الظهار إذا كان أراد التحريم، أنه لا يأتي زوجته. ومعنى أن زوجته حرام عليه، أو يقول: «أنت علي حرام كأمي»، أو «علي حرام لا أقربك شهرا»، فهنا اعتبره مثل... هو لم يعتبر هنا يمينا ولا طلاقا، وإنما اعتبره تحريما، أنه ما سيأتي امرأته. فالذين يقولون: أن التحريم يمين، يعتبرونه يمينا. ومن قال: أن التحريم لا شيء إلا بحسب النية، فأيضا يعتبر تحريما، مادام أنه وقته. لكن إذا لم يفِ بهذا الوقت، هل عليه كفارة الظهار؟ فهذا أيضا فيه خلاف. فذهب بعض أهل الحديث: أن تلزمه كفارة الظهار إذا كان لم يرد يمينا ولم يرد طلاقا، وإنما أراد التحريم، فوقته بشهر، يقول: «لا أقربك شهرا»، «لا أقربك أسبوعا»، فقال: تلزمه كفارة الظهار؛ لأنه أراد التحريم كالظهار. لكن الصحيح: أنه ليس ظهارا؛ لأن الظهار لا بد فيه من الألفاظ التي جاءت في الشرع. وهذا هنا أراد التحريم. ولهذا: إن كان لم يرد الطلاق، ولم يرد اليمين، فأراد التحريم، فيعتبر أنه أمر لا يجوز، على أنه لا يجوز أن يفعل ذلك، لا يجوز أن يفعل ذلك إلا إن كان يريد مثلا أن يهجر زوجته في الفراش مدة تأديبا، فله ذلك، دون أن يحرم على نفسه، دون أن يحرم على نفسه. فيعتبر التحريم إثما، فيعتبر هذا التحريم إثما. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. وكما قلنا: أن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف، فلهذا يبقى التحريم تحريما، أي: لا يجوز أن يقوله، فإن قاله فهو آثم، والواجب عليه أن يرجع، والواجب عليه أن يرجع. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذه المسائل، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.