المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 11

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 11

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة مولد موسى ونجاته من فرعون

يتناول المقطع قصة مولد موسى عليه السلام ونجاته من بطش فرعون بإيحاء من الله لأمه. رويت روايتين مختلفتين حول نجاته.

لقاء موسى بآسية وزوجة فرعون وعودته لأمه

تروي كيف وجدت آسية موسى في التابوت وأحبته، ورفضت قتله، وبحثت عن مرضعة له حتى عادت أمه إليه. ربط الله على قلب أم موسى حتى صبرت.

تربية موسى في قصر فرعون وما تلاها من أحداث

عاش موسى في قصر فرعون بعد عودته لأمه، ثم تورط في حادثة قتل مصري، وحدثت له مشاكل مع الإسرائيليين، مما أدى إلى هروبه.

هروب موسى إلى مدين ولقاؤه بالفتاتين

هرب موسى إلى مدين ووصل إلى مورد الماء حيث وجد فتاتين، وكان في حالة خوف، واستطلع المكان وتعرف عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. في درس أمس، إخواني في الله، أشرنا إلى عدة مسائل وحوادث متتابعة ظهرت بعدما تطرقنا إلى قصة يوسف عليه السلام، وأشرنا إلى نهاية قصة يوسف، والتي جاءت كاملة في القرآن. وبعد ذلك، استقر بيت النبوة، وهم آل إبراهيم، من أبيهم يعقوب، ومن كان من بنيه وأبنائهم وأحفادهم، أن استوطنوا ديار مصر، واستقبلوا في تلك البلاد، أرض الكنانة، وجلسوا فيها سنوات وسنوات. ثم أشرنا إلى بعض الحوادث التي تذكر ما بين يوسف عليه السلام، أو قل يعقوب، الذي إلى زمن موسى عليه السلام. أشرنا إلى بعض الحوادث، منها بعثة شعيب عليه السلام، إذ أن هذه الفترة هي فترة شعيب المتوقعة، وإن اختلف العلماء في تحديدها، لكنه سيكون بعد يعقوب، وكذلك قبل موسى عليه السلام. وأشرنا إلى الحكم الذي كان عليه في زمن يوسف، حكم المصريين، كان على يد الهكسوس، ثم بعد ذلك تغير حتى صار إلى يد الفراعنة، فتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا. نأتي الآن، إخواني في الله، إلى قصة نبي من أنبياء الله، ألا وهو موسى عليه السلام، والذي يعتبر من أعظم أنبياء بني إسرائيل، وهو كليم الله، وهو أولي العزم من الرسل، ذكر في القرآن ذكرًا لم يذكر نبي مثله. عدد المرات التي ذكر فيها موسى في القرآن مئة وستة وثلاثين مرة. لو نظرت إلى عدة من ذكرناهم من الأنبياء في القرآن، أحدهم عشرين، وخمسة عشر، ومعشر، لكن تصل إلى مئة وستة وثلاثين، هذا فقط في ذكر موسى، ناهيك عن ذكر قومه، ناهيك عن ذكر التوراة، وهي الكتاب المنزل. بعث الله عز وجل موسى في زمن الفراعنة، في زمن فرعون، والذي كان في زمنه يعتبر من أعتى الملوك وأشدهم وأشرسهم، ليس فقط في تعامله مع شعبه، بل كذلك في عظيم جرأته على ربه، إذ أنه كان يدعي الألوهية ويدعي الربوبية: «أنا ربكم الأعلى، ما علمت لكم من إله غيري». ربوبية وألوهية. وكان يبطش، أي ما كان يبطش، وأشر إلى ما كان من بطشه على بني إسرائيل، هؤلاء النبلاء، بني إسرائيل، الذرية الصالحة، الذي كانوا في ذلك الزمن هم الأحفاد والأجيال الذين خرجوا من صلب الأنبياء والرسل. إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وهؤلاء هم بنوه ممن خرجوا من صلبه. كان حق الفراعنة أنهم يكرموا هذا البيت النبيل، أن يكرموا الإسرائيليين، لكن بدل ذلك أهانهم واستضعفهم وأذلهم، وأخذ يذبح أبنائهم ويستحيي نساءهم. الأولاد الذكور يذبحون، وأما النساء يستحيي، على تفسير أنه يبقيهم أحياء للخدمة. فأن يكونوا خدمًا له وللمصريين، فالشاهد أنه استمر الذبح. وكما قلنا، وخاصة أن فرعون بلغه أن من نبوءات الأسباط، من نبوءات بيت النبوة، عن خروج رجل من بني إسرائيل، سيخرج الزمان الذي به تأول إليه الأمور. فحينها استشار فرعون من كان من أهل الشورى في هذه النبوءة، قالوا: نعم، عليها العمل، ولا يزال الناس ينتظرون خروج هذا النبي، اليوم أو غدًا أو بعد غد. فإذن جاءت الفكرة باستئصالهم، بقتل الذكور على الدوام. ثم ظهرت معضلة أن قتل الأولاد سيكون فيها إبطال للأيدي العاملة. ثم كان المقرر أنه يذبح عامًا ويترك عامًا. فكان من لطف الله جل وعلا أنه في العام الذي سمح فيه بإنجاب الذكور ولد هارون، وفي العام الذي فيه الذبح ولد موسى عليه السلام. تأتي الآية أو تبدأ القصة منها هنا، أم موسى حبلت بموسى، ولا تدري بمن حملت بهذا الرسول الكريم الذي في أحشائها. نبدأ ببعض الروايات الشهيرة في هذه القصة. أشرنا إلى أن الرقابة من المصريين على الإسرائيليين كانت شديدة، فالمرأة الإسرائيلية إذا حبلت، فإن المصرية تبلغ عليها لدى السلطات، ويعطى عليها أجر على هذا البلاغ. فيأتي العسكر، قد وقتوا لهذه المرأة، فيذبحون الصبي إن كان ذكرًا، ويجعلونه حيًا إن كان أنثى. علم من أمر أم موسى أنها قد حملت، إذن الحراس والذباحون قد وقتوا لأم موسى متى ستضع. فلا زالت الهواجس تأتي لأم موسى إلى أن وضعت موسى عليه السلام، فكانت خائفة جدًا من أن يُعثر على ابنها الرضيع، فسيذبح. إلا أن الله عز وجل أوحى إليها أن يرضعنه ولا تخاف: «كوني على عادتك، ارضعي هذا الصبي ولا تخافي عليه». وأنه يا أم موسى، إن خفت على ابنك من هؤلاء الذباحين الذين سيأتون على الوقت، لأن كما قلنا الحرس علموا أن هذا الآن أوان ميلاد هذا الصبي، إن كان ذكرًا سيذبح. فأوحى الله إليها أنها إن جاء الحراس، وهؤلاء من يذبح، إن هجموا عليك، كوني مستعدة، بأن اصنعي تابوتًا، وهو صندوق، متى ما سمعت جلبة، ارمي هذا الصغير في التابوت، والتابوت في اليم، في الماء. ما الماء المقصود هنا؟ الماء المقصود نهر النيل. نهر النيل قد أشرنا إلى أن المصريين ومن كان في بلاد مصر كانوا ولا يزالون يعيشون على ضفاف نهر النيل، وكانت بيوت ملتصقة بالنيل. يعني مثلًا لو قدر، هذا بيت، هذا الباب الخارجي للخارج هنا، الفناء، الحوش، هذا الحوش يكون من إذا فتحت تجد النهر تحتك، تجد النهر، تجد الماء يجري. فكانت البيوت ملتصقة بالنهر، يستسقون منها ويشربون. فألهمها الله عز وجل بأن تصنع هذا، متى ما صار ذلك، فافعلي ذلك. فصار الأمر كما كان متوقعًا، هجم عليها الحراس الذين وقتوا ميلاد أم موسى. فما إن سمعت بهم حتى فتحت الباب وألقت ابنها في الصندوق، ورمت به. انظر لهذا الأمر العظيم، ورمت بابنها رميًا في النهر. ثم أوحى الله عز وجل إليها أن لا تخافي ولا تحزني، إن رادوه إليك، لا تخافي غرقًا ولا تحزني من فراقه، سيرجع، سيرجع، سيرجع. فدخل الحراس، بحثوا، فتشوا، نقبوا، فما وجدوا شيئًا، ما وجدوا شيئًا. فراجعوا. هذه رواية من رواة شهيرة في قصة أم موسى مع موسى. في قصة أخرى، يذكرها بعض المؤرخين، أن الله عز وجل، أن أم موسى لما حملت بموسى، لم يشعر بها أحد، ونتحد في الرواية، لم يشعر بها أحد، أخفت حملها إلى أن أنجبت، إلى أن أنجبت. فأخذت صبيها في حضنها ترضعه، ثم استعدت بعملية إخفاء، في أي حالة تكون هناك تفتيش على البيوت، قد أعدت ماذا؟ الذي أعدته، أعدت صندوقًا، تابوتًا، وكان تجعل هذا التابوت عند أي حالة ضرورة. فإذا جاء الحرس، تجعل ابنها الرضيع في التابوت، ثم تجعله على ضفاف النار، الذي هو التابوت مربوط بحبل، مربوط بحبل، ثم تخذب به. فإذا هبت التابوت، لكن معلق بالحبل، فإذا ذهب الحراس، تتأكد من ذهاب، تأتي وتسحب الحبل، ثم تأتي بابنها وترضع. ومرت المرات هكذا، حتى إذا في يوم من الأيام، فعلت نفس هذه الفعلة، رمت ابنها في التابوت، ثم قذفت به. لما دخل الحراس، فخرجوا، فتفاجأت أنها نسيت الحبل، لم تربط هذا الصندوق بالحبل، فذهب التابوت بموسى. على كل هذه الرواية كذلك تذكر، فعنده عدة روايات في هذا الباب. لكن ينبغي أن نعلم أن ما جاء في القرآن به مصرح، أن الله أوحى إلى أم موسى، والوحي هنا من باب الفائدة، ليس وحي نبوة، وإنما وحي إلهام. فالله عز وجل كان يلهم أم موسى بهذه الأمور، بصنع التابوت، وبقذفه، ووضعه في اليم. وهذا الوحي لا يستلزم النبوة، لأن على القول الصحيح، الأنبياء إنما يكون من جنس الرجال، ما عندنا امرأة نبيًا. هذا هو القول الصحيح، قد ذكر ذلك ربنا سبحانه وتعالى في القرآن. إذن نقف إلى هذا الحد، ننتقل الآن إلى التابوت، التابوت الذي فيه موسى يمشي على نهر النيل، نهر النيل يذهب شمالًا، ويمر تحت قصور فرعون. لأن نهر النيل كان قصور فرعون وقصوره كانت مبنية وتجري تحتها الأنهار، كما جاء ذلك مصرحًا. وهذه الأنهار تجري من تحتي، أي نهر النيل يجري من تحتي، كان يفتخر بهذا. فكان نهر النيل يجري من تحتي قصر فرعون. كانت هناك جواري، جواري من جواري القصر، وهم على ضفاف نهر النيل، فتفاجأوا بهذا التابوت، فأخذوا هذا التابوت ورفعوه لزوجة فرعون، وهي آسية بنت مزاحم. فما إن رأت هذا الطفل إلا وتعلق قلبها به، وهذه آية من آيات الله في حق موسى: «وألقيت عليك محبة مني»، فكان موسى من لقى يحبه. وألقيت عليك محبة مني، فكان من المحبة ما قدفه الله جل وعلا في قلب زوجة فرعون. فلما رأت الصبي، سرعان ما تعلق قلبها بهذا الصبي. لكن خبر انتشر في القصر أن هناك صبيًا، أن هناك وجدنا طفلًا، فجاء من؟ أصحاب الذبح، جاء الزباحون، لأن عندهم أوامر صارمة: طفل يذبح، يذبح. فجاءوا إلا أن هذه المرأة امتنعت، قالت: لا تقتلوه، فإيش تقتلوه؟ من؟ لا، هذا ما يقتل. فقلوا: هذا هبة من السماء، رحمة وصلت لي، ما سأتركه. فانأخذ التجري حتى دخلت إلى فرعون، ومنعت من أن هذا الصبي يخضع لنظامه، بل استلطفت، وقد قرة عين لي ولك، عسى أن ينفعنا إذا كبر، أو نتخذه ولدًا. هنا أثر لابن عباس، لما قالت زوجة فرعون: «قرة عين لي ولك»، رد عليها فرعون قال: «أما لك فنعم، أما لي فلا، قرة عين لي لا أعلم أنا بحاجة إليه». قال ابن عباس: لو أنه قال: «نعم، قرة عين لي ولك»، لهداه الله. لكن أب الشقي، قال: «أما لك فنعم، أما أنا لا، ما تقر عيني بهذا». فبهذه الشفاعة ترك هذا الطفل، وهو موسى عليه السلام، في حضن آسية بنت مزاحم، زوجة فرعون. لكن ما لبث موسى إلا وبدأ بالصياح وبدأ بالبكاء، لماذا؟ يريد الطعام، يريد اللبن، يريد الرضاعة. فسارعت زوجة فرعون وتنادي من في القصر من المرضعات: «تعالوا ارضعوا هذا، ارضعوه». لكن كلما أقبلت امرأة لكي ترضع موسى، ما كان يقبل الثدي، وحرمنا عليه المراضع. سبحان الله، ما قبل أحد. هنا وجدوا أنه لا طائل من هذا، القصر ما فيه أحد يغني، إذا سيموت. فخرجوا، قامت زوجة فرعون وأخذت لباسها وأخذت الجواري، وقالت: «نخرج نبحث عن مرضعة، وليس يموت علينا هذا الولد». فخرجوا إلى الخارج وأخذوا يدورون على البيوت، بيتًا بيتًا، يتخمنون البيت الذي يمكن أن فيه امرأة مرضعة ترضع هذا الصبي. نقف هنا، ونرجع إلى أم موسى. أم موسى، على الرواية الشهيرة، لما قذفت بابنها إلى نهر النيل، خوفًا عليه بعد إيحاء الله لها لكي ينجو من مسألة الذبح، بعدما خرج العسكر، أصبحت ماذا؟ تبحث عن ابنها، تبحث في النيل، تبحث هنا، فلم تجد له أثرًا. فأصبح قلبها كما عبر القرآن فارغًا، فارغ من كل شيء إلا من موسى، وين موسى؟ وين ابني؟ كيف هو؟ وين ذهب؟ أين؟ فأصبح فقط هو شغلها الشاغل. ثم أخذت لما وجدت هذا الأمر، كادت أن تفعل أمرًا عظيمًا، إن كادت لتبدي به، لولا أن ربطنا على قلبها. لما وصل بها الأمر إلى حد الانفجار، ماذا كانت ستفعل؟ تصيح، تصرخ، من وجد طفل؟ من وجد طفل في النهر؟ هل وجد أحد رضيع في التابوت؟ ستتكلم بهذا. هذا الكلام سيضرها، بل سيضر من ابنيها، لأن الناس الذين في القصر سيعلمون أن هذا الطفل خرج من بني إسرائيل، وأن هذا ليس كما تدعي هبة السماء، بل هذا رجل إسرائيلي. فحين سيذبح مباشرة. لكن الله ربط على قلبها، إن كانت لتبدي، كتصرخ، وتنادي عند الجيران: من وجد؟ من عثر؟ من حصد؟ لكن الله ربط على قلبها، فصبرها، فسكتت، وسكنت، فما أظهرت الذي في نفسها. ثم أخذت تأمر ابنتها، وهي أخت موسى، أن تقصيه، قصيه بمعنى تتبعي. وأمرت ابنتها، وهي أخت موسى، أن تقصيه، قصيه بمعنى تتبعي، اذهبي يا بنت، واخرجي، وامشي هكذا، انظري هنا، وامشي يسارًا، وربما تمسك في ضفاف النهر الشرقي أو الغربي، ابحثي. فأمرت ابنتها أن تذهب وتبحث عن أخيها موسى عليه السلام. فلما خرجت هذه الأخت، ما الذي عثرت؟ خرجت وجدت جماعة من النسوة، ومن هن أهل القصر. سنرجع إليهم الآن، الذين خرجوا بموسى يبحثون عن مراضع، يقمن بإرضاع موسى، الذي ما سكت من الصياح لشدة جوعه. فذكر ربنا جل وعلا، واصفًا هذه الأخت، وما كان من فطنتها. لما رأت المنظر، علمت أن هذا هو موسى، أصبح بين أيدي الجواري، وأنهن يبحثن عن مراضع. فقال ربنا جل وعلا: «فبصرت به عن جنب»، ما معنى فبصرت به عن جنب؟ قال العلماء: من يقول جنب، أي عن بعد، من بعيد. رأت هذا التجمع، وذهبت جماعة من أهل العلم: «فبصرت به عن جنب»، أي أنها نظرت إلى هذا الموقف، نظرت المار، نظرت من لا يهتم، يعني شافت دوشة هذه ومشت هكذا، يعني كأنها ما تبالي. كأن أمر لا يعنيها، كأن هذا ليس بأخيها، وهذا من عظيم فطنتها، ما أرادت أن تجمع الشكوك عليها، ولا على بيتها. فأتمشي هكذا، كأنها غير مهتمة، وتمشي، ثم تدنو، وتدنو، إيش معكم هنا؟ قال: والله معنا هذا الطفل، نفتح. فأخذ تمشي معهم، تمشي معهم، يقرعون هذا الباب: «أخي عندنا طفل يصيح». فقامت حينها، ابتكرت هذا الطلب، وهذا الخطاب، قال: «هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون؟». تريدون أحدًا؟ أنا سأعينكم في هذا الباب، لوجه الله، وإي أخته. لكن الفطنة، الفطنة: «هل أدلكم؟» تريدون خدمة مني؟ أنا والله أعرف ذلك، إن شاء الله يكون ينفع، قموا معي. فقاموا معه، فأدخلوه على ماذا؟ على أمه الحقيقية، وهم لا يشعرون. فلما جاءت به، وحضنته، وألقمته الثدي، إذ به يلتقم الثدي، ورضع منها. حينها استبشر الجميع، زوجة فرعون استبشرت، أخيرًا وجدنا مرضعًا لهذا الطفل. ففرحت أيما فرح، وأم موسى أشد فرحًا منها. فرددناه إلى أمه، كي تقر عينها، ولا تحزن، كما وعد الله: «إن رادوه إليك». فأرجعها الله سبحانه وتعالى إلى بيت أمه، فأخذ يرتضع منها. إذن عثروا على المرضع، بين قوسين أمه الحقيقية، وهم لا يشعرون. طبعًا تم الاتفاق، في رواية تم الاتفاق على أن موسى يبقى عند أمه المرضعة في بيتها، لأن أم موسى رفضت أن تذهب عند تعيش في القصر، وأحبت أن تبقى في بيتها. فوافقت زوجة فرعون على هذا الطلب: «أبقي الطفل عندك، وارضعيه، وبالمقابل كل شيء على حساب فرعون، كل شيء: الأكل والشراب والهدايا والأجرة». لأن عاملوا على أنها مرضع مستأجرة. فكان يعطونها أجرة، والأموال والهدايا والأثمان والطعام، كل شيء على حساب فرعون. فكانت أمه تعطيه، تعطي ابنها من اللبن، ويأتيها الأموال الكثيرة، إلى أن انتهت المدة، مدة الفطام، مرت سنتان. ثم جاءت زوجة فرعون، قد آن الأوان أن ينتقل هذا الطفل إليها، ينتقل هذا الطفل إليها. وهكذا تحول موسى عليه السلام إلى بيت فرعون، إلى قصره، يأكل من أكله، ويعيش بمعيشته، وينام على فراشه، ويتغذى من أطعامه. وفرعون ماذا يفعل؟ يقتل الأولاد هناك، يقتل، يذبح، لماذا؟ خشية الذي سيخرج ويأخذ ملكه، وأين هو موجود؟ على فراشه. سبحان الله، آية من آيات الله، تدبير عظيم عجيب من الله عز وجل. يذبح الأبناء، يقتل، يقتل ليل نهار، وهذا الطفل الذي يبحث عنه موجود في فراشه. فمكث موسى عليه السلام سنوات، الله أعلم بها، لأن الله قال عن فرعون: «ويجادل موسى بعد أمد، ولبثت فينا من عمرك سنين». سنين، أن تعايش بيننا، فالله أعلم بهذه المدة. أبعًا صارت مجريات قصة، أو من تلك القصة، حديث الفتون، عن ابن عباس، أن لما دخل موسى، وهو في هذا العمر، في عمر السنتين، لما دخل بعد الفطام. فرحت آسية زوجة فرعون بدخوله إلى القصر، وأمرت جميع من في القصر أن يقدم الهدايا والتحف والأموال، إكرامًا لهذا الطفل، سيعيش في بلاط الملكيين، فلابد أن يكرم. فأعطوه الناس ما أعطوا من الهدايا الثمينة، حتى أدخل إلى فرعون. فلما أدخل على فرعون، وجعل في حجر فرعون، إذ بموسى يمسك باللحية فرعون، ويجر، فأسألة عادية، طفل يجر لحية كبيرة. لكن الحاشية تشاؤموا، وذكروا فرعون بالنبوءة، بأن طفلًا من بني إسرائيل، من علاماته أنه سيصرعك، ولا تستبعد أن يكون هذا. هنا أمر بالذباحين، أمر بهم. فلما علمت آسية بإرادة فرعون بأن يذبح ابنها الذي هو بالتبني، تدخلت، ما لك؟ تشفع عنه، طفل، اشفع عنه. قال: أخبر أن من عنده يتشاؤمون من هذا، وأن هذا نقش منه، ما يستبعد. فحين وجدت آسية لابد من حل، نجعل له حلًا. الحل أن يؤتى بجمرتين، وبلؤلؤتين، فننظر إلى أيهما يختار، إن اختار اللؤلتين، نعلم أن هذا الطفل يعقل، فبك، فبك، افعل به ما شيء. وإن اختار الجمرتين، لا يعقل، لا يعقل، يعني عقلك الطفل. فقربوا هذا، أثر ابن عباس، فقربت له الجمرات واللآلئ، فإذ فأوحى الله عز وجل إلى موسى أن تمتد يده إلى الجمرتين، إلى الجمرتين، هداه الله إلى هذا. فحين اطمأن فرعون إلى أن هذا الطفل ما يعقل، فذهب الشكوك، الشكوك الذي كانت في ذهنه. الحاصل، عاش موسى سنوات، هذه المرحلة، عاشها موسى، بعد ذلك لم يأتي لنا فيها نص، كيف عاش؟ كيف تربى؟ هذه الفترة الله أعلم. حتى وقعت هذه الحادثة، وموسى قد أصبح كبيرًا. كما قلنا، هذا العمر من بعد السنتين إلى هذا العمر، ما ندري الذي صار. أول قصة وقعت لموسى عليه السلام، ما حكاه ربنا جل وعلا عن ذلك اليوم. خرج موسى ذات يوم، في وقت وصفه ربنا جل وعلا: «على حين غفلة من الناس، على حين غفلة». خرج المدينة، على حين غفلة من أهلها، على حين غفلة، أي في وقت ما هناك أحد من الناس، يعني بعض قالوا: العلماء لعلم من وقت الظهيرة، الناس في بيوتهم، ما هناك أحد. قيل ليلًا، لكن الظهيرة قد تكون أقرب للصواب، فالله أعلم. لكن على حين غفلة، ما هناك أحد يمشي. فبينما موسى يمشي، إذ سمع ورأى تشاجرًا بين من؟ بين إسرائيلي وبين مصري، قبطي، يتشاجران، يتعاركان. فإذ بالإسرائيلي لما رأى موسى قد مر، إذ به يستنجد به: «يا موسى، أدركني، يا موسى، أدركني، تعال، تعال، تعال، وأخلصني من هذا الذي يعتدي عليه». فقام موسى عليه السلام وأتى لكي ينصر هذا الإسرائيلي. فماذا فعل؟ قام ووكز المصري، هم أراد أن يقتله، أراد أن يبعده، بتاع يا خيب، بتاعد، ضربه، قيل بكفه. فوكزه موسى، فقضى عليه، مات، مات مباشرة. وكانت هذه قوة عند موسى عليه السلام، قوي. ما أراد أن يقتله، فأراد أن يبعده، أعطاه لكمة إبعاد، حتى ينفض المجال، أعطاه دفع تأديبًا له. فإذ بهذا المصري قضى نحبه ومات. فحينها علم موسى أن هذا من عمل الشيطان، ما أراد موسى أبدًا أن يقتل نفسًا بهذه الطريقة، بهذه الطريقة. هذه الحادثة على إثرها، ماذا أصبح شأن موسى؟ أصبح في المدينة خائفًا يترقب، خائف في المدينة، خائف، يتوجس، لأنه هناك جثة، ما أحد يعلم بها، ما يعلم بها إلا موسى والإسرائيلي هذا. والله يطلع عليهما، الإسرائيلي علم، سكت وراح، وموسى راح. وأصبحت الجثة، وتنادى الناس: جثة مصري توفى، مصري قتل، من القاتل؟ من؟ من؟ وأخذ الناس ينشرون الخبر عن قتل هذا المصري. وأخذوا أياما وليالي يبحثون، وموسى يرقب الأخبار: هل أحد اطلع؟ هل أحد علم؟ ما أحد علم بشيء. لكن ما هي إلا مدة يسيرة، ليالي وأيام، ووقعت حادثة مثيلة لهذه الحادثة. خرج موسى عليه السلام في يوم من الأيام، إذ بشجار وقع، فالتفت موسى إلى هذا الشجار، إذ بماذا؟ بالإسرائيلي الذي بالأمس ساعده، هو بنفسه يتقاتل مع من؟ يتقاتل مع مصري. ولما رأى هذا الإسرائيلي موسى، من الذي اتكأ عليه ونادى: «يا موسى، يا موسى، أدركني، يا موسى، نجد، انقذني». استنجد به، استنجد به. فهذا كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى هنا، انتبه لهذه المسألة الثانية. السؤال أول قبل هذا: الذي يقع في النفوس، كيف أن هذا الرجل الإسرائيلي لماذا يستعين بموسى؟ موسى من قصته، ما أحد يعرف عن أصله، وجد في نهر، أخذ وتربى عند الفراعنة، حتى كان مشروع لهم من أبناء فرعون، من البلاط الملكي، ما له علاقة ببني إسرائيل. السؤال هو: كيف إسرائيل هذا يستنجد به موسى؟ لماذا موسى؟ ما الذي عرف هذا الإسرائيلي عن موسى؟ هنا السؤال المشكل. قال العلماء: إجابة، أن الإسرائيلي إنما استنجد بموسى، لماذا؟ لأن بني إسرائيل يرون أنهم على موسى منه، ما هي المنة؟ ما هي المنة؟ من الذي أرضعته إسرائيلية، هذا الظاهر في القصة، لما خرجت زوجة فرعون بابنها، من الذي تكفل بإرضاعه؟ إسرائيلية. فكان بنو إسرائيل يرون أنهم أخوال موسى من الرضاعة، يرون أنفسهم أخوال موسى من الرضاعة. فيرون أنهم لهم من على موسى، أمك إسرائيلية من بني إسرائيل. فكانوا بهذا يتكيؤون على موسى، وكان موسى يعترف بفضلهم، يعترف بفضلهم. ولهذا كان لهذا الإسرائيلي المرة الأولى والثانية يستنجد بموسى. وهذا قول، وقال الثاني: أن موسى لما كبر، ظهرت عليه ملامح بني إسرائيل، ظهرت عليه ملامح بني إسرائيل. وفي هذه القصة ما يكون بين التناوش بين الإسرائيلي والمصري، إشارة على أن الإسرائيليين مختلطوا بالمصريين. مرت ستمائة سنة من لدن يوسف عليه السلام، أدخل بني إسرائيل إلى داخل مصر، إلى قصة موسى، ستمائة سنة. وبنو إسرائيل هم قد استقلوا بهويتهم، ما اختلطوا بالقبطيين، ما اختلطوا بالمصريين، حافظوا على هويتهم، يعرفوا أنفسهم منهم، هم من ذرية الأنبياء والرسل. هم من نسل يعقوب، من نسل إبراهيم، من بيت النبوة، فحافظوا على هويتهم، ما تنازلوا عنها. نعم اختلطوا مع المصريين في العمل، في الشغل، في البناء، اختلطوا، لكن في الأنساب، كان الإسرائيليين قد حافظوا على أنسابهم. ولهذا كان هناك التمييز بين الإسرائيلي وبين المصري القبطي. الحادثة الثانية وقعت كذلك، متشاجر بين الإسرائيلي الذي بالأمس، وبين هذا القبطي، الإسرائيلي أخذ ينادي موسى: «يا موسى، أدركني، يا موسى، أدركني». حينها قام موسى، والقيام الثاني، أراد موسى أن يقضي، وأن يبطش بمن؟ بالذي هو عدو لهما، المصري، عدو لموسى والإسرائيلي. المصري عدو، التاريخ المصريون، ما الذي فعلوا في بني إسرائيل؟ اقتلوهم، ذبحوا الأولاد، هذه جرائم ما تنسى. مجازر، تخيل كان هذا الشعور، تلك من الأول يفرح بهذا؟ يقتلون، تخيلتهم بجثة إنسان، صبي يذبح، رأسه يخطع، رأسه، وتسبى النساء، وتأخذ الأموال، جرائم. فكان هؤلاء أعداء للبشرية، كما يقال: مجري بحرب. وكانوا موافقون على هذه الأفعال، فهو عدو المصري، مهما كان، كان عدو لبني إسرائيل. وهكذا عبر القرآن: موسى في المرة الثانية، لما رأى هذا، بالأمس أصبح يناديه، المرة الثانية: «يا موسى، أدركني، يا موسى، أدركني، تعال». فجاء موسى، وموسى لما أتى، انتبه كان في قصده، ونية أن يبطش، أن يؤدب الذي هو عدو لهم، بالمصري، يؤدبه. لكن هنا ماذا؟ انتبه للإشكال، موسى توجه للجميع للحادثة، وكان قلبه وفعله سينهمر على المصري. لكنه مع إتيانه كان يلتفت لمن؟ للإسرائيلي، ويقول له: «إنك لغوي مبين»، يعني إيش؟ مشاكل، يا أخي، مشاكل، مشاكل، إنك لغوي، أنت صاحب مشاكل، صاحب مشاكل. موسى يوجه الكلام لمن؟ للإسرائيلي، يعاتبه. يعني: يكفيك، يكفي إلى هذا الحد. وكان في نية موسى أن إن وصل سيبطش بمن؟ بالمصري. الإسرائيلي فهم غلط، ما الذي فهم؟ لما رأى أن موسى متوجه، ويوجه الكلام، قال: موسى شكله جاي عندي، اليوم عندي الدور. وأن موسى الآن مذن، قال: «إنك لغوي وهددني»، شكل اللطم سيأتي علي، لطمة واحدة من موسى سيقتلني، كما قتل ذلك من المصري. فماذا فعل الإسرائيلي؟ هرب، هرب من الحادثة، ومن المحل. لكن موسى لما هرب الإسرائيلي، ما الذي فعل؟ ذناء المصيبة، أنه اعترف، وصرح بما صار في حادثة أمس، قال: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس؟» خرج الكلام، ما أحد يدري بالمقتلة التي صارت بالأمس. ما أحد يدري بها، إسرائيل لما فهم عكس الكلام، هرب، وأصبح يصرح: «هاي موسى تقتلين مثل أمس، المصري سمع أنت القاتل، يا موسى». فطار بها المصري، وأخذ يشيع في المصريين أن موسى هو القاتل. فانتشر الخبر، واجتمع الملأ، واجتمع الأعيان، واجتمع الناس على إثر هذا الحادث، بالاعتراف هنا، موسى هرب، لأن الخبر انتشر، بالأمس ما أحد يدري، أما الآن فأصبح الناس يدرون. فإذ بالملأ، الكبراء والزعماء والوجهاء، اجتمعوا مباشرة على إثر هذا الاعتراف، وقرروا ماذا؟ انزال الحكم القاسي على موسى، أن يقتل، يقتل النفس بالنفس، مهما كان. فبينما كذلك موسى في غفلة، إذ جاءه رجل يسعى، جاء من بعيد يسعى، وكأنه من الوجهاء، من بني فرعون، لكن كان فيه خير، فقال: «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلك، فاخرج، إني لك من الناصحين». فر، اخرج، يا موسى، لا تبقى، الجماعة لا موراي، خططوا، سيأتون بقتلك. فحينها ما كان من أمر موسى عليه السلام إلا أن خرج من مصر، وهرب منها، حتى لا يدرك فيقتل، عليه السلام. هنا موسى عندما خرج من مصر، أين ذهب؟ أخبر ربنا جل وعلا أنه توجه إلى أرض مدين. ولما توجه تلقاء مدين، مدين قد مرت معنا، أين محلها الجغرافي الآن؟ أينما كان مدين في الأردن، مدين قريبًا من بلاد الأردن. فمر موسى وخرج إلى مصر، ودخل إلى سيناء، ووصل إلى مدين، قدرت هذه المسافة بألف ومئتين كيلو. خرب بها موسى هروبا من بطش من؟ الفراعنة، لأنهم إن أدركوه سيقتلوه عليه السلام. هنا ننتقل، الإخوان في الله، إلى ما وقع في أرض مدين. موسى عليه السلام وصل إلى أرض مدين، أرض غريبة، لا يعرفها، عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ما يدري أين سيفعل، ومن الذي سيفعل، ومن الذي سيلاقي هناك. أول ما دخل، وهذا الذي معتاد عند الناس في تلكم الأيام، من دخل بلدة يأتي إلى محل الماء، إلى مورد المياه. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: «فلما ورد ماء مدين»، أول محل وصل إليه، إلى محل الماء. هناك سيجد أناسًا، سيجد أشخاصًا، سيجد محل الاختسال، ومن ثم سأسأل. فلما ورد ماء مدين، وجد عليها أمة من الناس يسقون، ناس كثير، رعاع، ومعهم أغنام وأبقار، وحيوانات. لكن شد انتباهه أنه وجد فتاتين تذودان عن أغنامهما، معنى تذودان: أن كان هذا المحل سقيا الأغنام، من كان عنده غنم يأتي بغنمه ويسقي. لكن وجد موسى أن هاتين الفتاتين على بعد، ويذودان عن أغنامهما. فاستغرب موسى، قال: «ما خطبكما؟ أنتم جئتما