تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 12

تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 12

الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير السعدي 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية البيعة والولاء والبراء

تفسير الآيات المتعلقة ببيعة النساء للنبي وشروطها، والولاء والبراء ونهى الله عن تولي الكفار. أكد على طاعة ولي الأمر في المعروف.

تحذير الله من تولي الكفار وعداوتهم

يحذر الله المؤمنين من تولي الكفار ويبين أن عداوة الكفار لأهل الإسلام يجب أن تكون سببا لعداوة المسلمين لهم. يشير إلى أن إبراهيم ومن معه كانوا قدوة في ذلك.

أحكام التعامل مع الكفار والمرتدين

بيّن الله أحكام التعامل مع الكفار مثل جواز الإحسان إلى الجيران ولو كانوا كفارا، وقبول هداياهم، وأحكام هجرة النساء الكافرات وامتحانهن.

ختام الدرس والدعاء وشكر الله

يعبر عن الرغبة في الاستفادة من العلم المكتسب ويشكر الله على نعمه. يُظهر التوجه الدعوي والاعتراف بنعم الله ويعبر عن الامتنان للآخرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أخذنا بالأمس في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها النبي وإذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾. وقفنا عند قول الله جل وعلا: «ولا يعصينك في معروف». قال العلامة سعد رحمه الله: أي لا يعصينك في كل أمر تأمرهن به، لأن أمرك لا يكون إلا بمعروف. ومن ذلك طاعتهن لك في النهي عن النياحة، شق الجيوب، وخمش الوجوه، والدعاء بدعوى الجاهلية. ولا يعصينك في معروف، أي مما أمرتهم به. فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا بالمعروف. وفيه كذلك أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي ولي الأمر في معروف، وفيه أمر من أمر الشرع أو أمر الشرع أو من الخير أمر به، فإنه يتابع على ذلك. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف». إنما الطاعة في المعروف. وأما إذا أمر ولي الأمر بمعصية، فإنه لا سمع ولا طاعة لأحد في معصية الله. قال: «فبايعهن»، أي التزمن بجميع ما ذكر، أن إذا التزمنا بجميع ما ذكر، أن لا تشرك بالله شيئا، ولا تسرق، ولا تزني، وغيرها من هذه الأشياء التي جاءت في هذه البيعة. فإن وافقت على هذا، فإنه يبايعها النبي عليه الصلاة والسلام يبايعها بقوله، كما تقدم معنا، بخلاف الرجال، فيبايعهم بالمصافحة. أما النساء فبالكلام. وقال كما في حديث أميمة بن رقيق قالت: يا رسول الله، لما لا تصافحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء». وقولي لمرأة كقولي لمئة، أو قال: وقولي لمرأة واحدة كقولي لمئة مرأة. معنى أنه أقول بالكلام، وهو للجميع. فلهذا فهذه البيعة العظيمة كانت تسمى «بيعة النساء». ولهذا جاء في الحديث، حديث عبادة، قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء». قال في قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يأسوا من الآخرة كما يأس الكفار من أصحاب القبور﴾. قال رحمه الله: أي يا أيها المؤمنون، إن كنتم مؤمنين بربكم ومتبعين لرضاه ومجانبين لسخطه، لا تتولوا قوما غضب الله عليهم. وإنما غضب عليهم لكفرهم، هذا شامل لجميع أصناف الكفار. وهنا نلاحظ أن الله عز وجل بدأ بأنهى عن تولي الكفار، وأيضا نهى هذه السورة أو أنهى هذه السورة بأيضا أنهي عن تولي الكفار. وهذا يدل على أن هذه السورة هي في هذا الباب، في باب الولاء والبراء. فذكر أولا في البداية أنهي، ثم ذكر بعد ذلك. قال: «لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يأسوا من الآخرة»، أي قد حرموا من خير الآخرة، فليس لهم منها نصيب. فاحذروا أن تولوهم، فتوافقوهم على شرهم وشركهم، فتحرموا خير الآخرة كما حرموا. قد يأسوا من الآخرة، أي من أجر الآخرة، لأنهم على شرك وعلى أيضا معصية. وقوله: ﴿كما يأس الكفار من أصحاب القبور﴾، حين أفضوا إلى الدار الآخرة، وشاهدوا حقيقة الأمر، وعلموا علم اليقين أنهم لا نصيب لهم منها. هذا معنى لما أفضوا إلى الآخرة، أي هؤلاء أصحاب القبور من الكفار، وشاهدوا حقيقة الأمر، علموا علم اليقين أنهم لا نصيب لهم من العجر ومن الخير الذي يجده أهل الإيمان، فهم قد يأسوا من الآخرة. كما يأس الكفار من أصحاب القبور، أي هؤلاء الكفار الذين هم في القبور قد يأسوا من الخير، قد يأسوا من الخير الذي سيدركه وسيتحصل عليه أهل الإيمان. قالوا: يحتمل أن المعنى قد يأسوا من الآخرة، أي قد أنكروها وكفروا بها. قد يأسوا من الآخرة، أي قد أنكروها وكفروا بها، فلا يستغرب حينئذ منهم الإقدام على مساقط الله وموجبات عذابه. وإياسهم من الآخرة كما يأس الكفار المنكرون للبعث في الدنيا من رجوع أصحاب القبور إلى الله. لأن الكفار قد يأسوا من الآخرة، أو هؤلاء قد يأسوا من الآخرة كما يأس الكفار من أصحاب القبور، أي لأنهم يعلمون أن هؤلاء أصحاب القبور إذا ماتوا لا يلتقون بهم، تعتقدون أنهم لا يلتقون بهم لأنهم ينكرون البعث، لأنهم ينكرون البعث. فلهذا ينهاهم الله عز وجل عن تولي هؤلاء حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر بالله والكفر باليوم الآخر والبعث والنشور. فلهذا حذرهم الله عز وجل: ﴿لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يأسوا من الآخرة كما يأس الكفار من أصحاب القبور﴾. وهذا خلاصة ما ذكره الله عز وجل في هذه السورة. فأراد أن استخلص الله عز وجل هذا الأمر، وهو أنه يحذرهم أشد التحذير من موالاتهم للكفار، يحذرهم أشد التحذير من موالات الكفار الذين يأسوا من الآخرة وأنكروا البعث. فأنتم أيها المؤمنون ليس مثلهم، أنتم تؤمنون بالله وتؤمنون بالآخرة. فإن جار جار جار، فإن جاريتموهم على ما هم عليه، فإنكم قد تقعون فيما وقعوا فيه. ﴿لا تتولوا قوما غضب الله عليهم﴾. وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير هذه السورة. وخلاصة هذا التفسير لهذه السورة أن الله عز وجل بين عداوة الكفار لأهل الإسلام، وأنه يجب أيضا على أهل الإسلام أن يعادوا هؤلاء الكفار ولا يتولونهم أبدا، ولا يلقون إليهم المودة بشتى أنواعها. ليس لهم مودة من باب محبة ما هم عليه، محبة ما هم عليه، سواء كان من عادات أو من دين أو من غيره. لا يحب ما عند الكفار، المؤمن لا يحب ما عند الكفار، بل يبغضهم ويبغض ما عندهم من الكفر ومن العادات التي هم استمرؤوا عليها. ثم ذكر الله عز وجل أن أهل الإيمان قد اقتدوا لهم قدوة عظيمة، وهو إبراهيم ومن آمن معه، حينما تبرأوا من الكفار وبدأ بينهم وبين الكفار العداوة والبغضاء. قالوا: أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده، يعني ليس هناك مفر من هذه العداوة، مفر من هذه العداوة حتى ترجع إلى الله جل وعلا، وإلا سنعاديكم ونبغضكم. وهكذا المؤمن يبغض الكفار ويعاديهم حتى يؤمنوا بالله جل وعلا وحده. فجعل الله عز وجل نبي الله عز وجل إبراهيم ومن معه من أهل الإيمان قدوة. ثم نبه أنه لا يقتدى بإبراهيم في استغفاره لأبيه، لأنه كان عن موعدة وعدها إياه. ثم بعد ذلك ذكر ربنا جل وعلا أنه قد لا يغلو الإنسان في مسألة العداوة لأنه قد يرجع الله عز وجل هؤلاء الكفار ويسلمون. فلهذا لا يعاديهم لأجل شيء من الدنيا، ولا يعاديهم لأجل أمور تحصل بينهم، وإنما يعاديهم للدين. فإذا تمسكوا بدين الله وأسلموا فهم إخواننا لنا، كما قال الله عز وجل: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين. فلهذا إذا رجعوا فهم إخواننا. ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم﴾. ثم بيّن ربنا جل وعلا بعض الأمور التي لا تدخل في هذا الباب من المعاملات مع الكفار من البر والإحسان والصلة. فقد أيضا يكون هناك صلة بين الأرحام، وأيضا كذلك إحسان بين الجيران ولو كانوا كفارا ما لم يكن معادين محاربين. فيكون بينك وبينهم إحسان كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك مع بعض اليهود. وكذلك أيضا الصلة بينك وبينهم بالهدايا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل هدايا الكفار، فأعطاه المقوقس ماريا القبطية، وأعطاه أيضا كذلك أشياء، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم. ففيه أيضا ما في شيء أن الإنسان يقبل هدية من الكفار ويهدي إليهم إذا كانوا ليسوا بحربيين. فإذا حصل مثل هذا لا بأس، وهذا من القسط والعدل أيضا بينهم والإصلاح بينهم، فهذا كله جائز. ثم بينا ربنا جل وعلا أمورا من هذا الباب، وهو ما جاء في هجرة بعض الكفار بعد صلح حديبية، أي خاصة من النساء. وأن الله عز وجل لم يدخل أمر النساء في الصلح لأن أمرهن غير، فالرجل يستطيع أن يصبر على الأذى، أما المرأة فقد لا تستطيع أن تصبر. فلهذا أخرجهن الله عز وجل من الصلح الذي حصل بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الكفار. وبين العلة ربنا جل وعلا أنه قال: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾. أن لو كانوا من أهل الإسلام فرجعنا إلى الكفار، لا يجوز لهن أن يبقين مع الكفار. العان المرأة المسلمة إذا كانت عند رجل مسلم ثم ارتد، فهنا لا يجوز لها أن تجلس في بيته. لا يجوز لهن تجلس في بيت هذا الكافر والمرتد الآن. بعض الناس مثلا يسب دين الله أو يكفر بشيء أو يتارك الصلاة، فمثل هذا لا يجوز المرأة أن تجلس عنده وتجلس معه في بيته. بل أنه إذا كان يسب دين الله عز وجل فهو كافر، لا يجوز المرأة أن تجلس في بيته ولو لحظة واحدة، ولا يجوز لها أن تمكنه منها لأنها إذا مكنته منها يعتبر زنا. فهو كافر لا يحل له هذه المرأة. إن سبى الدين أو سبى الله عز وجل رب العزة أو سبى نبي الله صلى الله عليه وسلم أو استهزأ بدين الله، فيعتبر مرتد من الأحكام أن المرأة لا تجلس معه. فلهذا قطع الله عز وجل العلاقة الزوجية بين المرأة المسلمة مع الكافر. وأجاز الله عز وجل أن يتزوج الرجل المسلم من امرأة نصرانية أو يهودية أو كتابية. وأما المرأة المسلمة فلا يجوز لها أن تتزوج رجلا كافرا مهما كان. فلهذا نهى الله عز وجل عن هذا. فجئنا كثير من النساء من مكة مهاجرات، فأمر الله عز وجل بامتحانهن، أي هل هجرتهن لأجل دين الله أم أنه لأجل أمر آخر من النفور من الزوج أو الغضب من الزوج أو شيئا آخر من أمور الدنيا. فإذا تبين لهم أنها جاءت لأجل الإسلام، فإنه بعد ذلك يبايعها النبي عليه الصلاة والسلام على ما ذكر في هذه البيعة. ثم بعد ذلك ختم الله عز وجل هذه السورة بقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يأسوا من الآخرة كما يأس الكفار من أصحاب القبور﴾. فلا تتولونهم أبدا ما دام أن الله قد غضب عليهم لأنهم ينكرون البعث وينكرون الآخرة. فكيف تكونون معهم وتودونهم؟ وأيضا تتولونهم؟ نهى الله عز وجل أن تولي هؤلاء الكفار. فهذا خلاصة تفسير هذه السورة. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا. والحمد لله رب العالمين. وجزاكم الله خيرا.