الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 614

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 614

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 614، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الوسوسة وحديث ابن عباس

شرح حديث ابن عباس عن رجل وسوس له الشيطان حتى كاد أن يتكلم بأشياء فظيعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". هذا يدل على أن الوسوسة التي لا يتكلم بها الإنسان لا تعتبر إثمًا.

وسوسة الشيطان وتأثيرها على الإنسان

يستغل الشيطان ضعف الإنسان فيدخله من باب الشبهات والوسوسة، خاصة في أمور الغيب وخلق الله. يجب على الإنسان عدم الخوض في مثل هذه الأفكار والاكتفاء بالإيمان بالله.

علاج الوسوسة الشيطانية والتحذير منها

الوسوسة الشيطانية قد تبعد الإنسان عن الله والإسلام، فيجب على المسلم أن يستعيذ بالله من الشيطان عند وجودها ولا يتكلم بها، وقد أمر الله بالاستعاذة من الشيطان في القرآن.

ذكر روايات الحديث وتوثيقه

تم ذكر روايات الحديث من طريق ذر بن عبد الله الهمدانى عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس، وتم الاكتفاء بذلك في الشرح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادى الوادعى رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا وكيع. وكيع، وأبو سفيان، وكيع بن الجراح الرؤاسى الكوفى، جلس فى جامع الكوفة بعد سفيان الثورى، كان حافظا كبيرا، وفقيها. قال عن سفيان -وسفيان هو الثورى، سفيان بن سعيد الثورى- إذا رأيت وكيعا عن سفيان، فهو سفيان بن سعيد الثورى، وهو يروى عن ابن عيينة، لكن شيئا يسيرا، فلهذا إذا قال وكيع عن سفيان، فهو سفيان بن سعيد الثورى، وسفيان من السفورى. قال عن منصور -وهو ابن المعتمر-، عن ذر بن عبد الله الهمدانى، وذر بن عبد الله الهمدانى المذحجى، وهو كوفى ثقة، إلا أنه كان يقول بالإرجاء. قال عن عبد الله بن شداد، وعبد الله بن شداد أيضا كوفى، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إنى يحدث -أو إنى يحدث- نفسى بالشىء، لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به. قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة». قال: وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج -أى حجاج بن منهال-، ومحمد بن جعفر أبو البغدادى، الذى قال له غندر: «عبد الله البغدادى»، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، ومنصور -سليمان الأعمش، ومنصور هو ابن المعتمر-، عن ذر، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا نحدث أنفسنا بالشىء، لأن يكون حدنا حمامة أحب إلينا من أن نتكلم به -حمامة: معنى محروق، احترق بالنار فصار حمامة، أنا أسود فحم-، قال: فقال: «الحمد لله الذى لم يقدر منكم إلا على الوسوسة». معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فقال حدهما»، أى: محمد بن جعفر، وحجاج، قال: أى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهما، قال لهذا، ولمن قال له هذا: «الحمد لله الذى لم يقدر منكم إلا على الوسوسة»، وقال الآخر: «الحمد لله الذى رد أمره إلى الوسوسة». وفى رواية أبى داود، التى ذكرها المؤلف هنا: «الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة». وأكثر الكلمات نفسها: «الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة»، أو «رد أمره إلى الوسوسة». وهذا الحديث قد جاء من حديث أبى هريرة عند مسلم. هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث أبى هريرة، من طريق سهيل بن أبى صالح، ولأعمش عن أبى صالح، عن أبى هريرة، أنه قال: جاء ناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، إنا نحدث أنفسنا بالشىء، لأن نخر من السماء أحب إلينا أن نتكلم به -أنا لو خررنا من السماء أحب إلينا أن نتكلم بهذا الشىء-، فقال: «أَوَ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» -أو قالوا: نعم-، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذى رد»، أو قال: «ذاك صريح الإيمان». فى رواية مسلم: قال: «ذاك صريح الإيمان»، وجاء فى رواية الأعمش: «ذاك محض الإيمان». وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا أقلقته الوساوس، وجاء الشيطان يوسوس له، وخاصة هذه الأفكار التى يحرص الشيطان أن يضعها فى بنى آدم، خاصة التفكر فى الغيب، أو التفكر فى الله. لهذا جاء فى «الصريحين» فى حديث أبى هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتى أحدكم الشيطان، فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله». فى رواية، قال: «فليقل: لا إله إلا الله، آمنت بالله». وجاء أيضا فى مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى هريرة: «يا أبا هريرة، سيأتيك الرجل، فيقول: من خلقك؟ فتقول: الله، فيقول: من خلق الله؟». فهذا كله من وسوسة الشيطان، ومما يدخله الشيطان على بنى آدم. فقد لا يستطيع الشيطان أن يدخل لبنى آدم من طريق المعافاة، ومن طريق الشهوات، فيدخله من طريق الشبهات، ومن ذلك الوسوسة، فيأتى له بأفكار غريبة. وهذا قد تجده عند كثير من الناس، يفكر فى أشياء من الغيب، ويشغل قلبه وعقله بأشياء مما غيبه الله عز وجل عنه. فمن الناس من يستمر على هذا التفكير حتى يخرجه إلى ما لا تحمد عقباه، إما إلى الكفر بالله، وإما إلى الوسوسة والجنون، وإما إلى أيضا الانحراف عن الطريق الصحيح، كما حصل للجهمية وغيرهم. وكل ذلك من حافظ على قلبه وعقله، ولم يتحدث بهذا الإنسان، يجد مثل هذه الوسوس التى يجعلها الشيطان، لكن لا يخرجها للناس، لا يقول: أنا أفكر فى كذا، من الذى فعل كذا؟ من خلق الله؟ أو من؟ كيف هذه الجنة؟ كما يقول بعض الملاحدة، يقولون: الله عز وجل جنة عرضها سماوات الأرض، والجنة فى السماء، فكيف تكون عرضها سماوات الأرض، وهى فى السماء؟ وهذا لجهلهم. فيفكر الإنسان، ويوسوس له بمثل هذه الوسوس، ويظن أنها صحيحة، فيبعده الله عز وجل -أو يبعده هذا الشيطان- عن الله، وعن الخير، وعن الإسلام، بسبب هذه الوسوسة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -بعدما كبر ثلاث تكبيرات-: «الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة». والمسلم إذا وجد مثل هذا، ولم يتكلم، فهذا من صريح إيمانه، وهذا أيضا من محض إيمانه. وأما -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فى حديث أبى هريرة-، وأما إذا كان يبث مثل هذه الشبهات التى يجدها فى نفسه، فإن هذا يضره، ويضر غيره. إن هذا يضره ويضر غيره. أما إذا كتمها فى نفسه، فهذا جعل -أو هذا غلب- الشيطان، فجعل كيده الوسوسة التى تكون فى القلب فقط، لم يخرجها، ولم تؤثر عليه، لم تؤثر عليه هذه الوسوسة. فلهذا قال: «الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة». فلهذا المسلم ينبغى عليه أنه يستعيذ من الشيطان الرجيم فى كل وقت وحين، وخاصة إذا وجد مثل هذه الوسوسة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَإِمَّا يَنسَيْنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. وأيضا حذرنا الله عز وجل من هذا الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. فلهذا الواحد -أو المسلم- يحاول أنه يعرف نزغات الشيطان، فيحاول أن يبتعد منها، وإلا فربنا جل وعلا جعل الوسوسة لهذا الشيطان يوسوس لبنى آدم. ولهذا استعاذ -أو أمر الله عز وجل بالاستعاذة- منه فى سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فهؤلاء -فهؤلاء- الشياطين يوسوسون لبنى آدم، سواء كان شياطين الإنس، أو الجن، فيزينون له هذه الأشياء. ومن هذه الوسوس الشكوك، بل هى من أعظم الوسوس التى تقع فى قلب المؤمن، أنه يقع فى نفسه شكوك فى دين الله، شكوك فى ما أمر الله عز وجل، أيضا شك فى الطريقة التى يسلكها، طريقة الطريقة الصحيحة، طريقة الصحابة، فيذهب يمنة، أو يسرى، ويخرج من الطريق المستقيم بسبب تأثره بهذه الشكوك الوسوس. فلهذا يجعل هذه الوسوسة فى نفسه فقط، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويستمر فى طريقه إلى الله جل وعلا. فهذا شىء مما يذكر فى هذا الحديث. ثم ذكر الشيخ روايات لهذا الحديث، كلها من طريق ذر بن عبد الله الهمدانى، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس -رضى الله تعالى عنهما-. فنكتفى بهذا، والله تعالى أعلم.