الدرس في شرح كتاب التوحيد 267، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع شرح المؤلف لكتابه حول استخدام كلمة 'لو' واستدلاله بآيتين وحديث، ويشرح حكم الشرع في استخدام هذه الكلمة. يُوضح سبب نزول الآية الكريمة ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾.
يشرح المقطع استخدام المنافقين لكلمة 'لو' في معارضة قدر الله وشرعه، ويبين الرد القرآني على ذلك. يوضح أن الآية تحمل على الأخوة الظاهرية أو النسبية.
نهى الشرع عن استخدام كلمة 'لو' في معارضة الشرع والتندم على ما فات، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحث على الحرص على ما ينفع واستعمال العبد للتوكل على الله.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله قائل الحديث بما قاله، ويتبعه صلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي للحديث أو الخطبة الدينية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا عن هذا التبويب الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى كتابه بقوله: «بابٌ ما جاء في اللو»، أي في استخدام كلمة «اللو». وأشرنا إلى مقدمة سريعة متعلقة بمباحث هذا الباب، ثم شرع المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأدلة الدالة على مسائل وأحكام هذا الباب، فاستدل بآيتين وحديث. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾، وهذا القول إنما يحكي مقالة أهل النفاق، وذلكم في يوم أحد، يقولون: «اللو» هنا استخدموا كلمة «لو». وسننظر إلى حكم الشرع في استخدام هذه الكلمة في هذا الموطن. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند من أسباب النزول» من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عبادة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: «لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، فأرسل الله علينا النوم، فما منا رجلٌ إلا وذقنه في صدره، سبحان الله آية من آيات الله لا أراد الله أن يلقي على قلوبهم الأمن والسكينة، فقذف فيهم النوم». قال: «فما منا من رجلٍ إلا ذقنه في صدره». قال: «فوالله إني لأسمع قول معتب ابن قشير -وهو معدود من أهل النفاق- قال: إني لأسمع قول معتب ابن قشير ما أسمعه إلا كالحلم، وهو يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا». قال ابن الزبير: «فحفظتها منه»، وفي ذلك أنزل الله قوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾. إذن أهل النفاق في هذه الآية استدلوا على كلمة «لو» في الاعتراض على قدر الله، أي: لو كان لنا من الأمر من العلم أو شيء ما قُتلنا هاهنا، لما قاتلنا، لما خرجنا في هذه الغزوة، فكان هذا من المحاذير في استخدام كلمة «لو» أن تستخدم معارضة لقدر الله جل وعلا. ولهذا رد الله عليهم سبحانه وتعالى بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، يعني: أين تستفرون؟ هب أنكم ما خرجتم، هل ستسلمون من الموت؟ سيأتيكم إلى عقر داركم، ما هناك مفر من قدر الله. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى -هذا الاستدلال الثاني في هذا الباب- قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، في هذه الآية أيضًا ما وقع في غزوة أحد مما كان من استخدام المنافقين لكلمة «لو» في غير محلها، استخدموها فيما يذم شرعًا، وذلك حين استخدموا «لو» في معارضة الشرع له. فكان من عباراتهم -الذين قالوا، أي أهل النفاق- لإخوانهم وقعدوا -أي أهل النفاق قعدوا عن الجهاد وما خرجوا-. والسؤال هنا: من إخوانهم المعنيين في هذه الآية؟ الصحابة الذين خرجوا. يبقى الإشكال: وهل بين المنافق وبين أهل الإيمان مؤاخاة وأخوة؟ لأنهم هنا عبروا: «قالوا لإخوانهم». الجواب: لا، ما هناك مؤاخاة، ولا مؤاخاة بين المؤمن والكافر، ولا بين المؤمن والمنافق. إذن على ماذا تحمل هذه الآية؟ قال العلماء: تحمل على أحد معنيين: المعنى الأول على الأخوة التي في الظاهر، على أن أهل الإسلام هم جسد واحد، الذين قعدوا والذين خرجوا؛ لأن المؤمن يدعي الإيمان، يدعي الإسلام، يدعي بأنهم من أهل لا إله إلا الله. فقالوا لإخوانهم -أي فيما نشارككم في الظاهر-، وفي الباطن فلا، هناك مؤاخاة أبدًا. والمعنى الثاني للمؤاخاة قالوا: أي في النسب، الذين قالوا لإخوانهم -أي في النسب-؛ لأنهم من قبيلة، من عشيرة واحدة، بينهم أرحام وبينهم صلة وقرابة. فهذا المقصود بالأخوة، فلا تعني الآية بالأخوة الدينية، لا، فلا هناك مؤاخاة دينية بين المسلم وبين الكافر والمنافق. قال ربنا: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، لو أطاعونا في ماذا؟ في مخالفة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، لو أطاعونا في التخلف عن الجهاد والقتال والغزو، فاستخدموا كلمة «لو» في معارضة الشرع، وهذا حرام. وقال المؤلف رحمه الله تعالى -وهذا الاستدلال الأخير في هذا الباب- أن استدل بحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال رحمه الله تعالى: «وفي الصحيح الحديث، في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه»، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». هذا الحديث بكماله وتمام إخواني في الله يعتبر من الأحاديث العظيمة المهمة الجليلة، حتى أن ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «هذا الحديث احتوى على أصول عظيمة من أصول الإيمان». في قوله عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، فيه الإرشاد من الشرع على أن الإنسان يحرص، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع. قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك»، الذي يعود عليك بالنفع، كن حريصًا عليه. وأي نفع؟ قال العلماء: النفع الديني والدنيوي. قال عليه الصلاة والسلام: «واستعن بالله»، وهذه فائدة ولفتة مهمة، على أنك في هذا المقام -مقام العمل- استعن بالله. ففي ربك جل وعلا المعونة. فإن الإنسان ليس قادرًا على أن يدبر أمر نفسه فضلًا أن يدبر أمر غيره إلا بالله. قال: «ولا تعجز»، وفي لفظة «ولا تعجز» توكيد، لا تعجز، لا تكون عاجزًا، تستعظم الأمور. قال: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». لا تفتح يا نفسك يا عبد الله باب التندم؛ فإن «لو» تدخل عليك الشياطين بما يكون من الأفكار، بما يكون من الأحزان، بما يكون من الهموم والغموم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.