شرح الأصول من علم الأصول 12

الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 12، ألقاها

مقدمة في صياغة الأمر وتعلقها بالأصول

يتطرق إلى مفهوم صياغة الأمر في الأصول الفقهية وتعلقها بالعقيدة، ويبين الخلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة والأشاعرة حول إثبات صفة الكلام لله تعالى.

صيغ الأمر في اللغة العربية ودلالتها

يناقش آراء الأشاعرة والمعتزلة في صيغ الأمر ودلالتها، ويشرح صيغ الأمر الأربع ودلالتها على الوجوب أو الاستحباب بحسب القرائن.

دلالة صيغة الأمر على الوجوب والفور وتفاصيله

يناقش دلالة صيغة الأمر على الوجوب والفور مستشهدا بالأدلة الشرعية، ويتناول آراء العلماء حول التفريق بين الأمر المضيق والموسع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على تعريف الأمر، وعند قوله «خاصة» وخرج بقولنا «على وجه الاستعلاء» الالتماس والدعاء. خرج الالتماس والدعاء، وغيرهما مما لا يستفاد من صيغة الأمر بالقرينة، مثل «نعم»، وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرينة. طيب، قوله رحمه الله تعالى: كما مر معنا في الدرس الماضي، خرج الالتماس. قلنا: الالتماس هو طلب من المساوي، والدعاء طلب من الأدنى إلى الأعلى. ولذا قال الأخضر: حينما ذكر الأمر الثلاثة - أي الأمر والالتماس والدعاء - قال: «أمر» - يعني في بيت نظم، بيتا - فقال: «أمر مع استعلاء وعكسه دعاء، وفي التساوي فالتماس». وقع «أمر مع استعلاء وعكسه دعاء» - يعني عكس الاستعلاء الدعاء - لأنهم من أدنى إلى أعلى، «وفي التساوي فالتماس» وقع. وفي هذا مباحث أصولية سأتي ذكرها بإذن الله جل وعلا في كتاب أوسع من هذا، وهي أو نشير إليها إشارة لطيفة. وهي: هل يجب في الأمر أن يكون على وجه الاستعلاء أم لا يجب؟ منهم من قال: إنه يجب على وجه الاستعلاء، كما ها هنا. ومنهم من قال: يجب، أو يكون الأمر إذا كان على وجه العلو، على وجه العلو لا الاستعلاء. ومنهم من جعله قال: على وجه العلو أو الاستعلاء، أي سواء كان هذا أو هذا. وذكر غير ذلك من الأقوال. ولعله بإذن الله جل وعلا يأتي الكلام عليها في كتاب أكبر من هذا بإذن الله جل وعلا. والحاصل أن الفرق بين الاستعلاء والعلو، قالوا: إن الفرق بينهما أن الاستعلاء كون الأمر على وجه الغلظة والترفع والقهر. والعلو شرفوا الأمر، وعلموا منزلته في نفس الأمر. وقال بعض: «فالعلو صفة، صفة للمتكلم. والاستعلاء صفة للكلام». وسأتي مزيد بيان بإذن الله جل وعلا في كتاب أكبر من هذا. قال رحمه الله تعالى: «صياغ الأمر». وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «صياغ الأمر» - هذا مبحث أصولي آخر من مبحث الأمر، وهو كذلك مبحث فقهي، وهو كذلك له تعلق عقدي - أي بمسائل العقيدة. أما كونه مبحثا أصولي: فكما سيأتي من كلام الشيخ رحمه الله تعالى: أنه يستفاد من هذه الصياغ المجردة، الأمر أنه يستفاد من هذه الصياغ الأمر. فإذا وجد الإنسان قول الله جل وعلا: ﴿أَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ﴾ مثلا، أو قول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَآتِ الزَّكَاةَ﴾، وما شابه ذلك. علم أن هذه صيغة أمر، أن هذه صيغة أمر. فإنها إذن تفيد الوجوب. ومبحث فقهي: لأن الفقه - كما مر معنا - يبحث عن آثار خطابات الشرع. فما دام أنه صيغة، وصيغة الأمر تفيد الوجوب، وتدل على الوجوب. إذن لها متعلق، أو تعلق فقهي بهذا الاعتبار. ولها تعلق عقدي؛ لها تعلق عقدي باعتبار مسألة الكلام، باعتبار مسألة الكلام. وذلك لأن المسألة - كما هي ظاهرة - خلاف بين أهل السنة والجماعة المثبتون لله جل وعلا صفة الكلام، وبين المعتزلة والأشاعرة. والمسألة - كما سمعتم - لها تعلق في مبحث كلام الله جل وعلا، ولها تعلق كذلك في مبحث الإرادة، والقضاء والقدر - في مبحث إرادة الله جل وعلا. فحاصل هذا: أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن للأمر صيغة، وهذا فرع عن إثباتهم الكلام لله جل وعلا. وأن الكلام حرف وصوت، وأنه مفهم. فكل لفظ، كل كلمة تدل على معنى، تدل على معنى. فقول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ - هذا أمر بنفسه، أي بنفس هذه الصيغة. يستفاد ماذا؟ الأمر بنفس الصيغة. «أقم الصلاة». فكما يقول الإنسان: إذا قال السيد لغلامه: «قم فأتني بماء». فهم ماذا من هذه الصيغة؟ ماذا؟ الأمر بوجوب إتيان الماء لسيده. وكذلك في قول الله جل وعلا، والله جل وعلا قد تكلم بلسان عربي مبين - أي بلغة، باللغة العربية المفهمة التي ألفاظها معاني معلومة عند العرب. واستدلى من استدل على إثبات الصيغة للأمر بأدلة، منها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قالوا: فالله جل وعلا قال: «إنما أمره»، ثم قال: «كن». فدل على أن صيغة الأمر، على أن الأمر صيغة، وهي «كن». واضح جماعة، فهذه من الأدلة الدالة على أن الأمر صيغة. وإلا فالأدلة في ذلك كثيرة. وخالف في ذلك المعتزلة والأشاعرة في هذه المسألة كغيرها. وذلك لأن لها ارتباطا - كما سمعتم - بمسألة الكلام، ومسألة الإرادة - مسألة الكلام. أنهم لا يثبتون أصلا الكلام لله جل وعلا. ومسألة الإرادة: أن المعتزلة - لمعتقدهم الفاسد - رأوا أن كل أمر لله جل وعلا لابد أن يكون الله جل وعلا يحبه ويرضاه. قال: «فإذا كان كذلك لابد أن يحبه ويرضاه». قالوا: «مع هذا رأوا في الواقع أن الله جل وعلا يأمر بالشيء ولا يمتثل أمره» - واضح جماعة - قالوا: «فدل هذا على أنه غير مراد لله» - واضح جماعة - قالوا: «غير مراد الله، نعم أمر، لكنه لم يريده، لكنه لم يريدهم». وفرعوا عن هذا ماذا؟ مسألة التي هي هذه المسألة، وهي: أن الأمر - وإن كان له - وإن الأمر لا يكفي فيه مجرد صيغة، بل لابد من إرادة فعل المأمور به - واضح جماعة - لابد من إرادة فعل المأمور به. أما بدون إرادة فعل المأمور به ليس بأمر، ولا تفيد هذه الصيغة ماذا؟ أمرا. فعندهم: إذا قام العبد مثلا فامتثل أمر الله جل وعلا بالصلاة، يقول: «هذا الأمر أراده الله». لماذا أراده الله؟ لأن العبد امتثل ذلك الأمر بفعله للصلاة - واضح جماعة - فهو له تعلق بما؟ مسألة عقدية. وفي الطرف الآخر الأشاعرة: والأشاعرة جبرية. قالوا: «نظر إلى أوامر الله جل وعلا». قال: «أوامر» - عندهم - تعرفون الأشاعرة: كل ما أمر به الله جل وعلا فهو ماذا؟ فهو محبوب له. وكل ما وقع في الكون فهو محبوب له. في الأول نعم، وفي الثاني نعم، أو لا؟ لا. لأن الله جل وعلا لا يحب الكفر، ولا الفسوق والعصيان. الله جل وعلا ﴿وَكَرِهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ - إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على بغض الله جل وعلا وكراهته للكفر والفسوق والعصيان. لكن هؤلاء الأشاعر - بسبب مذهبهم الفاسد في باب القضاء والقدر - هو باب مساء الجبر - يقول: «كل ما أمر، كل ما وقع فهو محبوب لله جل وعلا». فإذا كان كذلك، قالوا: «بأن الأمر، أو الأمر بمجرده، أن الأمر صيغة بمجرده» - واضح جماعة - أم لا؟ «أن الأمر صيغة بمجرده، بمجرد ما هذه الصيغة أراده الله أم لم يريده؟» لماذا؟ بناء على قول في ماذا؟ في الجبر. طيب، الآن هذه المعنى أليه يشترك مع قول أهل السنة والجماعة: أن الأمر صيغة أم لا؟ ها جماعة، نعم يشترك - واضحا - لا. لكن يفترق معه السنة والجماعة من جهة أخرى. وهي: أن الأشاعرة عندهم أصلا الكلام نفساني. كلام الله جل وعلا أصلا عندهم ماذا؟ نفساني. وما وجد في كتاب الله جل وعلا من الأوامر، إنما هو عبارة عن كلام الله. إذن في حقيقة الأمر: هل للأمر صيغة؟ ها جماعة، «الكلام عندهم عبارة عن كلام الله الموجود في القرآن، عبارة عن كلام الله» - أي ليس هو كلام الله - فإذا قلنا: «الأمر صيغة»، هل للأمر صيغة؟ لا - واضحا جماعة - وهذا من اضطرابهم وتناقضهم، من اضطراب الأشاعرة وتناقضهم في باب كلام الله. بل كما قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والعقلاء من بني آدم متفقون على تناقضهم واضطرابهم اضطرابا شديدا في هذا الباب». بل كما قال: «وهذا الباب مما تصلط به المعتزلة على الأشاعرة». بأن المعتزلة اضطردوا، قالوا: «القرآن مخلوق». واضطردوا على باطلهم. الأشاعرة لا، قالوا: «مخلوق ولا غير مخلوق». فوقعوا ماذا؟ في اضطراب وتناقض. قالوا: «كلام الله مخلوق، وكلام الله غير مخلوق». الأشاعرة قالوا: «كلام الله مخلوق، وكلام الله غير مخلوق». لكن باعتباره، باعتبار الكلام نفساني، المعنى هو ماذا؟ غير مخلوق. وباعتبار الألفاظ هو ماذا؟ هو مخلوق. وحقيقة الأمر ومآل الأمر إلى قول من؟ هيا جماعة، إلى قول معتزلة: «أن القرآن مخلوق». لأن الإنسان يقرأ ماذا؟ يقرأ المعنى، أو يقرأ الموجود في القرآن، الموجود في الكتاب. هيا جماعة، يقرأ الحروف والكلمات التي دلت على المعنى، والتي هي معاني في نفسها - واضح جماعة. الحاصل من هذا: أن الأشاعرة - وإن قالوا بأن له صيغة - لكن صيغتهم ليست كصيغة أهل السنة والجماعة. للأمر الأول مذكور، ولأمر آخر: أن الأشاعرة في هذا الباب مضطربون اضطرابا كثيرا. إذ أن الكلام عندهم لا فرق بين الأمر والنهي. لماذا؟ أن الكلام عندهم كلام الرب جل وعلا نفساني. وما هو نفساني فقط، بل ولم يتميز الأمر عن النهي، والخبر عن الاستخبار. بل كما مر معنا، ولم يميز القرآن عن غير القرآن. والكلابية - وإن كانت هي أصل الأشعرية - إلا أن في هذا الباب خير من الأشاعرة. الكلابية - وإن كانوا هم أصل الأشعرية، أصل الأشاعرة - لأن أبا الحسن الأشعري أخذ عقيدة التمشعر من ابن كلاب. فعقيدته حقيقة كلابية، إلا أنه خالفوا في بعض المسائل، ومنها هذه المسألة. فالكلابية يقولون: «فرق بين الخبر والاستخبار، وبين الأمر والنهي». وإن كانوا يقولون بالكلام النفساني. أما الأشاعر زادوا على البلاء بلأ، فقالوا ماذا؟ بأنه مختلط. الحاصل من هذا: لا نذهب بكم بعيدا. الصواب في هذه المسألة: أن الأشاعرة والمعتزلة مخالفون لأهل السنة والجماعة في هذه المسألة. فهي مسألة كذلك لها تعلقا بماذا؟ بالاعتقاد. قال رحمه الله تعالى: «صيغ الأمر أربع: فعل الأمر، مثل: ﴿أَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. الشاهد منه: قول الله جل وعلا: ﴿أَتْلُ﴾ - فعل أمر. وفعل الأمر من صيغ الأمر» - أي أنه يدل، أي أنه بنفسه أمر. فقول الله جل وعلا: ﴿أَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ﴾ - أمر بأن يتلو ما أوحي إليك من الكتاب. قال رحمه الله تعالى: «اسم فعل الأمر، مثل: «حي على الصلاة». أي: من صياغه الأمر. «فعل الأمر» مثل: «حي على الصلاة». ومعناه: أنه يدعو إلى ماذا؟ إلى الصلاة. أي: «هلموا وتعالوا وأجيبوا إلى الصلاة» - وضح جماعة - فهو ماذا؟ «اسم فعل أمر». «المصدر النائب» - الصيغة الثالثة - «المصدر النائب عن فعل الأمر»، مثل: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. الشاهد منه: «فضرب». «فضرب الرقاب» - فهو مصدر النائب عن فعل الأمر. فكأنه قال: «فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوهم ضرب الرقاب» - واضح جماعة - فهو كما ذكر «المصدر النائب عن فعل الأمر» - يعني بدلا أن يقول: «فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب». قال: «فضرب الرقاب» - واضح يا إخوة. قال رحمه الله تعالى: «المضارع المقرون بلام الأمر»، مثل: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. كما مر معنا: أن الفعل المضارع لا يدل على ماذا؟ على الأمر، إلا إن احتفت به قرينة. ومنها: فعل أن يقترن به ماذا؟ «لام الأمر». مثل هذه الآية: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - فهنا ماذا؟ «اللام» الداخلة على الفعل المضارع دلت على ماذا؟ دلت على الأمر، أو هي من صيغ الأمر. هي من صيغ الأمر. قال رحمه الله تعالى: «وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر». ومعنى هذا: أن هذه الأربع صيغ منصوص عليها، وظاهرة في ماذا؟ في الأمر. أن هذه الصيغ الأربع ظاهرة في ماذا؟ في الأمر. وهناك صيغ تدل على الأمر - واضح جماعة - الأولى: صيغ الأمر الظاهرة، أو قل: «المنصوص عليها»، أو قل: «المتفق عليها بين القائلين أن للأمر صيغة». وهناك من صيغ الأمر ما هي مستفادة من أمور أخرى غير الأربعة المذكورة. منها: قال رحمه الله تعالى: «مثل أن يوصف بأنه فرض». أي: أن يوصف الأمر، يوصف شيء بأنه ماذا؟ فرض. يوصف شيء بأنه فرض، ليس فيه إفعال، وليس فيه «فعل مضارع مسبوق بلاي من الأمر»، ولا «اسم فعل الأمر»، ولا «مصدر عن فعل الأمر». لا. إنما فيه نص على ماذا؟ فرض. «فرض عليكم كذا وكذا». «فرض عليكم الحج فحجوا» - كما جاء في صحيح مسلم حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس، فرض عليكم الحج فحجوا». أو «واجب»، أو أن يقول: «واجب». كما جاء في حديث: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». «غسل الجمعة واجبا على كل محتلم». الآن استفيد الوجوب من أين؟ من قوله: «واجب» - واضح جماعة. أو قوله: «أو من دو». وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر، مثل أن يصف بأنه فرض، أو واجب، أو من دو. وها هنا انتقال من الشيخ، وها هنا انتقال من الشيخ إلى أن صيغة الأمر ربما تدل بمجردها على ماذا؟ على الوجوب - واضح؟ - وربما تدل بقرينة على الاستحباب. ربما تدل بقرينة على الاستحباب - كما ذكرها هنا - كأن يدل دليل على أن ذلك الفعل ماذا؟ مستحب، وليس بواجب، وليس بواجب. يعني مثال ذلك: في حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة بين المغرب وبين أذان المغرب، وصلاة المغرب. قال: «صلوا بعد المغرب». أو كما قال صلى الله عليه وسلم: في المرة الثانية، وفي المرة الثالثة قال: «لمن شاء». في المرة الثالثة قال: «لمن شاء». دل قوله: «لمن شاء» على ماذا؟ على أنه صرف الأمر. لكن ليس المقصود هذا. المقصود أن الأمر قد يصرف بقرينة. ومنه نستفيد أن الأمر - كما ذكر الشيخ في ابتداء البحث - أنه يفيد ماذا؟ سيأتي معنى أنه يفيد الأصل: أن الأمر المجرد يفيد ماذا؟ يفيد الوجوب. لكن قد يخرج عن هذا الأصل بقرينة. فقول الشيخ: «وقد يستفى الطلب الفعل» - قوله: «قد يستفى الطلب الفعل» - أي سواء كان أمرا جازما، أو أمرا ماذا؟ غير جازم - واضح يا أخوة أم لا؟ - سواء كان أمرا جازما الذي يفيد الوجوب، أم أمرا غير جازم الذي لا يفيد الوجوب، وإنما يفيد الاستحباب - مثل ما ذكر؟ - أو يدل دليل على أنه ماذا؟ مندوب، على أن ذلك الفعل ماذا؟ مستحب. على أن ذلك الفعل مستحب. قال: «أو طاعة، أو يخبر بأنه ماذا؟ طاعة». أن ذلك الفعل طاعة. «أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه». قوله: «أو يذم تاركه» - انتقال. لأن الذم على ترك الفعل يدل على أن الفعل ماذا؟ واجب. لأن الفعل، أو لأن الواجب - كما تقدم - معنى ما هو؟ باعتبار الثمرة. باعتبار الثمرة: هو ما يثاب على فعله، ويستحق العقوبة على تركه. وبعضهم عرفوا بتعريف أحسن من هذا، فقال: «هو ما وعد فاعله بثواب، وتوعد تاركه بالعقاب». هذا أجود. هذا التعريف أجود من التعريف الأول. وسيأتي بإذن الله جل وعلا وجه ذلك في كتاب آخر بإذن الله جل وعلا. الشاهد من هذا: أن قوله: «أو يذم تاركه» يدل على أن ذلك واجب. بخلاف قوله: «أو يترتب على فعله ثواب». قد يكون واجبا، وقد يكون ماذا؟ مستحبا. وهو الأكثر. قال: «أو على تارك، أو على تركه عقاب». أو على تركه عقاب. كذلك في ماذا؟ في الأمر الواجب. فيستفاد من هذا: أن الطلب - كما سمعتم - قد يكون طلبا جازما. يستفاد من الصيغ المذكورة ها هنا: فرض، واجب، أو تاركه استحق العقوبة، استحق الذم. وقد يكون ماذا؟ طلبا غير جازم. مثل أن يستفاد بأن ذلك الفعل مندوب، محبوب، أو ما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ما تقتضيه صيغة الآمر». أي: ما يستفاد، وما يستدل بصيغة الآمر. قال رحمه الله تعالى: «صيغة الآمر عند الإطلاق تقتضي وجوب المأمور به، والمبادرة بفعله فورا». قال: طيب. ها هنا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى مسألتين. المسألة الأولى: أن الأمر، عند أن صيغة الأمر، عند الإطلاق تقتضي الوجوب. هذه المسألة الأولى. والمسألة الثانية: أن الأمر، أو النصيغة الأمر، عند الإطلاق تقتضي الفور. تقتضي الفور. هاتين مسألتين. وزاد بعضهم مسألة ثالثة. وهي: هل الأمر المطلق يفيد التكرار؟ سأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال: «فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب»، قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فدل هذا. قال: «وجه الدلالة: أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة، وهي الزيغ، أو يصيبهم عذاب أليم». قال: «والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك واجب». فدل على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور. وهو كما قال. ومما استدل به الشافعي وغيره: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم». «لأمرتهم». «لأمرتم بالسواك عند كل وضوء». قوله: «لأمرتهم» - بعد أن قال: «لولا أن أشق عليهم». قال: «فيه دلالة على أن الأمر يقتضي ماذا؟ الوجوب» - واضح جمال - أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم». فدل على أن الأمر المجرد يدل على، يشير إلى أنه يدل على الوجوب - واضح جمال - طيب. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «هذه المسألة الأولى، والمسألة الثانية». قال: «ومن الأدلة على أنه للفور». ومعنى أنه للفور: معنى أنه للفور، أي أن يعقب الفعل بعد الأمر، أو عقيب الأمر. يعني مثال ذلك: أن يقول السيد لغلامه: «ائتني بماء». أو يقول الوالد لابنه: «ائتني بماء». هل هذه الصيغة بمجردها تقتضي الفور، أو التراخي؟ الفور. هل مباشرة يقفز الغلام يأتي بالماء، أو الولد يأتي بالماء؟ أم أنه يتأخر ثم يأتي بالماء، ويكون بذلك ممتثل لأمر سيده، أو لأمر أبيه؟ واضح جماعة. هذه المسألة: هل الأمر يقتضي الفور، أو لا يقتضي الفور؟ هكذا يعبر عنها الأصوليون. والشيخ رحمه الله تعالى، رحمه الله تعالى ها هنا يرحمك الله اختار: أن الفعل، أن الأصل أن الفعل المطلق يقتضي الفور. استدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ - قال: «هذا فعل، هذا أمر باستباق الخيرات». قال: «والمأمورات الشرعية خير». أي: فدل على ماذا؟ وجوب الاستباق. لكن أجيب عن هذا: بأن استباق الخيرات يدخل فيه ماذا؟ المندوبات. ولا يجب فيها ماذا؟ تكون على الفور - واضح - قالوا: «والأمر بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة». ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كره تأخير الناس - ما كره تأخير - كره تأخير الناس - عندنا - ما أمرهم به - من النحر. طيب، الذي أمرهم به من النحر طيب. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كره تأخير الناس ما أمرهم به - كره تأخير الناس ما أمرهم به - من النحر والحلق يوم الحديبية. لا. قال: «عما أمرهم به». سيكون أقرب. كره تأخير الناس عما أمرهم به - ما في نسخة أخرى هكذا - طيب. لأنها كرهة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كره تأخير الناس ما أمرهم به - أي الذي أمرهم به - كره تأخير الناس الذي أمرهم به. كلام فيه ماذا؟ يعني ما فيه كما يقال قوة في التعبير. لكن يحتاج ينظر إلى نسخين أخرى، وماذا قال الشيخ في الشرح؟ يحتاج ينظر إلى الشرح. يعني: هل هناك تعبير، أو تعديل من الشيخ؟ وإلا تعبير يعني: الأفضل أنه يقال: «ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كره تأخير الناس لما، أو حين أخروا». كره تأخير الناس ما أمرهم به. أشهد من النحر والحلق يوم الحديبية - حتى دخل على أم سلمة رضي الله عنها - فذكر لها ما لقي من الناس. طيب. وهذا الدليل كذلك مما نازع فيه الآخرون - أي القائل بأن الأمر لا يفيد ماذا؟ الفور - قالوا: «ولم يقل أحد بأنهم أثموا» - واضح جماعة - لم يقل أحد بأنهم ماذا؟ أثموا. أي: أن جميع الصحابة أثموا. قالوا: «بل هذا دليل على أن الأمر لا يقتضي ماذا؟ الفور» - واضح جماعة - ولكن كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه أحب منهم أن يبادروا - هكذا أجيب - أحب منهم أن ماذا؟ أن يبادروا إلى الأمر. قالوا: «ولأن المبادرة بالفعل» - يعني كما دل على - جاءت في بعض روايات هذا الحديث - أي في الحديبية - تأخر الصحابة رجاء أن يحصل تعديل، أو أمر من النبي صلى الله عليه وسلم. فدل هذا - قالوا - على أن الأمر لا يقتضي الفور؛ لأنهم امتثروا شيئا. قال: «لعله أن ينزل الوحي يأمره بأن يغير». لعله، لعله. فلما لم يكن، ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم دخل، فقال: «أشارت عليه أم سلمة بأن ينحر هديه، وأن يحلق رأسه». لما رأوا ذلك، سلم أن الأمر قد ماذا؟ قد انقضى. قالوا: «لأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ». هذا من باب الاحتياط. قالوا: «والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها». قال: «وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك». فيخرج عن الوجوب إلى معاني منها سيأتي ذكرها. طيب، الحاصل من هذا: أن العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: منهم من يقول: بأن الأمر يقتضي الوجوب - كما ذكرها هنا - ومنهم من يقول: أن الأمر لا يقتضي الوجوب. وذهب جماعة إلى التفريق بين الأمر المضيق، وبين الأمر الموسع. فقالوا: في الأمر المضيق أنه يقتضي الفور. مثل: صيام شهر رمضان. ما هناك ساعة يقول: «ما سأبدأ الصيام من أول رمضان، أو سأصم بعد رمضان». ها هنا الأمر يقتضي ماذا؟ الفور. لماذا؟ لأن وقته مضيق. ومن الأوامر ما لا تقتضي الفور. وهي ما كان وقتها موسع. مع كون المبادرة فيها أولى. ومن ذلك ماذا؟ الصلوات - واضحة جماعة - الصلاة لها يؤذن مؤذن. مثل الظهر: بعد زوال الشمس. ويشرع أن يصليها بعدها مباشرة، بعدها بساعة، بساعة ونصف، بساعتين إلى قبيل وقت ماذا؟ العصر - واضحة جماعة - لا يقول قائل: بأن الأمر الفور يجب عليه من مجرد أن يدخل الوقت أن يصلي الظهر - واضح - لماذا؟ لأن الوقت موسع. ولعل هذا أقرب. ولعل هذا أقرب. فإن قال قائل: «فإن لم يكن عندنا ما يدل على هذا، ولا على هذا» - أي لم يدل دليل على أن الأمر موسع، أو مضيق - نقول: «لو وجد هذا سنرجع إلى ماذا؟ إلى القول بأن الأولى والأحوط المبادرة». وقد يكون ماذا؟ قد يكون في هذه الحالة خاصة - أي عند عدم العلم بالوقت: هل هو من الموسع، أو المضيق؟ - يقال ماذا؟ هذا. هذا لو وجد. وإلا كما يقال: «الأوقات ماذا؟ أو الأوامر تكون ماذا؟ متعلقة بما تقدم». ففي الوقت المضيق واجب على الفور. وفي الوقت الموسع ليست ماذا؟ على الفور. إلا أن المبادرة أولى وأفضل. ومما استدلوا به على ذلك: أدل كثيرة. منها ما أشرنا إليها. ومنها ما جاء كذلك في قضاء عائشة رضي الله عنها وأرضاها للصيام في شعبان. قضاء عائشة رضي الله عنها للصيام في شعبان: عائشة كانت كغيرها من النساء يحصل لها إفطار بسبب الحيض في شهر رمضان. هل كانت تقضيهم في شوال مباشرة، من ثاني شوال؟ الجواب: لا. قالت: «كنت لا أقضيه إلا في ماذا؟ في شعبان». لما كانت رسول الله صلى الله عليه وسلم مني. فدل على ماذا؟ على أن الأمر إذا كان الفور لألزمت بماذا؟ بالمبادرة - واضح هذا جماعة - ملا. فكونها أخرته إلى آخر وقت، يدل على أنه ليس على الفور. والله تعالى أعلى وأعلم. فالحاصل: أن القول بالتفصيل هو الأقرب والأظهر، والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: «الندب». قال: «وقد يخرج الأمر على الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك». فيخرج عن الوجوب إلى معاني منها الندب. كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قال: «فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب». بالدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من أعرابي ولم يشهد، ولم يشهد. وبعضهم بعضهم يجعل مثل هذه الأوامر ليس من باب الاستحباب والندب، بل من باب الإرشاد - من باب ماذا؟ الإرشاد. وهذا من المعاني والصوارث الذي يخرج بها الأمر عن الوجوب إلى ماذا؟ إلى غيره. فكما ذكر رحمه الله تعالى: أن الأمر قد يخرج إلى الندب - كما مثل. وقد يخرج إلى الإباحة. قال: «وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحضر أو وجوب». لماذا؟ وهم حضور. طيب. قبل هذا قلنا: «وقال: وقد يخرج إلى ماذا؟ إلى الإرشاد». يكون أمر إرشاد. يسمونه «أمر إرشاد» - لا أمر وجوب - واضح يا أخوة أم لا؟ مثال ذلك: مثال ذلك قالوا: في مثل هذه الآية. قالوا: في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ - الأمر ها هنا للإرشاد لا للندب. قالوا: كيف هذا؟ قالوا: «لأن القاعدة: أن الفرق بين الأمر الذي للإرشاد، والأمر الذي للإباحة عفوا، أن الأمر للإرشاد، والأمر الذي للندب أو الاستحباب: أن الفرق بينهما، أو فرق بينهما بفرقين». الأول: «أن الأمر للندب يكون في الأمور الأخروية». «والإرشاد يكون للأمور الدنيوية» - أي لمصالح الناس. «الأمر الثاني»: «الأمر الثاني: أن أمر الإرشاد» - قالوا - «لا يترتب عليه ثواب». «وأما أمر الندب فإنه يترتب عليه ثواب». هذاني فرقان ذكر في هذه المسألة. طيب. الشاهد: أن الشيخ رحمه الله تعالى قال: «فالأمر بالإشاد على التبايع الندب». بدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من أعراب ولم يشهد. قالوا: «إذن في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ - هو نصيغة أمر». ومع هذا لم تفيد الوجوب، وإنما أفادت ماذا؟ الندب. لماذا؟ لأن هناك قرينة دلت على أن الأمر للندب لا الوجوب. ما هي هذه القرينة؟ قالوا: «فعل النبي صلى الله عليه وسلم». إذ أنه اشترى فرسا - كما في حديث خزيمة بن ثابت - ولم يشهد عليه. فدل على أن الإشهاد ليس بواجب. قالوا: «الإباحة». «وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحضر أو جوابا لما يتوهم أنه محضور». طيب. هذا

شاركنا على