كتاب التفسير من صحيح البخاري 88

كتاب التفسير من صحيح البخاري 88

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية الخمار ورواية عائشة

يتناول المقطع رواية البخاري المعلقة عن عائشة رضي الله عنها في سبب نزول آية الخمار، مبيناً أن نساء المهاجرات شققن مروطهن فاختمرن بها امتثالاً للأمر. ويوضح أن الخمار في اللغة ساتر للرأس والجيوب، مع مناقشة أسانيد الحديث وحال رواته.

دلالة آية الخمار على وجوب تغطية الوجه

يستدل المقطع بفعل نساء المهاجرين الأول بشق المروط لتغطية رؤوسهن ووجوههن وصدرهن على وجوب تغطية الوجه. ويبين أن عادة الجاهلية كانت إسعاد الخمار من الخلف فقط، فأمر الله بضربه على الجيوب مما يقتضي تغطية الوجه صراحة.

استجابة الصحابيات وأنواع الحجاب الشرعي

يسرد المقطع سرعة استجابة نساء المهاجرين والأنصار لنزول آية الحجاب بارتداء السواد والاحتجاب التام. ويفصل الفرق بين حجاب الستر باللباس (الخمار والجلباب) وحجاب الجدار، مبيناً كيفيّة تغطية الرأس والوجه والصدر والبدن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولنا، وما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ». قال: وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس. وأحمد بن شبيب هو من شيوخ البخاري، إلا أنه هنا جاء به معلقاً. واختلف العلماء: لماذا يعلق البخاري عن مشايخه؟ فذكر محمد بن طاهر المقدسي عن بعض مشايخه أن البخاري رحمه الله لا يفعل هذا إلا إذا أخذه مذاكرة؛ إذا أخذه مذاكرة فيقول: قال... واختلف أهل الحديث: هل هو من التعليق أو ليس من التعليق؟ هل هو معلق أو موصول؟ والظاهر أنه موصول، والصحيح أنه موصول؛ لأن البخاري ما عرف عنه تدليس، فلذلك فهو موصول. لكن الظاهر أنه لم يأخذه عرضاً ولا إملاء، إما أنه أخذه وجادة، لكن إذا كان أخذه وجادة سيبين هذا. لكن أكثر الاحتمالات كما قال أجلّ بعض المحدثين: أنه أخذه مناولة، أو أخذه مذاكرة؛ أنه يتذاكرون في الحديث، فذكر أحمد بن شبيب هذا الحديث. وأحمد بن شبيب تكلم فيه بعض العلماء في حفظه، إلا أن روايته عن أبيه مستقيمة، وعن يونس؛ لأنه أخذها من كتاب، أخذها عن أبيه من كتاب، فلذلك تجد أن البخاري لم يروي عن أحمد بن شبيب إلا بهذين: أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس. قال رحمه الله: وقال أحمد بن شبيب: قال حدثنا أبي عن يونس، وهو ابن يزيد العيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن». فهذا الحديث ذكرت عائشة رضي الله عنها أنها لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، والجيب: مكان الصدر وما حوله. فقال الله عز وجل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾، المراد: وليضربن، أي يلقين هذه الخمارات على رؤوسهن وجيوبهن حتى يغطين جيوبهن. فلا بد أن تغطي رأسها؛ لأن الخمار هو ما يغطي الرأس، الخمار ما يغطي الرأس. ولهذا ذكر هنا ربنا سبحانه وتعالى الجيوب ولم يذكر الرؤوس؛ لأن الخمار معروف أنه يخمر به الرأس. ومعنى الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أن يلقين خمرهن على رؤوسهن ويسترن كذلك جيوبهن، بمعنى يكون الخمار ساتراً يستر الجزء الأعلى أو يسترها كلها. فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. فقالت عائشة رضي الله عنها: فأخذ... أو قالت: لما أنزل الله عز وجل: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن». مروطهن: والمرط هو مثل الكساء أو الإزار الذي تلبسه المرأة، والظاهر أنه يكون إزاراً تشتمل فيه المرأة. فهذا المرط شققنه، وجعلنا بعضه خماراً وبعضه إزاراً، فعنى: غطينا، اختمرنا، أي غطينا رؤوسهن مع وجوههن، كما قال مجاهد وغيره. والمراد أنها تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن ومن الجانب الأيسر فتخمر رأسها ووجهها وصدرها وكذلك ظهرها. ولهذا فسره بعضهم أن الخمار هو التقنع؛ أنها تتقنع، أي تغطي رأسها ووجهها وكذلك صدرها وغيره ما يكون في ذلك الخمار. وذكر الفراء، وهو من أهل اللغة ومعرفة معنى ما كان عليه العرب، فذكر أن أهل الجاهلية كانت تسدل المرأة خمارها على رأسها فتسدله من خلفها، فيكون وجهها وصدرها كله يرى. فأمر الله عز وجل أن يكون الخمار أيضاً على الجيوب، ليس فقط على الظهر، وإنما يكون على الجيب، مثل خمار الرجل الذي يضعه على رأسه لكن يغطي... أمر الله عز وجل أن تغطى الجيوب كذلك. فالخمار يغطي غالباً الكتفين والخلف، لكن هنا أمر الله عز وجل أن تغطى الجيوب، فلذلك فتغطي وجهها وجيبها، معنى: مكان الصدر وما كان حول هذه الجهة. وهذا كله يدل على أن تغطية الوجه واجب، وهي داخلة في الخمار عن الوجه؛ لأن الله عز وجل أمر بالتخمير، أمر بالتخمير، وهذا نص صريح، وهو نص منطوق، وقد يكون مفهوم، لكنه مفهومه أولى من مفهوم الآية أو ما قبلها: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ لأن ما ظهر منها يفهم منه أنه الوجه واليدين، وهذا قد يكون أقل الاحتمالات وأبعد الاحتمالات. وقد يكون المراد ما ظهر منها، أي ما ظهر من شيء مما تلبسه من في يديها أو في رأسها، وكذا من الحلي؛ أحياناً يظهر معنا من تحت الثوب، يظهر أن المرأة لابسة شيء، وكانت النساء تلبس خواتم كبار، وخواتم كبار، حتى لو كانت فيها قفاز فإنه ترى المرأة أنها لابسة شيء. وكذلك أيضاً الخلاخيل التي تكون في الأرجل أحياناً تظهر، كما ذكر الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. فالمهم أن المراد: أنه ما ظهر من غير الزينة فلا بأس. لكن هذه الآية تدل على أنها... لابدت تكشف وجهها، أقصد: أنها تغطي وجهها. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. وهنا في هذا الحديث ذكرت عائشة رضي الله عنها نساء المهاجرات. وقد جاء في حديث آخر أن عائشة رضي الله عنها قالت: «يرحم الله نساء الأنصار، لما نزل الحجاب، قالت: خرجنا إلى صلاة الفجر، وهن لا يُرين، أو كأنهن الغربان، كأنهن الغربان». فقولها: «كأنهن الغربان»، أي: أنهن لابسات السواد، مثل سواد الغراب، أنا كلها ما يرى فيها شيء مثل الغراب، تجد أنه كله أسود، إلا منقاره أحياناً يكون على غير السواد، وإلا فلونه لون جسمه كله أسود. فهكذا وصفت عائشة رضي الله عنها النساء المهاجرات أو نساء الأنصار. وهنا وصفت أيضاً نساء قريش ونساء المهاجرات. وهذا يدل على أن هذا وهذا معنى: نساء المهاجرات ونساء الأنصار كلهن خرجن وابتدرن الحجاب، خرجن وابتدرن الحجاب لما سمعوا بهذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. وهذا أيضاً يدل على أنهم فهموا من هذا الحديث أو من هذه الآية أن المراد بها الاحتجاب الكامل، وهذا احتجاب الستر. وأن حجاب الستر في هذه الآية، وحجاب الجدار عند نساء المؤمنين في آية الأحزاب، في آية الأحزاب، فمعنى ذلك: ستر الجدار، معنى أن المرأة الأولى أن تكلم الرجل إذا كان استأذن في بيتها أن لا تكشفه، وإنما تكلمه من وراء جدار. ﴿فَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. فتلك الآية في سورة الأحزاب، في ستر الجدار، وهذه في ستر اللباس. وهذه الآية في ستر اللباس. وأيضاً قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. كذلك الجلباب: جلباب المرأة أيضاً، المرأة به ما تتلفّع به، ما تتلفّع به المرأة. فلذلك فالمرأة إذا أرادت أن تخرج فإنها إما أن تلبس جلباباً، ثوباً تتلفّع به حتى لا يرى شيء منها، أو أنها تلبس خمارها فتسدله على جسدها الأعلى، ثم تتذر بإزار حتى أيضاً لا يرى منها شيء. فلها ذلك: لها أن تجتمل بجلباب كامل، مثل القميص أو مثل عباءة، أو تجعل في جسمها الأعلى خماراً، وفي جسمها الأسفل إزاراً. والرجل غالباً يلبس إما قميصاً أو إزاراً ورداءً، لكن بدل الرداء المرأة تجعل خماراً، بدل الرداء تجعل المرأة خماراً تخمر رأسها وكذلك وجهها بخمار، بمعنى: تغطي رأسها ووجهها وصدرها وكذلك ظهرها وما يكون في أعلى جسدها. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا، أو في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر