الدرس في شرح الأصول من علم الأصول 13، ألقاها
تناول المقطع مسألة دلالة الأمر على الفور عند الإطلاق، حيث ذكر أن الأظهر أن الأمر المطلق يفيد الفور، وهو قول جمهور العلماء، إلا إذا دلت قرينة على خلاف ذلك.
يناقش المقطع دلالات الأمر في الشريعة الإسلامية، حيث يبين أن الأمر قد يقتضي الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو التهديد، ويعتمد ذلك على القرائن والسياق الشرعي.
يناقش المقطع قاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" و"الوسائل لها أحكام المقاصد". يشرح أن الوسائل المشروعة تأخذ حكم المقاصد، فوسائل الواجبات واجبة ووسائل المندوبات مندوبة.
النص يشرح مفهوم النهي في اللغة العربية ودلالته على التحريم، ويبين أن صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده، مستشهدا بآيات قرآنية وأقوال أهل العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قبل دخولنا في هذا الدرس، ها هنا تنبيهان: التنبيه الأول نبه عليه أخونا مراد المغربي -يزاه الله خيرًا- وهو في المثال الذي ذكره الشيخ -رحمه الله تعالى- في صيغ الأمر في المضارع المقرون بلام الأمر، مثل قوله: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾. الآية، اللام ها هنا للتعليل، لا للآمر، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله فهي للتعليل. فيؤتى بمثال ما كان هذا المثال، فيقال: مثلا قول الله جل وعلا: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾. هذا أولا نبه عليه هنا الشيخ. الشيخ مثل الآخر: ولي التوقف بالبيت العشيخ، طيب هذا الأمر الأول. والأمر الثاني في مسألة: هل الأمر عند الإطلاق يفيد الفور أم لا؟ ذكرنا في الدرس الماضي أن العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة أقوالا، وذكر في الدرس الماضي أن القول بأن الأمر يقتضي الفور في الواسع، المضيق، فالأمر فيه ظاهر، وفي الأمر الموسع كذلك أنه لا يقتضي الفور، والأمر في ذلك كذلك مال ظاهر، لكن بقي في الأمر المطلق -أي الذي لم يحتف بقرينة- الأمر المطلق الذي لم يحتف بقرينة، هل أصل فيه أنه للفور أم لا؟ وأشرنا أو ذكرنا كذلك في الدرس الماضي أن الأظهر أنه كذلك يفيد الفور، أنه للفور، وهذا قول جمهور العلماء، وهو الذي رجحه العلامة ابن القيم والشنقيط، وكذلك عندنا رجحه هاهنا الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمهم الله تعالى جميعًا-. فإذا يقال: الأصل أن الأمر المطلق أنه يقتضي الفور، الأصل في الأمر المطلق أنه يقتضي الفور، إلا أن تدل قرينة كما ذكر الشيخ تخرجه عن هذا الأصل، ومن القرائن الوقت الموسع، قرينة تدل على ماذا؟ على أن الأمر ليس للفور. فهذه تكون من القرائن. والله تعالى أعلى وأعلم. لأن الأصل في الخطاب: أن الإنسان الأب إذا قال لولده: مثلا ائتني بماء، فتأخر الولد وجعل يلعب، ثم جاء بالماء -مثلا- بعد ساعة أو ساعتين، أو بعد يوم أو يومين، كيف سيكون حال الأب معه؟ واضحة. جماعة. كذلك إذا قال السيد لغلامه: ائتني بماء، ففعل كذلك، يكون معاتبا، ويستحق التأنيب والعقوبة، فدل هذا على أن اللغة، وكذلك العرف، وكذلك الشرع يدل على أمر واحد، وهو أن الأمر عند الإطلاق يقتضي الفور، فإن دلت قرينة تدل على إخراجه من ذلك عمل بها. ومن القرائن: كأن يأتي الآب -مثلا- في الليل، على سبيل المثال، ينظر في خزان الماء فيجد فيه ماء قليلا، يقول لولده: ائتني بماء، ومعلوم أن الماء يشترى -مثلا- في النهار، لا يباع في الليل، تكون هذه القرينة تدل على أن الأمر ليس للفور. وهكذا، يقال في الأوامر: إن دلت قرينة على التوسعة في وقتها، فلا يقتضي الفور، وإن لم تدل قرينة، فإنه يقتضي الفور. والمسألة -كما تعلم- فيها أخذ ورد، وكثير من العلماء -رحمهم الله تعالى- يستدلون بقصة حج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما حج إلا في العام العاشر من الهجرة، مع أن الحج أول ما شرع في العام الثامن، ثم أمر نبينا -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر بالحج في العام التاسع، وما حج إلا في العام العاشر. فقال علماء -رحمهم الله تعالى- هذا: أي من قال بأن الواجب أو أن الأمر لا يقتضي الفور، ومنهم الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يستدلون بهذا، يقولون: فرضية الحج كانت في السنة الثامنة، وما حج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في السنة العاشرة، فدل على أن الأمر لا للفور، بل للتراخي، مع أن الفور أفضل. واضح. جماعة. وهذا -كما يقال- لعله يكون أقوى دليل في الباب، لعله يكون أقوى دليل في الباب للقائلين بمذهب التراخي. لكن أجيب عن هذا الاستدلال بما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-، ثم بعده تلميذه ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أو قل: بأن الحج ما فرض في الوقت والزمان الذي به كان الحج حجا وواجبا إلا في العام العاشر. في العام العاشر، أما حجة أبي بكر فكانت في ذي القعدة، حجة أبي بكر كانت في ذي القعدة، في ذي القعدة. وما كانت الحجة في زمانها المطلوب والمأمور به شرعا -أي في ذي الحجة- إلا في حجة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. قالوا: ولهذا أخر النبي -صلى الله عليه وسلم- حجه إلى ذلك العام، وتلك حكمة عظيمة من الله رب العالمين -جل وعلى-، إذ أن الزمان قد استدار -كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر: «إن الزمن قد استدار كهيئته يوم أن خلق الله السماوات والأرض». واضح. جماعة. لا. يستدار الزمن. تعرفون: كان في أيام قريش يؤخرون الأشهر، تارة ويقدمونها أخرى، فحصل اضطراب في الأشهر، حصل اضطراب في ماذا؟ في الأشهر. فرجعت الأشهر على ما هي عليه يوم أن خلق الله السماوات والأرض، يوم أن حج النبي -صلى الله عليه وسلم-. لذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الزمان قد استدار كيوم أو كهيئته يوم أن خلق الله السماوات والأرض». بعد أن قال لهم: أي يوم هذا؟ فقال الصحابة: ظننا أنه سيسميه بيوم غير اليوم الذي نحن فيه. فقال: «الله ورسوله أعلم». فقال: «أليس بيوم نحر؟» الحديث. الشاهد من هذا: أن تأخير النبي -صلى الله عليه وسلم- لا أنه تأخير للواجب، ولكن كان ذلك التأخير لحكمة عظيمة علمها الله -جل وعلا-. فما حج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في زمان الذي هو زمان الحج -أي في ذي الحجة- في ذي الحجة. وأيضا ذكروا أشياء أخرى: من أن حجة أبي بكر كانت لأجل منع المشركين من الحج بعد ذلك العام، وكان المشركون يحجون، ويحج كذلك المسلمون حينها، فمنعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك العام. وكان المشركون ربما طافوا عراة، ربما طافوا عراة. فذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن من الحكم في تأخير حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- أشياء، منها ما ذكر: تطهير البيت من المشركين، ودور الزمان، فيكون الزمان كيوم أو كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، قال -رحمه الله تعالى-: وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك، فيخرج عن الوجوب إلى معاني، منها الندب، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾. فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشترى فرسا من أعرابي ولم يشهد. والأمر -كما ذكر- أن الأصل والقاعدة عند العلماء: أن الأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، إلا أن تدل قرينة تصرفه عن ظاهره. ومنه هذا الأمر، فالأصل في قوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾. الأمر، والأمر الأصل فيه أنه ماذا؟ الأصل أنه أمر. وأشهدوا: والأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب، لكن خرج عن مقتضى أو خرج عن هذا الظاهر بقرينة، ما هي؟ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشترى فرسا من أعرابي ولم يشهد، فدل على أن الإشهاد في البيع والشراء ليس بواجب، ليس بواجب. ثم هل هو مستحب؟ ذكر أو ذهب إلى هذا جماهير العلماء -رحمهم الله تعالى-، وبعضهم ذكر أن هذا الإشهاد من باب ماذا؟ من باب الإرشاد، لا من باب الاستحباب. والأول أظهر، والأول أظهر لما فيه من مصالح مترتبة على هذا الإشهاد، مقصودة شرعا. والإباحة: أي كذلك قد يخرج الأمر عن الوجوب إلى الإباحة، قالوا: أكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحاضر، بعد الحاضر، أو جوابا لما يتوهم أنه محظور. وقول الشيخ -رحمه الله-: «وأكثر ما يقع ذلك» دل على أن غير الأكثر لا يكون كذلك، أي أن الأكثر إذا ورد الأمر بعد الحاضر أنه يفيد الإباحة، وربما ورد الأمر بعد الحاضر ولا يفيد الإباحة، بل ربما يفيد الوجوب أو يفيد الاستحباب. لذا قال من قال من أهل العلم، وهو الصوافي في المسألة: أن الأصل أن الأصل في أن الأمر بعد الحاضر أنه يعود به الشيء إلى ما كان عليه قبل الحاضر. الصحيح في هذه المسألة: أن الأمر بعد الحاضر يعود إلى حاله قبل الحاضر، فإذا كان حاله قبل الحاضر أنه واجب، فيرجع إلى ماذا؟ إلى كونه واجبا، وإذا كان مستحبا فمستحب، وإذا كان مباحا فمباح. فمن الواجب: أن الله -جل وعلا- أمر بقتال المشركين، الله -جل وعلا- أمر بقتال المشركين، لكن لما دخلت الأشهر الحرم، أو أخبر الله أو نهى الله -جل وعلا- أهل الإسلام أن يقاتلوا في الأشهر الحرم، ثم أمر بعد ذلك بماذا؟ بقتالهم. قال الله -جل وعلا-: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾. فإذا انسلخت الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين كافة. الشاهد منه: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين. فقول الله -جل وعلا-: فاقتلوا المشركين، هل يدل على الإباحة؟ أم أنه يعود إلى ما كان عليه قبل الحاضر، وهو الوجوب؟ يعود إلى ما كان عليه قبل الحاضر، وهو ماذا؟ وهو الوجوب. كذلك في مسألة زيارة القبور، مسألة زيارة القبور، في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم بالآخرة». كما ذكر من أهل العلم: أنها عادت إلى ماذا؟ إلى حالها قبل الحاضر. منعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، ثم أذن لهم، فرجع الأمر إلى ماذا؟ إلى الاستحباب. والأكثر -كما ذكر- رحمه الله تعالى: أن الأمر بعد الحاضر أنه يعود إلى ماذا؟ إلى الإباحة. كما مثل بهذه المثالين. قال -رحمه الله تعالى-: مثاله بعد الحاضر، قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. قال: فالأمر بالاستياد للإباحة، لوقوعه بعد الحاضر، المستفاد من قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾. فالله -جل وعلا- حرم الصيد حال كون العبد محرما، فإذا حل من الإحرام، شرع له الصيد، لكن خارج الحرام. فقول الله -جل وعلا-: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. الأمر هؤلاء للوجوب؟ الجواب: لا. لماذا؟ دلت القرينة على أنه ليس للوجوب، ما هي القرينة؟ أن الأمر بعد الحاضر يعود إلى ما كان عليه قبل الحاضر. واضح. جماعة. أملا. ومنه هذا الأمر، فالاستياد قبل الحاضر ما حكمه؟ مباح. بعد الحاضر ما حكمه؟ يعود إلى ما كان عليه قبل الحاضر، وهو ماذا؟ أنه مباح. ومثال آخر: مثلا قول الله -جل وعلا- في أمر الحيض: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. هل في قول الله -جل وعلا-: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾. الأمر للوجوب؟ الجواب: لا. يعود إلى ما كان عليه ماذا؟ إذا ما كان عليه قبله، الأصل فيه أنه مباح، فيرجع إلى ماذا؟ إلى الإباحة. قال -رحمه الله تعالى-: ومثاله جوابا لما يتوهم أنه محظور، قوله تعالى: «افعل ولا حرج» في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض. طيب، هذا من هذا الباب. «افعل ولا حرج» هل معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «افعل ولا حرج» الوجوب؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه سئل عن إيش؟ عن حكم إباحة ذلك وجوازه. وهذه قاعدة مهمة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا سئل عن مباح، فقال: «افعل ولا حرج» أو ما شابه ذلك، عاد أو كان ذلك اللفظ ألي ظاهره الأمر، يتنزل على ماذا؟ على سؤال ذلك السائل. فما دام أنه سئل عن مباح، وقال: «افعل» فدل على أنه حثه أو أذن له بفعل ذلك المباح، فلا يرتفع ويرتقي فيكون ماذا؟ فيكون واجبا. فيكون واجبا. قال -رحمه الله تعالى-: التهديد: أي قد يأتي الأمر لا للوجوب، بل للتهديد. قال: لك قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾. فقول الله -جل وعلا-: اعملوا ما شئتم، ليس معناه الأمر، ليس معناه الأمر بفعل ما شاء العبد. واضح. جماعة. وإنما معناه إيش؟ التهديد. أي يهدد الله -جل وعلا- أن يفعل إنسان ما شاء، بل يفعل إنسان ماذا؟ ما أمر به. أما إذا فعل ما شاء -أي من معصية، من كفر، ما شابه ذلك- فإنه مؤاخذ على ذلك. فقول الله -جل وعلا-: اعملوا هذا من باب ماذا؟ من باب التهديد. وقوله كذلك: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارا﴾. قال الشيخ -رحمه الله-: قال: فذكر الوعيد بعد الآمر المذكور، دليل على أنه للتهديد. ها هنا كذلك: أنه للتهديد. الله -جل وعلا- قال: ﴿فمن شاء فليؤمن﴾. هل معناه أن الله -جل وعلا- خير العبد: فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر؟ فيقول: أنا سأكفر، وقد أمر الله -جل وعلا- بهذا؟ يقال: لا. بل المراد بهذا الأمر هنا ماذا؟ التهديد. المراد به التهديد. لأن الله -جل وعلا- قال بعد ذلك: ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارا﴾. أي من كفر، فإن الله -جل وعلا- أعد له نارا. والعياذ بالله. قال -رحمه الله تعالى-: ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي -كما تقدم- أن الأصل في الأمر أنه للفور، لكن قد يخرج عن هذا الأصل بقرينة. قال: مثاله في رسالة أخرى: مثاله قضاء رمضان، فإنه مأمور به، لكن دل الدليل على أنه للتراخي. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». قال: ولو كان التأخير محرما، لما أقرت عليه عائشة -رضي الله عنها-. فالشاهد من هذا: أنه استدل بهذا الحديث على أن قضاء رمضان ليس على الفور. ما الدليل؟ حديث عائشة. فهذا -كما يقال- خرج عن الأصل. هذه المسألة خرجت عن الأصل، وإلا فالأصل في قضاء الفوائت أنها ماذا؟ أنها على الفور. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها». فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليصلها» الفاتدل على ماذا؟ على التعقيب. أي مجرد أن يذكرها، بمجرد أن يذكرها، بمجرد أن يفيق من نومه ويعلم أن الصلاة قد فاتته، مباشرة يتجهز للصلاة ويصليها، لا يؤخرها. لماذا؟ لأن الأصل أن الأمر للفور. الأصل في الأمر أنه لماذا؟ أنه للفور. فإن قال قائل: فما تقولون في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي قتادة، وجاء بنحوه في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ما ناموا في بعض الأسفار، فما استيقظوا إلا بحر الشمس، فما صلى الصلاة حتى انطلق من ذلك المكان، فتوضأوا، ثم توضأوا وصلوا. واضح. جماعة. أجاب العلماء -رحمهم الله تعالى- على ذلك بما أجاب به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «إن ذلك مكان قد بات فيه الشيطان». إذن تأخر لا لتأخير الأمر عن فوريته، لكن لعلة، ما هي العلة؟ أن ذلك المكان قد بات فيه ماذا؟ بات فيه الشيطان. إذن الأمر باق على ماذا؟ على أصله، إلا أن تدل قرينة تخرجه عن ذلك الأصل. قال -رحمه الله تعالى-: ما لا يتم المأمور إلا به، قال: إذا توقف فعل المأمور به على شيء، كان ذلك الشيء مأمورا به. فإن كان المأمور به واجبا، كان ذلك الشيء واجبا، وإن كان المأمور به مندوبا، كان ذلك الشيء مندوبا. وهذه -كما يعبر عنها العلماء- قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب. واضح. جماعة. أم لا؟ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب. كما ذكر -رحمه الله تعالى-. قال: مثال الواجب: ستر العورة، فإذا توقف على شراء ثوب، كان ذلك الشراء واجبا. أي رجل عنده مال، وليس عنده ما يستر به عورته، فما حكم شراء الثوب لستر العورة؟ طيب. لذا صور أغواني المسألة: رجل عنده ما يستر به عورته، ما حكم شراء الثوب؟ مباح. واضح. جماعة. أم لا؟ لكن رجل ليس عنده ما يستر به عورته، ما حكم شراء الثوب؟ هاهنا واجب. لماذا؟ لأن ستر العورة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو إيش؟ فواجب. واضح. جماعة. ما لا يتم الواجب إلا به فهو إيش؟ فهو واجب. آخر أراد أن يصلي، وعنده مال، وليس عنده ماء، رجل أراد أن يصلي، وعنده مال، وعنده ماء لا يشق عليه أن يشتري ذلك الماء، فما حكم شراء ذلك الماء؟ ما حكم شراء ذلك الماء؟ الجواب إيش؟ واجب. لماذا؟ للقاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو إيش؟ فهو واجب. فهو واجب. قال الشيخ -رحمه الله-: ومثال مندوب: التطيب للجمعة، ما حكم التطيب؟ مباح. غير جمعة، مباح. واضح. الجماعة. لكن للجمعة، ما حكم التطيب للجمعة؟ مباح. الأدلة التي جاءت في ذلك كثيرة متكاثرة، فاليمس من طيب أهله. واضح؟ طيب. فإذا توقف على شراء طيب، كان ذلك الشراء مندوبا. يعني رجل ما عنده طيب، لكن عنده مال، ما حكم شراء الطيب لأجل أن يتطيب به للجمعة؟ الشراء هنا مندوب، أي مستحب، يؤجر عليه. مندوب، أي مستحب، أي يؤجر عليه. واضح؟ لماذا؟ للقاعدة: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب. فهو مندوب. قال الشيخ -رحمه الله-: وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها، وهي: الوسائل لها أحكام المقاصد. الوسائل لها أحكام المقاصد. وهذه قاعدة عامة، لكن مع التنبيه على أن المقصود بالوسائل: الوسائل المشروعة، أو قل: المأذون بها شرعا، لها أحكام المقاصد. واضح؟ قال: فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها. وهذه -كما سمعتم- قواعد ماذا؟ قواعد عامة. فوسائل المأمورات مأمور بها: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما لا يتم المندوب إلا به فهو ما مندوب؟ المنهيات منهيات عنها: ما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب، ما لا يتم ترك المكروه إلا بتركه فتركه مستحب. وضح. جماعة. ملاه. ننبه بتنبيهين: الأول: أن من فرط أو ترك الوسيلة التي بها أو التي لا يصح الواجب أو لا يقام أو لا يكون الواجب إلا بها، فإنه يأثم على تركه للواجب، لا للوسيلة. والواجب واضح. جماعة. أي لا يأثم من جهتين: من جهة تركه للوسيلة، ومن جهة تركه لماذا؟ للمقصد. واضح. يا إخوة. أو لا؟ واضح. هذا الأمر. أم لا؟ طيب. يأثم لماذا؟ لتركه للواجب. يعني مثلا كما ذكر: ستر العورة واجب، رجل عنده مال، لم يشتر ثوبا لستر عورته، هل يأثم إثمين: الإثم الأول لعدم الشراء، والإثم الثاني لعدم ستر العورة؟ الجواب: لا. وإنما يأثم لماذا؟ لعدم ستره لعورته. هذا هو الصحيح الذي رجحه شيخ الإسلام التيمية -رحمه الله تعالى-. وفي المسألة مباحث. طيب. هذا التنبيه الأول. وكما يقال: ضمنه، يدخل فيه كذلك العكس بالعكس. إذا اشترى الثوب لستر عورته، هل يؤجر أجر الشراء وأجر ستر العورة؟ أم يؤجر أجر ستر العورة فقط؟ الصحيح: أنه يؤجر أجران. واضح. جماعة. أجر ستر العورة، وأجر شراء الشراء الذي هو الوسيلة لستر ماذا؟ العورة. لماذا؟ أنه باب الفضل واسع، فضل الله -جل وعلا-، وقد دلت الأدلة على ذلك. منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من يعني في سبيل الله -مثلا- في سيره من أماكن بعيدة إلى المسجد». قال: «في كل خطوة يخطوها ماذا؟ حسنة له، فيها حسنة، وتسقط عنه بها ماذا؟ سيئة». كما في الصحيح من حديث أبي هريرة. وجاء كذلك في حديث جابر عند مسلم وغيره: «بيوتكم تكتب لكم ماذا؟ آثاركم». أي كلما سيرتم من المسجد، أو رجع الإنسان من المسجد، كتبت له ماذا؟ الثواب. والإتيان للمسجد وسيلة، أو واجب، أو مقصود، إذاته ها. جماعة. ها. المقصود: الصلاة في الجماعة، أو الوسيلة: الإتيان، والمقصد: الصلاة في الجماعة. صلاة جماعة هي المقصد، والإتيان وسيلة، فهو يؤجر على ماذا؟ على الوسيلة، ويجر على المقصد. واضح. هذا. جماعة. عملاء. هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني: قوله -رحمه الله تعالى-: ما لا يتم الواجب إلا به فواجب -كما تقدم- لأن هذا من باب ماذا؟ من باب الأحكام التكليفية. واضح. جماعة. عملاء. لكن ما لا يتم الوجوب إلا به، نفرق الآن: ما لا يتم الوجوب إلا به، فليس بواجب. فرق بينهما. أم لا؟ ما لا يتم الواجب إلا به فواجب، ما لا يتم الوجوب إلا به فهو إيش؟ فليس بواجب. لماذا؟ لأن الوجوب ليس لنا. الوجوب ليس لنا. يعني مثال ذلك: لأجل أن تجب علينا -مثلا- صلاة المغرب، لابد أن تغرب الشمس، هل علينا أن نغرب الشمس؟ هل نستطيع ذلك؟ الجواب: لا. واضحة. جماعة. لا. ليس بواجب أصلا، لأنه ليس بمقدورنا. وقد يكون بمقدورنا، قد يكون بمقدورنا، لكن لسنا بمأمورين به. وله واجب علينا، مثاله: إكمال النصاب في إخراج الزكاة. واضحة. جماعة. إنسان عنده -مثلا- ثمانون جرام من الذهب، يقول: أنا سأعمل، سأجتهد حتى أكمل خمسة وثمانين جرام، فتكون عليه الزكاة، فأخرجها، هل يجب عليه ذلك؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن هذا من باب ماذا؟ ما لا يتم الوجوب إلا به، لا من باب ما لا يتم الواجب إلا به. ننتبه: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. وقل كذلك: ما لا يتم الندب إلا به فليس بمن دوب. واضح. جماعة. أملا. هذا هو التنبيه الثاني على هذه المسألة. قال -رحمه الله تعالى-: النهي، ومن باب كما يقال: اللفتة الإجمالية لهذا الباب، الكلام في النهي كالكلام في الأمر. واضحة. جماعة. الكلام في النهي كالكلام في الأمر، أي أنه له صيغة، وأنه لا صر فيه للتحريم. واسع. لما سيأتي معنا بإذن الله -جل وعلا-. لذا قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في كتاب روضة الناظر: قال: وهو يعني عندما تكلم، ذكر الأمر، وفصل في مسائل الأمر، جاء إلى النهي، قال: «والقول فيه كالقول في الأمر». واضحة. جماعة. قال: «والقول فيه كالقول في الأمر». أي: المباحث نفس المباحث، لكن هذا نهي، وهذا إيش؟ وهذا أمر. قال -رحمه الله تعالى-: النهي: قول يتضمن -يعني- قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء، بصيغة مخصوصة، هي المضارع المقرونة -المقرون- بماذا؟ بلا. إنا. هي مثل قولي تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى﴾. ﴿ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة﴾. طيب. كما مر معنا في الكلام على الأمر: الأولى أن يقال: ماذا؟ استدعاء كف. واضحة. جماعة. استدعاء كف بالقول على وجه الاستعلاء، لما تقدم من تعليل ذلك في مسائل الأمر، فلا نكرر. واضحة. جماعة. أملا. لأن القول في النهي كالقول في الأمر، فما نبهنا عليه في باب الأمر، هو كذلك هنا يكون في باب النهي. واضحة. يا أخوة. أملا. فلا يحتاج إلى ماذا؟ إلى تكرار. فالآصل: أن القول نفسه: نهي، ليس هو يتضمن. واضحة. جماعة. استدعاء. كما مر معنا: استدعاء. استدعاء ماذا؟ استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء. هناك الفعل في الأمر: الفعل، وفي النهي: الترك، لكن على وجه ماذا؟ بالقول على وجه الاستعلاء. فنفس الصيغة هي النهي. نفس الصيغة هي ماذا؟ النهي. قال -رحمه الله تعالى-: فخرج بقولنا: قول، الإشارة، فلا تسمى نهيا، وإن أفادت معنا -كما تقدم معنا في الكلام على الأمر- فلا نكرر. وخرج بقولنا: طلب الكف، الأمر، لأنه طلب فعل. وخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء، الالتماس والدعاء، وغيرهما، مما يستفاد من النهي بالقرائن، كذلك على ما تقدم معنا. واضح. جماعة. قال: وخرج بقولنا: بصيغة مخصوصة، هي المضارع إلى آخره، أي: المقروض بلا. إنناهية. قال: ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر، مثل: دع، أترك، كف، ونحوها. قال: فإن هذه -وإن تضمنت الطلب الكف- لكنها بصيغة الأمر، فتكون أمرا، لا نهيا. لماذا؟ لأنها بصيغة الأمر. وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة نهي، مثل: أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب، أو نحو ذلك. أي: أن النهي إما أن يكون بالصيغة المذكورة، وهي الفعل المضارع المجزوم، أو قول بلا. إنناهية. فعل مضارع المقروض بلا. إنناهية. أو أن يأتي أو أن تأتي ألفاظ تدل على ماذا؟ على الحرمة. مثل قول الله -جل وعلا-: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾. حرم يدل على ماذا؟ على أنها محرمة. حرم ربي الفواحش. ما ظهر منها وما بطن. ولا تقولوا ها هنا إيش؟ ناهية. فعل مضارع دخلت عليه الناهية. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. «إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون». فأشاهد من هذا: أن النهية قد يكون بصيغة الفعل المضارع المقروض بلا. إنناهية. وقد يكون بماذا؟ بأدلة أخرى. كما ذكر: أي بلفظ التحريم، بلفظ ماذا؟ التقبيح لذلك. بصيغة اللعن: «لعن الله من فعل كذا». «الله ورسوله بريء من من فعل كذا». «بريء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كذا وكذا». هذه كل ماذا؟ تدل على ماذا؟ على التحريم. تدل على التحريم. واضح. جماعة. قال -رحمه الله تعالى-: وهي كالمبحث في ماذا؟ في الأمر. كالمبحث في ماذا؟ في الأمر. على ما تقدم. قال: ما تقتضيه صيغة الناهي. قال: صيغة الناهي عند الإطلاق تقتضي تحريم ما نهى عنه، وفساده. طيب. لما ذكرنا: هي ذكرنا مسألة ذكرناها في الأمر، وقلنا: سيأتي ذكرها، وهي: هل الأمر يقتضي التكرار أم لا؟ صح. نذكرها أو نتركها إلى درس الورقات -إن شاء الله-. المهم: الصحيح من أقوال أهل العلم: الصحيح أو الذي رجح أو طائفة من أهل العلم: أن الأصل في الأمر أنه لا يقتضي التكرار، إلا أن يدل دليل على ذلك. إلا أن يدل دليل على ذلك. هذا رجحه طائفة من العلماء من المحققين -رحمهم الله تعالى-، ومنهم العلامة الشنقيطي -رحمه الله-، ورجح العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- القول الآخر: أن الأمر الأصل في الأمر أنه يفيد التكرار، إلا أن تدل قرينة على خلاف ذلك. وسأتي بإذن الله -جل وعلا- الكلام عليه في كتاب آخر. مدن قد تركناه. طيب. قال -رحمه الله تعالى-: ما تقتضي صيغة الناهي. صيغة الناهي عند الإطلاق تقتضي تحريم تحريم المنهي عنه، وفساده. يعني الآن يستفاد حكمان من صيغة النهي، كما استفيد حكمان من صيغة الأمر. الأول: أن النهي للتحريم. الأصل في النهي أنه للتحريم. الثاني: أن الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد. الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد. هذان حكمان مستفادان من صيغة النهي. قال: فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم: قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. قال: فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وج