شرح أسماء الله الحسنى 57

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 57، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معاني أسماء الله الحسنى المحيط والمقيت

الله المحيط هو الذي أحاط علمه وقدرته ورحمته وقهره بكل شيء، والمقيت هو الذي أوصل القوت لكل خلقه ويرزقهم. الإيمان بهذين الاسمان يقتضي التوكل على الله وعدم الالتفات إلى الأسباب.

تأثير الإيمان باسم الله المقيت

الإيمان باسم الله المقيت يقتضي التورع في طلب القوت وأخذ العبد بالأسباب الشرعية للوصول إليه. كما يشمل معاني الرازق والحفيظ والشهيد.

اسم الله الملك والمليك ووروده في القرآن والسنة

اسم الله الملك والمليك ورد في القرآن والسنة، ومعناه من له الملك والكبرياء والعظمة والقهر. ورد في أحاديث نبوية متعددة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن الدعاء لله تعالى بالتوفيق والصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر فيه الرجاء الإلهي والاحترام للنبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى» اسم الله جل وعلا المحيط. فالمحيط اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في مواضع في كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا: ﴿والله من ورائهم محيط﴾، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الله بما يعملون محيط﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكان الله بكل شيء محيط﴾. فالمحيط من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى اسم الله جل وعلا المحيط، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «وعلمه بكل شيء سبحانه فهو المحيط وليس دانسياني» فالمحيط الذي أحاط علمه بكل شيء. وقال السعدي رحمه الله تعالى في شرحه باسم الله المحيط: «الذي أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المنظورات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته في كل الموجودات، والذي خضع له العباد». فالمحيط هو الذي أحاط علمه بكل شيء. ذلك قال جل وعلا: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾. فالله جل وعلا المحيط الذي أحاط علمه بكل المعلومات، أحاط جل وعلا علما وقدرة ورحمة وقهرا. فإحاطته جل وعلا إحاطة علم، وإحاطة قدرة، وهكذا إحاطة رحمة، وإحاطة قهر. فإحاطته جل وعلا علما بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، لأنه المحيط علما بكل شيء. وكذلك قدرته قد أحاطت بكل شيء، فلا يعجزه شيء، فهو المحيط جل وعلا الذي أحاطت قدرته بكل شيء. وهو المحيط جل وعلا الذي أحاطت رحمته كل شيء، فوسعت رحمته كل شيء. وهو كذلك المحيط قهرا، فإحاطته قهرت كل مخلوق، فلا يستطيع أحد الفرار من إحاطة الله جل وعلا به، لأنه قد قهر العباد قهرا على إحاطة الله جل وعلا بهم. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾. فلا يستطيع أحد أن يفر وأن يهرب من المحيط جل وعلا، لأنه سبحانه المحيط قد أحاط بالعباد علما وقدرة ورحمة وقهرا. فله الإحاطة الزمانية، وله الإحاطة المكانية. ولذلك كان من أسمائه «الأول والآخر والظاهر والباطن»، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. فهذان الاسمان دالان على إحاطة الله جل وعلا الزمانية. وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. وهذان الاسمان دالان على إحاطة الله جل وعلا المكانية. فالله سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شيء. ومقتضى الإيمان لله جل وعلا والتعبد باسمه المحيط المراقبة. المراقبة إذا علم العبد أن الله جل وعلا قد أحاط به علما وقدرة وقهرا، كان ذلك من لوازم مراقبته لله جل وعلا وخوفه ومحاسبته وتضرعه وإنابته إلى الله جل وعلا. فالعبد إذا علم أن الله جل وعلا هو المحيط به، فإن ذلك يجعله مراقبا لله جل وعلا المحيط به. وكان كذلك على استحضار أوامره بفعلها، ونواهيه باجتنابها. وكل ذلك من مقتضى إيمان العبد بربه جل وعلا المحيط الذي يحيط بكل شيء. ومن أسماء الله جل وعلا الحسنى التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى اسم الله المقيت. فالمقيت من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا، قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكون له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكون له كفل منها إن الله كان على كل شيء مقيتا﴾. فالمقيت من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى هذا الاسم المقيت، قال السعدي رحمه الله تعالى في شرحه باسم الله المقيت: «الذي أوصل إلى كل خلقه ما يقتات به». فالمقيت هو الذي أوصل للعباد ما يقتاتون به. فكل مخلوق في هذه الدنيا يحتاج إلى قوت يقتات به لتقوم حياته. فمن الذي أوصل إليه هذا القوت؟ الذي أوصل إليه هذا القوت هو المقيت، هو المقيت جل وعلا الذي أوصل إلى العباد ما يقتاتون به. فأوصل إليهم أرزاقهم بحكمته وفضله سبحانه وتعالى. فالمقيت فسر بتفاسير منها: الرازق، ومنها: الحفيظ، ومنها: الشهيد، ومنها: المقتدر، ومنها: الذي يجازي عباده. فكل هذه المعاني فسر بها اسم الله المقيت، ذكرها ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره. فإذا اسم الله جل وعلا المقيت له معاني عدة. فالمقيت بمعنى الرازق الذي أوصل الرزق والقوت إلى عباده. ومن معاني اسم الله جل وعلا المقيت أي الحفيظ، كما جاء عن ابن عباس وغيره. وهكذا الحسيب والشهيد، كما جاء عن مجاهد رحمه الله تعالى. ومقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا المقيت والتعبد له باسمه المقيت أن يتورع العبد لربه جل وعلا في طلب قوته. فالقوت إنما هو من عند المقيت، القوت لا يملكه أحد، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، وإنما الذي يملك القوت هو المقيت جل وعلا. فإذا علم العبد أن الله جل وعلا هو المقيت وهو الذي يوصل القوت إلى عباده، فإن قلبه يتعلق بالله جل وعلا المقيت في طلب ما يحتاج من القوت. فلا يلتفت قلبه إلى الأسباب، ولا يلتفت قلبه كذلك إلى غير الله جل وعلا، لأن إيمانه بأن الله جل وعلا هو المقيت يجعله على استحضار لربه سبحانه وتعالى المقيت وأنه وحده المقيت. فيتضرع إليه جل وعلا في طلب قوته. وهكذا من مقتضى إيمان العبد باسم الله المقيت أن يأخذ بأسباب وصول القوت إليه. فالمقيت جل وعلا هو الذي أوصل القوت إلى عباده، ولكن لله جل وعلا الحكمة البالغة أن جعل أسبابا توصل هذا القوت إلى العباد أسبابا شرعية. فالعبد عليه أن يأخذ بأسباب وصول القوت إليه. فالقوت لن يأتيك هكذا، السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، والرزق لن يأتي إليك يسعى إليك. نعم لن يأتي الغداء والطعام والشراب يسعى إليك. فالقوت لن يصل إليك وإنما عليك أن تتحرك له. فأنت مأمور بأخذ أسباب وصول القوت إليك. فالقوت لن يصل إليك وإنما أنت الذي تسعى، إلا إذا أكرمك الله جل وعلا ليري عباده جل وعلا أن الأسباب إنما هي أسباب في وصول القوت، وإلا فقد يصل القوت بفضل الله جل وعلا ورحمته. كما وجد ذلك القوت عند مريم: ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾، كرامة أكرم الله جل وعلا بها هذه المرأة الصالحة. لكن ليس كل أحد يقول: أنا سأجلس، وسيأتي القوت والرزق. لا، وإنما أنت مأمور بالأخذ بأسباب وصول القوت إليك، فتسعى له. وذلك قال نبي الله عليه الصلاة والسلام كما في حديث عمر عند الترمذي: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا». فالطير تخرج لطلب قوتها وطلب رزقها، لم تجلس في أعشاشها وفي أوكارها، وإنما خرجت سعيا لطلب قوتها. وأنت كذلك يا عبد الله، عليك أن تكون مثل الطير، لا تجلس في بيتك ولا تجلس في موضعك، وإنما عليك أن تخرج لطلب هذا القوت الذي قدره الله سبحانه وتعالى لك بالأخذ بأسباب تحصيله. ومن مقتضى تعبدك وإيمانك لله جل وعلا باسمه المقيت أن تكون من عباد الله جل وعلا الأتقياء، ومن عباد الله جل وعلا المتوكلين عليه جل وعلا حق توكله. ومن عباد الله سبحانه وتعالى الذين ينسبون النعم إلى الله جل وعلا. فما عندك من قوت فعليك أن تنسبه إلى المقيت جل وعلا، فهو الذي أوصله إليك، لا بسببك ولا بخبرتك ولا بذكائك، ولا بكذا وكذا من هذه الأسباب. والأسباب إنما هي أسباب في وصول هذا القوت إليك، وإنما القوت من عند المقيت سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ومن أسماء الله الحسنى ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى» الملك والمليك. الملك من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وهكذا المليك من أسماء الله جل وعلا الحسنى. فاسم الله جل وعلا الملك ورد في مواضع في الكتاب والسنة، منها قوله جل وعلا في سورة الحشر: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. وهذا قوله جل وعلا: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾. فالملك من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ورد اسم الله جل وعلا الملك في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في مواضع، منها حديث ابن مسعود، الحديث المتفق عليه، قال ابن مسعود: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يضع السماوات على إصبع والأراضين على إصبع والجبال على إصبع والثرى على إصبع، فيقول: أنا الملك». فيقول: أنا الملك. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. ففي هذا الحديث ذكر اسم الله جل وعلا الملك، وأن الله جل وعلا يقول: أنا الملك. وفي رواية لمسلم أنه يهزهن -أي الجبال والشجر والسماوات والأراضين والثرى- يجعلهن على إصبع جل وعلا، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. ففيه إثبات اسم الملك من أسماء الله جل وعلا الحسنى. وكذلك أيضا ورد في حديث عبد الرحمن بن أبي بزة رضي الله تعالى عنه، كما عند النسائي، صححه العلامة الألباني، والشيخنا الوادعي رحمة الله تعالى عليهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، ويقول: يا أيها الكافرون، ويقول: هو الله أحد. فإذا فرغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاثا». هذه سنة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام عند الفراغ من الوتر. لكن قد زاد الناس فيها شيئا أهل البدع، زادوا: «سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، قدوس ربنا ورب الملائكة والروح». هذه زيادات لم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما «سبحان الملك القدوس» ثلاثا بعد الفراغ من الوتر. ففي هذا الدعاء من النبي عليه الصلاة والسلام ذكر باسم الله جل وعلا الملك. وهكذا من أسماء الله جل وعلا المليك. والمليك ورد في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾. فالمليك من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ورد كذلك المليك في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر عند أبي يعلى الموصلي رحمه الله تعالى، قال عبد الله بن عمر: «إذا أوى النبي عليه الصلاة والسلام إلى مضجعه أثنى على الله سبحانه وتعالى، فيقول: الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني، الحمد لله الذي هو كفاني وآواني، الحمد لله ربي كل شيء ومليك كل شيء». فالمليك من أسماء الله الحسنى كما ورد في كتاب الله، ورد في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث حديث حسن، ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى اسم الله جل وعلا الملك والملك، يقول السعدي رحمه الله تعالى عليه: أي من له الملك. فالملك الموصوف بالملك، والملك هي صفة الكبرياء والعظمة والقهر. فالله سبحانه وتعالى الذي له الملك، الذي هو صفة العظمة والكبرياء والقهر، فله العالم العلوي والسفلي، والعباد كلهم عبيده ومفتقرون إليه جل وعلا. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الملك المليك أن يعترف العبد بملك الله جل وعلا، وأن ما آتاه من ملك إنما هو ملك الله جل وعلا. فلا يدخل في زكاة ماله، وهذا أعطاه الله جل وعلا ملك اليمين وملك المفاتيح، عليه أن يراعي حق الله جل وعلا في ذلك، وأن يتصرف كما أدين له شرعا، بأن الملك لله جل وعلا. قل: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾. ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾. فالملك ملك الله جل وعلا، وما أعطى الله جل وعلا العباد من أملاك إنما هم مستأمنون فيها. فليس لهم لهذه الأملاك ممتلكون حق الملك. وإنما هو ملك الله جل وعلا استودعه جل وعلا عندهم، ليرى جل وعلا كيف يعملون. فالملك لله سبحانه وتعالى. وذلك نقرأ في الفاتحة: ﴿مالك يوم الدين﴾، أي في ذلك اليوم يظهر الملك لله جل وعلا، ويعلم العباد حق اليقين أن الملك إنما هو للملك المليك جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبرك على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.