الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 626، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن الإمام أحمد بن حنبل وكتابه المسند، ويبرز أهمية سفيان الثوري وثقة روايته. يشير إلى صفات سفيان وأهميته في العلم.
يشرح صلاة الخوف التي شرعها الله في حالة الخوف الشديد، ويذكر تفاصيل صلاة النبي بها في غزوة ذات قرد. يبين أن هذه الصلاة نزلت في حالة الخوف من العدو أثناء الجهاد.
يشرح كيفية أداء صلاة الخوف في حالات مختلفة مثل وجود العدو في اتجاه القبلة أو غير اتجاهها، ويذكر مختلف الصفات التي وردت عن النبي في أداء هذه الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى -والإمام أحمد هو إمام الدنيا وإمام أهل السنة- والشيخ رحمه الله يقول: قال الإمام أحمد: ولا يذكر الكتاب، أي لأنه معروف، أي في كتاب المسند، مسند الإمام أحمد، السفر الكبير العظيم الذي ذكر فيه أكثر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قل أن يفوته من الأحاديث. قال: حدثنا وكيع، وكان حفظه عجيبا، مع كبر هذا المسند. قال بعض تلاميذه: ما كنا نرى فيه "حدثنا فلانا" كما ذكر عبد الله بن أحمد، وإنما فيه مثلا رواية شيخ شيخي، مثلا سفيان يقول: سفيان عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخر، فقط، بدون ذكر الشيخ الذي روى عنه، فيحفظ كل راو ثم يضعه بعد ذلك. لما أملى المسند أملاه على ابنه عبد الله، وكذلك صالح، وابن عمه حنبل، حنبل بن إسحاق بن إسحاق الشيبان. قال: حدثنا وكيع، وابن الجراح، أبو سفيان الرؤاسي الحافظ الكبير، كان حفظه طبعا، أي إذا حفظ شيئا لا ينساه، وكان رحمه الله حريصا على طلب العلم، طلب العلم عند سفيان، وعند الأعمش. وخلف سفيان عند موته، لما مات سفيان خلفه وكيع في مجلسه. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الإمام الكبير الفقيه، كان إماما في أشياء كثيرة، إماما في الحديث، وإماما في اللغة، وإماما في الزهد، وإماما في الفقه، وغيرها من الأمور العظيمة التي كان قد تحلى بها هذا الرجل العظيم. وكان أيضا آية من آيات الله في الحفظ، وكذلك في الفهم، وفي الورع والزهد. قال عبد الله بن مبارك: كنا إذا جئنا إلى سفيان فكأن النار حولنا من كثرة خوفه. يقول ابن مبارك: كنا نأتي سفيان فكأن النار حولنا من خوفه وبكائه، رحمه الله. قال: عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخر -وهو ثقة فقيه كما قال الحافظ- وهو عدوي بني عدي، أنا من قبيلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة -أي ابن مسعود- عبيد الله من أئمة الدين وفقهاء الأنصار، وفقهاء المدينة، أقصد فقهاء أبناء المهاجرين، وهو من فقهاء المدينة، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال الزهري: قال: فأتيت عبيد الله فرأيته بحرا لا ساحل له، أنا من كثرة علمه. قال: وما كنت آتيه إلا ويحدثني بحديث لم يكن حدثني به، أنا عنده علم واسع. فيقول الزهري: كنت آتي عبيد الله فيحدثني بحديث لم يكن قد حدثني به قبل. والزهري رحمه الله إذا حفظ شيئا لا ينسى، فلهذا فهو يعرف الأحاديث التي يحدث بها مشايخه. حتى أن الزهري أن هشام الخليفة هشام بن عبد الملك قال للزهري: نريدك أن تكتب لنا أحاديث نعلم بها الأطفال، يعلموا مؤدب الأطفال، يعلموهم ويحفظوهم هذه الأحاديث، فكتب له أربعمائة حديث. قال له: هات الكاتب، فكتب له أربعمائة حديث، ثم في السنة الثانية -أي بعد سنة- أراد هشام أن يختبر حفظ الزهري، فقال: يا أبا بكر، الأحاديث التي كتبتها لنا قد ضاعت علينا، أتريد أن تكتبها مرة أخرى أو تمليها مرة أخرى؟ قال: فهات الكاتب، فأملاها أربعمائة حديث. قال الكاتب: لما قارنا الورقة الأولى والثانية، قال: فما نقص منها حرفا واحدا، أنا كان كأنه كتاب، كأنه كتاب، فذكر تلك الأحاديث بعينها، فلم يجد حرفا ولا نقص حرفا. وهذا الحفظ لهذا كان الزهري يضرب به المثل في الحفظ. فقال الزهري رحمه الله: أتيت عبيد الله فرأيته بحرا لا ساحل له، فكنت كلما أتيته حدثني بأحاديث لم يكن حدثني بها من قبل. قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس -وقد أكثر عبيد الله عن ابن عباس في الحديث- قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الخوف بذي قرد، أو بذي قرد، أرض من أرض بني سليم. وهذه ذات قرد هي التي غزاها الصحابة في غزوة ذات الرقاع، كما ذكر جابر، كما في الصحيح البخاري، وهي أرض من أرض سليم أو بني سليم. قال: فصف الناس خلفه صفين، صف مواجه للعدو، وصف خلفه، فصلى بالصف الذي يليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ركعة أخرى. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، أصله في البخاري، مع الفتح، أنا أصله في البخاري، أي ابن عباس، قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الخوف بذي قرد. معنى ذكر هذا الحديث البخاري إلى هنا، إلى قوله: صلى بذي قرد، ولم يذكر التفصيل الذي ذكر هنا. وهذه الصفة في صلاة الخوف، هذه صلاة الخوف من الصلاة المشروعة التي شرعها الله عز وجل في الخوف الشديد، وغالبا يكون في الجهاد في سبيل الله جل وعلا. فإذا خافوا العدو فإنهم يصلون صلاة الخوف حتى لا يذهلوا. وأول ما شرعت هذه الصلاة شرعت في هذه المنطقة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام أرسل بعض الصحابة، وفيهم أرسل أبا موسى وغيره، أرسلهم إلى ذات قرد، فحضرت صلاة الظهر، فصلوا. وكان في العدو أو من العداء هناك خالد بن الوليد من قريش، فعلا يريدون أن يحاربوا الصحابة، فقال خالد: إنهم ستأتي لهم صلاة يحب إليهم من أموالهم على صلاة العصر، فإذا صلوا فإنا ننقض عليهم، أنا يقول: صلوا الظهر، لكن لم يستطع أن يهجم عليهم. قال: فإذا صلوا العصر نهجم عليهم، فنزلت صلاة الخوف، نزلت في ذلك الوقت صلاة الخوف، فصلى النبي عليه الصلاة والسلام بهم صلاة الخوف، فجعل صفا تجاه العدو. وهذه الصفة جاءت عن جماعة من الصحابة، نقلها جماعة من الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، كما في البخاري، ونقلها أيضا أبو عياش الزرقي، كما في صحيح مسلم، وصالح بن خوات، لكن الظهر أنه لم يحضر، وإنما رواها عن سهل بن أبي حثمة، وكذلك أيضا حذيفة بن اليمان، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قد حضروا هذه الحادثة، وغيرها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف. إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة، وهذه من الصفات التي يكون فيها العدو على غير اتجاه القبلة، إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة، فتكون مثل هذه، فيصف الناس خلفه صفين، صف مواز للعدو، معناه في اتجاه العدو، وصف خلفه، مثلا إذا كان العدو في الشرق أو في المشرق، فيصف صفا، هذا يقفون اتجاه العدو، أن إذا هجم العدو هناك من يدافع، ومن أيضا يتصدى له، وصف صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبلة. فلما صلى بهم ركعة خرج أولئك وانتظروا، وجلسوا في ذلك المكان، أو قاموا في مقام الصف الذي كان موازيا للعدو، وجاء أولئك واصطفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى بهم ركعة أخرى، وصلى بهم الركعة الأخرى، ثم تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقاموا، قاموا وصلوا ركعة، ثم تشهدوا وسلموا. ثم بعد أن انتهوا من صلاتهم جاءوا إلى أماكنهم الأولى، فجاء أولئك الذين بقيت لهم ركعة، فصلوا ركعة، ثم سلموا. وأيضا جاء على النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى أيضا أربع ركعات، بكل صف صلى بهم ركعتين، أنا صلى بالصف الأول ركعتين، ثم ذهبوا إلى اتجاه العدو، وجاء الصف الثاني، وصلى بهم ركعتين أيضا. لكن هذه الصفة لم ينقلها أكثر الصحابة، لكن هذه الصفة التي ذكرت هنا، فصف الناس خلفهم صفين، هذه ذكرت عن أكثر الصحابة رضي الله عنهم. وأما إذا كان العدو في اتجاه القبلة، فيصلون جميعا، يصلون جميعا، يصفهم جميعا، ثم إذا ركع يركع معه الصف المتقدم، ويقوم، يسجد معه، والصف المتأخر يبقى قائما، حتى إذا صلوا، أو حتى إذا قام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام، ومعنى قام الإمام، وقام الصف الثاني، يكملوا ركعتهم، يركعون ويسجدون، ثم يقومون، فيتقدمون إلى الصف الأول، والصف الأول يرجعون إلى الخلف، فيتمون صلاتهم مع الإمام، ثم بعد ذلك الصف الثاني يتم ركوعه والسجود، ويسلمون. فهذه أيضا صفة جاءت في صحيح مسلم، في إذا كان العدو باتجاه القبلة. وأما هذه إذا كان في غير اتجاه القبلة. وجاء عن ابن عباس أن النبي صلى ركعة واحدة في الخوف، صلى ركعة واحدة في الخوف، وهذا أيضا يدل على أنه يجوز إذا احتاجوا إلى ركعة واحدة. وأيضا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام أيضا صلى، أو أمرهم بصلاة ما يسميها الفقهاء بصلاة المسايفة، وهو عند التحام الصفوف، عند التحام الصفوف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما التكبير والإشارة بالرأس»، إنما التكبير والإشارة بالرأس. وهذه حتى تحصل، قد تحصل أيضا، قد يفعلها الناس الآن بشدة، مثلا الضرب، مثلا بين أهل الحرب، بين المسلمين والكفار، مثلا يكون ضرب شديد، ما يستطيع الإنسان أن يقوم من مقامه، أو أن يخرج من مترسه. فإن استطاع أن يصلي صلى، وإن لم يستطع أن يصلي لكثرة الضرب، ويحتاج أيضا أن يرد على العدو كثيرا، فإنه يصلي صلاة المسايفة، صلاة المسايفة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، جاء المجاهد، رفعها إلى ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما إذا اشتد الخوف، فإنما التكبير والإشارة بالرأس»، يكبر ويشير برأسه فقط، وليس فيها سجود ولا ركوع. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.