الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 106

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 106

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 106، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

غزوة بني المصطلق وأسبابها

غزوة بني المصطلق كانت ضد قبيلة بني المصطلق من خزاعة بعد أن جمع سيدهم الحارث القبائل لمقاتلة النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم قاد جيشه وانتصر عليهم.

نتائج غزوة بني المصطلق وما بعدها

نتج عن الغزوة مقتل الحارث وغنم المسلمون أموالا وسبايا، وكان من بين السبايا جويرية بنت الحارث. كما وقعت حادثة الإفك في طريق العودة.

عناية الله برسوله وحفظه له

الله حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم من الأعداء في عدة مواقف، مثل حادثة أبي جهل وسراقة بن مالك واليهودية التي دسّت السم. ثقة المؤمن بربه مهمة لمواجهة المخاطر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أشرنا إخواني في الله في درس أمس حول ما ذكره المنظوم رحمه الله تعالى في هذه الأرجوزة المئية بقوله: وكان في الخامسة اسمع وثقي الإفك في غزوة بني المصطلق. أشرنا إلى ما يتعلق بحادثة الإفك من مسائل، ومما يذكر كذلك غزوة بني المصطلق، إذ أن حادثة الإفك كانت على إثر هذه الغزوة، فما هي غزوة بني المصطلق؟ هذه الغزوة، إخواني في الله، تسمى بغزوة بني المصطلق وتسمى أيضا بغزوة المريسيع، فلها هذا الاسم ولها ذاك الاسم، هذا باعتبار وهذا باعتبار. تسمى هذه الغزوة بغزوة بني المصطلق لأن القوم الذي غزاهم نبينا صلى الله عليه وسلم ينتسبون إلى هذا الرجل، وهو المصطلق، فهو جدهم الأعلى، فهم ينتسبون إليه بني المصطلق، وهم بطن من خزاعة. وتسمى كذلك باعتبار آخر بالمريسيع، نسبة إلى الماء الموجود عندهم، عندهم ماء، وهذا الماء يستخدم في سقيهم وسقي أنعامهم، ويسمى بهذا الاسم. وسميت الغزوة بهذا الاسم لأن المعركة والغزوة حصلت قريبا منه، فتسمى بغزوة المصطلق بني المصطلق بالنظر إلى نسبهم أي الأعداء، وتسمى بغزوة المريسيع نظرا للمحل التي وقعت فيها الغزوة. ولهذا قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب غزوة المريسيع، فغزوة بني المصطلق تسمى أيضا بغزوة المريسيع عند أهل السير. فإذا سمعت بهذا وبهذا فاعلم أنهما غزوة واحدة لا غزوتان. هذه الغزوة، إخواني في الله، مفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن هذه القبيلة بني المصطلق قام سيدهم وهو الحارث، قام وجمع من جمع من القبائل العربية في هذه الناحية، ويؤلبهم على مقاتلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاجتمع له العدد من القبائل والعشائر، بلغ ذلك إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، فأرسل بريدة بن الحصيب لكي يتأكد من هذا الأمر. فذهب بريدة وتأكد ورجع بالخبر الأكيد أن هذه المنطقة قد ألبت من حولها من القبائل العربية على غزونا. فحينها قام نبينا صلى الله عليه وسلم باستغلال عنصر المفاجأة، لم ينتظر نبينا عليه الصلاة والسلام من هذا الجيش المعادي أن يستكمل ثم ينطلق ثم يأتي، وإنما عجل نبينا صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيشه وأسرع الخطى وأسرع المشي حتى وصل إليهم. لأن هذه المنطقة من بني خزاعة هي في الحقيقة تقع بين مكة وبين المدينة، فأسرع نبينا صلى الله عليه وسلم إليهم. ولما علمت العرب بقدوم نبينا عليه الصلاة والسلام بجيشه تفرقوا، وقد مضى ذلك معنى أن هذه من الآيات البينات التي حباها نبينا لنبينا عليه الصلاة والسلام، أن ألقى في قلوب أعدائه الرعب، فما إن يسمع به الكفار إلا وامتلأت قلوبهم رعبا وخوفا وفزعا منه عليه الصلاة والسلام. فلما كان الأمر كذلك تفرقت العرب هؤلاء الذين تجمعوا تفرقوا عن الحارث وتركوه لوحده، فما شعرت بني المصطلق إلا ونبينا صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى ديارهم، تحديدا عند الماء عند الماء المريسيع الذي بعد ذلك سميت الغزوة باسمه. فلما وصل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا المحل قام بترتيب الصفوف، بترتيب صفوف أصحابه، فجعل راية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما. ثم بدأت الغزوة برمي النبال، ثم بعد ذلك أصدر النبي أوامره إلى جيشه بأن يكتسح هذه الديار جملة واحدة. فهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم واكتسحوا ديار بني المصطلق، يقتلون من يقتلون من ظفروا به، ومن هرب منهم هرب. وكان ممن قتلوه سيد هذه القبيلة وهذه البلدة من بني المصطلق، وهو الحارث قتل في هذه الغزوة. وبعد ذلك تجمعت عند نبينا الغنائم الكثيرة، قدرت هذه الغنائم بألفي بعير وخمسة آلاف شاه. وأما السبي فقد كان خلق كثير، بلغ السبي إلى سبعمائة نفس، هؤلاء سباهم نبينا صلى الله عليه وسلم من سبايا بني المصطلق، سبعمائة نفس. فكانت أموال كثيرة حصدها نبينا صلى الله عليه وسلم من جراء هذه الغزوة، ناهيك عما كان من انكسارهم أي انكسار الكفار ومن خذلانهم وضعفهم. وكان مما يذكر أن من السبي جويرية بنت الحارث، وكانت هي ابنة الحارث سيد القوم الذي قتل في هذه الغزوة. ويذكر العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عدد من خرج معه من المقاتلة سبعمائة مقاتل وثلاثين فارسا. وأما الغنائم كما سمعتم: ألفي من الإبل وخمسة آلاف من الشياة ومئتا من النفوس أي السبايا. وهذه الغزوة كما سمعنا، على رجوعه عليه الصلاة والسلام وقعت حادثة الإفك. وأيضا من الحوادث التي وقعت في هذه الغزوة ما ذكرها العلماء في صحيح البخاري، وأن هذه الواقعة وقعت في غزوة بني المصطلق. ما جاء في صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى هذا المنزل وتمت الأمور وتحقق النصر، تفرق الصحابة والجيش في هذا الوادي، وكان الوادي كثير الأشجار. فكان من أمره عليه الصلاة والسلام أنه استظل تحت ظل شجرة وعلق سيفه فيها. وقال جابر: فما شعرنا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم يدعونا، قال: فاجتمعنا فإذا بأعرابي قاعد بين يديه. فقام نبينا صلى الله عليه وسلم ويذكر لأصحابه حقيقة ما جرى. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا قد أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي، قال: فاستيقظت وهو قائم على رأسي والسيف بيده». فقال هذا الرجل: يا محمد من يمنعك مني؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الله». قال: فسقط السيف من يده وقعد على الأرض. فقال جابر: فعفا عنه نبينا صلى الله عليه وسلم. وهذا الحادثة، إخواني في الله، من فوائدها بيان وتحقيق وتأكيد لقول الله جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. كم حاول الكفار كثيرا في قتله واغتياله عليه الصلاة والسلام، لكن باءت مساعيهم بالفشل. هذا أبو جهل في العهد المكي عندما أقسم عند ناديه وعند صناديد قريش، عندما رأى نبينا وهو ساجد، فاستشاط غضبا وأقسم بالله والعزة أنه ليذهبن إليه وليضربن على قدمه. فلما ذهب، ما استطاع أن يقترب، فرجع، فضحك عليه قومه، قالوا: ما شأنك رجعت؟ فقال: لقد رأيت بيني وبينه أهاويل. نعم، صلى الله عليه وسلم، أشياء جعلته يفزع ولا يستطيع أن يقدم على رسول الله، عصمه الله من أبي جهل. وهكذا في قصة سراقة، وذلك في حديث الهجرة، عندما جعلت الجوائز لمن يأتي برسول الله وبصاحبه حيا أو ميتا، فكان سراقة ممن سعى، بل كاد أن يصل إلى رسول الله، لكن كان الله بالمرصاد، فما كان يقرب أو يدنو سراقة من رسول الله حتى تخور ساقا فرسه في الأرض، تغوص في الأرض، فيقوم فينهض به ثم يمشي، فتخور حتى علم أن هناك شيئا حال بينه وبين رسول الله، وهو الله عز وجل. حينها أعطى لنبينا الأمان، وعلم أن رسول الله محمي. وهكذا في قصة اليهودية التي صنعت الطعام، وكان من طعامها أنها صنعت لحما قد دس فيه السم، وأرادت بذلك أن تغتال نبينا من خلال الطعام، فما أن أراد نبينا أن يأكل من هذا الطعام حتى تكلم اللحم، تكلم الكتف، وأخبر أنه مسموم، حماه الله عز وجل. والله يعصمك من الناس، وهذا الحديث من هذه الأدلة والبراهين الدالة على أن الله عاصم نبيه. ما كان هناك شيء يحول بين هذا الرجل وبين قتل رسول الله، لكن لما قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، فألقى الله الفزع والرعب في قلب هذا الأعرابي. وهكذا في هذه القصة من الفوائد: ثقة المؤمن، المؤمن يكون واثقا بالله، واثقا بنصر الله، واثقا بوعد الله. فالله جل وعلا يحفظ عبده بما يحفظ به عباده الصالحين، إن كان من القائمين بحدوده وشرعه. فنبينا يعلم بمعية الله الخاصة والعامة، فالله مع المتقين، والله مع الصابرين، والله مع عباده الصالحين المصلحين. فلما هدد نبينا من قبل هذا الرجل: من يمنعك؟ قال: الله. وأنت هكذا قل: يا عبد الله، من يرزقك؟ قل: الله. من يشفيك؟ قل: الله. فالمسلم يعتقد، لا يجعل هذه الأشياء نعم كلمات يتفوه بها في كلامه، لكنه في الواقع ينسى ذلك إذا وقعت له مشكلة أو وقعت له مصيبة أو وقعت له مرض، سرعان ما ينسى ربه. ما يذكره لكن يا عبد الله، كما تكون في حال الرخاء كن في حال الشدة، الله معك في كل أحوالك، يحفظك الله، يحفظك ربك. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف الحالكة ما قال: يمنعني حراسي أو أصحابي أو ناديت، بل قال بكل ثقة: الله. ويمنعك فكان الله عز وجل كما كان. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «وأنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». فالله عند ظن عبده به سبحانه، فمن ظن بربه خيرا، من ظن بربه النصرة، من ظن بربه الشفاء، من ظن بربه الغنى والمال، فالله سيكون عنده كما ظن العبد. هذا ما أذكر إخواني في الله في غزوة بني المصطلق وما وقع فيها من هذه الأمور. ووقعت فيها حوادث تراجع في المطولات حول هذه الغزوة، لكن ذكرناها باختصار بما كان من مؤدى هذه الغزوة من إغارة النبي على بني المصطلق عندما سمع أنهم قد استعدوا لقتاله، فباغتهم في ديارهم وقاتلهم وقتل منهم من قتل وغنم منهم ما غنم من هذه الغنائم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.