شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9

شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9

الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فروض الوضوء الستة والخلاف في المضمضة والاستنشاق

يستعرض المقطع فروض الوضوء الستة مبتدئًا بغسل الوجه متضمنًا المضمضة والاستنشاق، مبينًا خلاف العلماء في وجوبهما وترجيح وجوبهما. ثم يذكر غسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأس والأذنين، وغسل الرجلين مع الكعبين مستدلًا بالآيات والأحاديث على دخول المرفقين والكعبين في الغسل، مشيرًا إلى أن الترتيب مستنبط من ترتيب الآية الكريمة.

أدلة الترتيب والموالاة في الوضوء وحدود الأعضاء

يستعرض المقطع أدلة وجوب الترتيب في الوضوء من القرآن الكريم بوضع المسح بين الغسلين، ومن السنة النبوية بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الترتيب، كما يبين ضابط الموالاة بأن لا يجف العضو قبل غسل الذي بعده. ويحدد حدود الوجه واليدين الواجب غسلهما، ويشير إلى فضيلة تجديد الوضوء لكل صلاة تقرباً إلى الله وتكفيراً للسيئات.

سنن وفرائض الوضوء الكامل: النية والتسمية وغسل الكفين

يستعرض المقطع فضيلة النوم على طهارة، ثم يوضح أن النية شرط لصحة الوضوء ومحلها القلب دون اللسان، ويناقش حكم التسمية في أوله وآدابها في دورات المياه. كما يبين كيفية الوضوء الكامل مستنداً لحديث عثمان رضي الله عنه، مبيناً أن غسل الكفين ثلاثاً سنة مستحبة إلا بعد النوم فيجب، وأن المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه ثلاثاً من الكمال والواجب فيهما مرة واحدة.

أحكام غسل اليدين قبل الوضوء وكيفية المضمضة والاستنشاق

يستحب غسل اليدين ثلاثاً خارج الإناء قبل الشروع في الوضوء، وهذا لا يغني عن غسل الكفين داخل الوضوء، واختلف العلماء في وجوب ذلك بعد نوم النهار. كما بيّن الشيخ كيفية المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات، بحيث تكون كل غرفة نصفها للفم ونصفها للأنف، مستدلاً بحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى وهو الشارح: "فروض الوضوء ستة". يُراد بالفروض هنا ما يقابل الركن، يعني لا بد من الإتيان بها في الوضوء، وهي من ماهية الوضوء. فذكر أولًا: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق. وهذه المسألة - مسألة المضمضة والاستنشاق - اختلف العلماء في حكمها: هل حكمها حكم الوجه وواجب على المتوضئ أن يتمضمض وأن يستنشق، أو أنها سنة؟ ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وهو ترجيح الشوكاني والألباني وابن عثيمين، إلى أن المضمضة والاستنشاق حكمهما حكم الوجه. فمن لم يتمضمض ولم يستنشق فوضوؤه غير صحيح. واستدلوا بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. ما هو وجه الاستدلال بهذه الآية؟ قالوا: فإن الله أمر بغسل الوجه، ومحل المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه؛ لأن الأنف والفم من الوجه. هذا يعني هذه حجتهم وهذا دليلهم. فقالوا: من لم يتمضمض ولم يستنشق فإنه لم يكمل غسل وجهه، فجعلوا الفم والأنف من الوجه، والآية عامة تشمل غسل الوجه كله. واستدلوا أيضًا بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمضة والاستنشاق، واستدلوا كذلك بأمره عليه الصلاة والسلام بالمضمضة والاستنشاق. ومن ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينتثر» أو «ثم لينثر»، ينثر يعني يستنثر، والاستنثار هو خروج الماء من الأنف، والمضمضة هو دخول الماء إلى الفم. وأيضًا استدلوا بحديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا». فقوله: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في الاستنشاق حتى في حال الصيام، مع أن في حال الصيام قد يعني شيء يسير إلى الجوف، لكن هذا بالمبالغة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة، لكن لم يرخص في ترك المضمضة أو في ترك الاستنشاق. واستدلوا أيضًا في المضمضة بحديث لقيط بن صبرة عند أبي داود وغيره، وحديث صحيح: «إذا توضأت فمضمض، مضمض». قالوا: فعل الأمر فهو يفيد الوجوب. فاستدلوا بهذه الأدلة الإمام أحمد، والشوكاني، والألباني، وابن عثيمين، وغيرهم على فريضة المضمضة والاستنشاق. وذهب الإمام الشافعي، ورواية عن أحمد، وأبو حنيفة إلى سنية المضمضة والاستنشاق، ويذكر العلماء أن هذا قول الجمهور: أن المضمضة والاستنشاق سنة، فمن تركها فصح وضوؤه، ومن تركها فصح وضوؤه. واستدلوا كذلك بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فقالوا: الوجه هو ما حصلت به المواجهة، لا ما كان مختفيًا، وإنما ما كان مواجهًا، وهذا لا يطلق على الأنف والفم، فيكفي أن تغسل ما واجه الشيء وهو الوجه المعروف. هذا يعني دليلهم. واستدلوا أيضًا بأحاديث الأمر بغسل الوجه، قالوا: لم يذكر مع ذلك الأنف أو الفم. واستدلوا بحديث ضعيف: «المضمضة والاستنشاق سنة»، لكن هذا حديث ضعيف. فالأحوط والله أعلم ألا يترك المتوضئ المضمضة والاستنشاق؛ أولًا للأمر بها، وثانيًا خروجًا من خلاف أهل العلم. فالأقرب والله أعلم أن المضمضة واجبة في الوضوء، لا ينبغي أن يتركها المتوضئ، لا ينبغي أن يتركها المتوضئ. ولذلك هنا قال: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق، يعني من الوجه المضمضة والاستنشاق. والكلام هنا على الفروض، فجعل المضمضة والاستنشاق من الفروض لأنه من الوجه. فهذا هو الفرض الأول من فروض الوضوء: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق. الثاني: غسل اليدين مع المرفقين، والمرفقان يدخلان مع الغسل. لقول الله عز وجل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. و«إلى» هنا تحتمل أن تكون غائية، وأن لا تكون غائية. غائية يعني لا تدخل المرفقان مع اليد، مثل ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ يعني غائية، ﴿حَتَّى﴾ غائية بمعنى إلى مطلع الفجر، فما بعد الفجر لا يدخل. وهكذا «إلى» تأتي بمعنى حتى، الغائية بمعنى أن المرفقين لا يدخلان. ويحتمل أنها تدخل. لكن السنة هنا جاءت بالفصل في هذا الأمر، فقد جاء في حديث أبي هريرة أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل يديه حتى شرع في العضد. وأين العضد؟ العضد هذا، وأما المرفق فهو المفصل الذي بين الساعد وبين العضد، بين الساعد وبين العضد، هذا هو المرفق. تمام. فالصحيح في الوضوء أن المرفق يغسل مع اليد، يغسل مع اليد، لحديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ غسل يده حتى شرع في العضد، والعضد ما فوق المرفق، العضد ما فوق المرفق. فلذلك قال هنا: غسل اليدين مع المرفقين، مع المرفقين. هذا الثاني من فروض الوضوء. الثالث: مسح جميع الرأس، ومنه الأذنان. فقوله: مسح جميع الرأس، هذه المسألة ورد فيها خلاف، وإن شاء الله نؤجلها حتى لا نكثر من ذكر كثير من المسائل الخلافية في درس واحد، من أجل أن تستوعبوا المسائل، فنؤخر الخلاف على مسح الرأس فيما بعد في كلام المؤلف إن شاء الله تعالى. وكذلك الأذنان منه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس»، ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام كما في أحاديث كثيرة أنه إذا مسح رأسه مسح بأذنيه، وسيأتي معنا إن شاء الله بيان ذلك. والرابعة: غسل الرجلين مع الكعبين. الكعب هو المفصل الذي بين القدم وتلك الساق، هذا المفصل يسمى ماذا؟ يسمى الكعب. تمام؟ يسمى الكعب. وبعضهم يقول: العظم الناتئ، يعني هذا العقب، العظم الناتئ الذي يكون عند مفصل القدم مع الساق، القدم مع الساق. وقال: «مع الكعبين»، أي أن الكعبين كذلك يغسلان مع الرجلين، لحديث أبي هريرة أيضًا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يغسل رجليه حتى شرع في الساق، حتى شرع في الساق. الساق هذا يعني شرع معناه غسل شيئًا من الساق، وهذا من باب أولى أن الكعب يدخل في الغسل، الكعب يدخل في الغسل. لأن الله عز وجل قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، «إلى» كذلك قد تكون غائية وقد تكون غير غائية، لكن الذي فصل لنا وحكم لنا في هذه المسألة هي السنة، هي السنة. وأما الترتيب فسيأتي معنا دليله إن شاء الله تعالى، وهو الآية، دليله الآية. هذه الأربعة صريحة في الآية. وأما الترتيب والموالاة فهي مستنبطة من الآية، لأن الآية وردت مرتبة في هذا الترتيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إذن أول شيء الوجه، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. في هذا الترتيب، فإذا هذا ترتيب: الوجه، اليدان، مسح الرأس، غسل الرجلين. طيب، فالآية أتت مرتبة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾. طيب، قد يقول قائل: الآية جاء العطف فيها بالواو، جاء العطف فيها بإيش؟ بالواو، والواو لا تفيد ترتيبًا، الواو لا تفيد ترتيبًا، فكيف تقولون أن الترتيب فرض من فروض الوضوء؟ والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الآية ذكر فيها ممسوح بين مغسولين، ممسوح بين مغسولين. ما هو الممسوح؟ الرأس. الله عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. هنا ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب معطوفة على الرأس، أو معطوفة على اليدين؟ معطوفة على اليدين، مش على الرأس، لأن الرأس مجرور. لو كانت الرجلان تمسح لقال ماذا؟ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ باعتبار معطوفة على إيش؟ على ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. لكن لأن الرجلين فيهما الغسل قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ باعتبار معطوفة على ﴿أَيْدِيكُمْ﴾، لأنه قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، ﴿أَيْدِي﴾ هنا منصوب صح لأنه معطوف على منصوب، وهو ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ معطوف على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوف على كذلك يعني ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾. طيب، فوجود هذا الممسوح بين مغسولين دل على أن الترتيب هذا مراد، لأن العرب إذا لم ترد ترتيبًا لا تجمع بين المختلفين، وإنما تجمع بين أيش؟ تجمع بين المتماثلين. طيب، فلو كان الترتيب غير مقصود لقال الله عز وجل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، أخر المسح. فكون المسح جاء بين مغسولين فهذا دليل على أن الترتيب مقصود في هذه الآية. واضح هذا الآن؟ هذا يعني وجه. الوجه الآخر: السنة. فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخالفة هذا الترتيب، ولا في مرة واحدة في وضوئه، ولا في مرة واحدة في وضوئه جاء عنه عليه الصلاة والسلام مخالفة هذا الترتيب أبدًا. كل الأحاديث التي نقلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها ترتيب الوضوء، ما جاء حديث فيه مخالفة هذا الترتيب. واستدل العلماء بذلك على ما ذكرنا، وهو ماذا؟ وهو الترتيب. وأما الموالاة: المراد بالموالاة أن تغسل العضو بعد العضو من غير تأخير، كل عضو تغسله مواليًا للعضو الذي قبله. وما ضابط الموالاة؟ ذكر هنا ضابطًا للموالاة، قال: وتحقيقها بأن لا يؤخر المتوضئ غسل العضو حتى يكون الذي قبله قد جف. هذا هو الضابط. يعني ما هو تأتي تغسل وجهك، ها ثم تذهب عند الغسالة، ها وتنشف الملابس، ثم تأتي وقد جف وجهك وتغسل يديك، ها. لا يكون هناك فاصل بين العضو والعضو بحيث أن هذا الفاصل يكون سببًا في جفاف العضو. لا بد أن يكون العضو لا يزال مبللًا حتى تنتقل إلى العضو الذي بعده، حتى تنتقل إلى العضو الذي بعده. فهمتم هذا الآن؟ فهذا هو معنى الموالاة. وكذلك يستدل على الموالاة بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يرد عنه عليه الصلاة والسلام أنه أخر بعض الأعضاء في وضوئه ولم يوالي في وضوئه، لم يرد ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولأن العضو إذا جف معنى أن الوضوء صار متجزئًا، والوضوء عبادة واحدة لا تتجزأ، عبادة واحدة، فينبغي أن يؤديها المتوضئ بالموالاة، أن يوالي في غسل أعضائه. هذا ملخص من الشارح لفروض الوضوء. فمن ترك شيئًا من هذه فوضوؤه غير صحيح. من لم يغسل وجهًا أو لم يستوعب غسل وجهه فوضوؤه غير صحيح. وهذا كذلك يجعلنا نبين حد الوجه: ما هو حد الوجه؟ ذكر العلماء حدًا للوجه، قالوا: بالنسبة للطول: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، هذا كله الطول، هذا من الوجه. تمام، من الوجه، واضح. وعرضًا: من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، يعني الوجه هذا كامل، هذا كامل، كل هذا الوجه. طيب، كيف لو واحد في لحية هنا في هذا؟ جاء سيأتي معنا تخليل اللحية، يخلل إذا كانت كثيفة ولا يصل الماء إلى البشرة يخللها، وإذا كانت خفيفة ويصل خلاص يكفي الغسل لأن الماء سيصل إلى البشرة. واضح هذا الآن؟ فهذا هو حد الوجه، ينبغي للمتوضئ أن يستوعب الماء في ذلك. وأما حد اليدين: واضح من طرف الأصابع إلى ما فوق المرفق إلى العضد. طيب، أهم شيء أنه يدخل إيش؟ يدخل المرفق في الغسل، فالمرفق من اليدين في الغسل. وأما مسح جميع الرأس: هذه المسألة ستأتي معنا، اختلف العلماء فيها، وفيها تفصيل وتفاريع، نفرد لها إن شاء الله يعني درس ما فيه كثير من مسائل الخلافية حتى لا يشوش عليكم. والرجلين كذلك: من طرف الأصابع إلى ما فوق الكعبين، وعرفنا ما معنى الترتيب وما معنى الموالاة. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي وهو... أي الوضوء، الآن سيبين المؤلف صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم الكاملة: الفروض مع السنن. الوضوء له فروض ستة تقدمت معنا، وله كذلك سنن، وله سنن، واضح. فالآن سيتكلم المؤلف على صفة الوضوء الكامل بفروضه وسننه، بفروضه وسننه. قال: والوضوء شرعًا هو التعبد لله عز وجل بغسل الأعضاء الأربع على صفة مخصوصة. هكذا عرف العلماء الوضوء: التعبد لله. هذا ينبغي الكلمة أن تدخل في كل تعريف، لأن الوضوء ليس من أجل الطهارة، من أجل النظافة، وإنما من أجل التقرب إلى الله، حتى لو كنت نظيفًا فأنت تتوضأ من أجل أن تنال أجر هذا الوضوء، أجر هذا الوضوء. ولذلك الوضوء عند الجمهور... الوضوء عند غير الجمهور أو الوضوء عند الجمهور؟ نعم، الوضوء عند الجمهور لا يشرع إلا لمن أحدث، لا يكون مشروعًا إلا لمن أحدث. ولكن تجديده لكل صلاة عندهم مستحب. قد مثلًا يكون معك وضوء من العصر، ما عندك بول ولا عندك مشكلة في بطنك ولا شيء. طيب، جاء وقت المغرب، هل تكتفي بالوضوء الذي توضأته في العصر أو تذهب وتجدد الوضوء؟ الأفضل أن تذهب وتجدد الوضوء، ولو لم تدخل الحمام، المهم تجدد الوضوء، بمعنى أنك تتوضأ مرة ثانية. لماذا قالوا؟ لعموم الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، هذه الآية فيها أن الوضوء لكل صلاة، هذا من باب الاستحباب. ولكل صلاة يكون واجبًا الوضوء هذا لمن أحدث، لمن أحدث. هذا وجه، الوجه الآخر: أن الوضوء تجديده مستحب ولو لم تأت بناقض، حتى تنال فضل وأجر الوضوء. الوضوء فيه أجر كبير وعظيم. يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره»، يعني إتمام الوضوء على أعضاء الوضوء. طيب، وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ أحدكم فإن ذنوبه تخرج من تحت... يعني أنفه، من تحت أنفه حتى لا تبقى عليه خطيئة»، وهكذا إذا تمضمض، وهكذا إذا غسل وجهه تخرج من وجهه، تخرج من يديه. وردت أحاديث في فضل الوضوء، في فضل الوضوء. فالمسلم يحرص على مثل هذه الفضائل، على مثل هذه الفضائل، ويحرص أن لا يكون إلا متوضئًا، أن لا يكون إلا متوضئًا، ولو عند نومه. لذلك جاء فضل كبير في الوضوء عند النوم على طهارة، وأن ملكًا يستغفر لهذا المتوضئ إذا بات على طهارة، ففيه فضل عظيم حتى عند النوم. فالمؤمن لا ينجس، كما جاء في حديث أبي هريرة: «نعم، لا يحاول أن يكون دائمًا وأبدًا في حالة وضوء لينال أجر هذا الوضوء، ولو لم يرد الصلاة، ولو لم يرد الصلاة. فكيف لو أراد الصلاة فهو من باب أولى، ولو معه وضوء فالأفضل أن يتوضأ حتى ينال أجر الوضوء». قال: أولاً: أن ينوي رفع الحدث أو الوضوء للصلاة ونحوها، لأن النية شرط كما تقدم، لعموم حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات». لذلك قال: والنية شرط لجميع الأعمال من طهارة وغيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فمن شروط الوضوء النية، كما مر معنا في الدرس الماضي، من شروط الوضوء النية. والنية يعني تكون في القلب، كما أشار هنا الشارح: محلها القلب، والتلفظ بها بدعة. لا يشرع أن تقول: نويت وأنا أتوضأ، لا. خلاص أنت جئت عند الحنفية من أجل ماذا؟ من أجل تغسل التراب؟ لا، من أجل أن تتوضأ بكيفية معينة، فتنوي هذه النية، تنوي هذه النية. قال: ثم يقول: بسم الله. يعني أول ما يبدأ يسمي الله، يسمي الله. وهذا التسمية عند جمهور أهل العلم مستحبة، عند جمهور أهل العلم مستحبة. واستدلوا على ذلك بأنه عمل يبتدئ به المسلم فيشرع له أن يبدأه باسم الله، أن يبدأه باسم الله. ورد حديث اختلف في صحته، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم، حديث أبي هريرة: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وهذا الحديث أئمة الحديث من المتقدمين يضعفون هذا الحديث، حتى أن الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام لما ذكر هذا الحديث نقل عن الإمام أحمد أنه قال: لا يثبت فيه شيء، لا يثبت فيه شيء. وكذلك نقل في التلخيص الحبير، الحافظ ابن حجر عن العقيلي أنه قال: والأسانيد في هذا الباب فيها لين، يعني أنها ضعيفة. فجمهور أهل العلم يضعفون هذا الحديث، يضعفون هذا الحديث. ومنهم من يصححه، وهو العلامة الألباني بمجموع طرقه، ويعمل بهذا الحديث. فلذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية في أول الوضوء واجبة على ظاهر الحديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». قالوا: والنفي هنا نفي صحة، والنفي هنا نفي صحة. ونازعهم الجمهور في ذلك، قالوا: على فرضية صحة هذا الحديث فيكون الحديث محمولًا على الكمال، أي أن البسملة أو التسمية مستحبة عند الوضوء وليست واجبة. ودليل الجمهور على ذلك: أن التسمية لم تذكر في آية الوضوء، هذا أمر. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم المسيء في صلاته، علمه الصلاة، ألا الصلاة، قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله»، أي كما أمرك الله في القرآن. وهذا الموضع موضع تعليم صحة الصلاة، فلو كانت البسملة يعني أو التسمية واجبة لبينها له النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أنها لم تذكر في القرآن. ففي الحقيقة حجة الجمهور والله أعلم حجة ظاهرة وقوية. وعلى فرضية صحة الحديث يحمل على الاستحباب، البسملة تكون مستحبة في الوضوء، أي: لا وضوء كامل لمن لم يذكر اسم الله عليه، لمن لم يذكر اسم الله عليه. وهنا مسألة أيضًا يسأل عنها البعض، وهو التسمية في الحمام أو في مواضع قضاء الحاجة. فعلى القول بسنيتها، فلا إذا تركتها ما عليك شيء، ولو تعمدت تركها ما عليك شيء، لأنه لا يذكر اسم الله في تلك المواضع. والأفضل والأكمل أن تتوضأ خارج الحمام، لا تتوضأ في الحمام إلا في حال الغسل. فإذا تركت البسملة على أنها سنة فإن شاء الله لا شيء عليك. وإن سميت الله بعيدًا من موضع النجاسة، من موضع قضاء الحاجة، فبعض أهل العلم قال بذلك، قال بذلك لأن العلة وجود الأذى، وهذا أنت بعيد من الأذى. والأفضل والأكمل كما قلنا أن تتوضأ خارج الحمام، في المواضع جعلوا لك مواضع، وجعلوا لك مكان لقضاء... اقضي حاجتك ثم اخرج إلى المواضع وتوضأ، والمواضع ليس حكمها حكم الحمام لأنها ليست موضع قضاء الحاجة، فيجوز أن تسمي الله عز وجل عندها. نعم، هذا بالنسبة لقوله: ثم يقول بسم الله. هذا الوضوء الكامل، قال: ويغسل كفيه ثلاثًا، يغسل كفيه ثلاثًا. قوله: يغسل كفيه، هذا الغسل مستحب لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا الغسل ليس من غسل اليدين، وإنما هو قبل غسل اليدين، قبل غسل اليدين، وهو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. والأصل والأصل في كيفية الوضوء الكامل بفروضه وسنيته هو حديث عثمان رضي الله تعالى عنه. فجاء في حديث عثمان عن مولى حمران، يقول حمران: أن عثمان رضي الله تعالى عنه دعا بوضوء، يعني بماء وضوء، بفتح الواو، هو الماء الذي يتطهر به، والوضوء هو فعل الوضوء. تمام. ففي هذا الحديث أن عثمان دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاث مرات، الكفين من أطراف الأصابع إلى الرسغ، هذا يسمى كف. غسل كفيه هذا مستحب وهو من الوضوء الكامل، تمام، لهذا الحديث. ثم قال: ثم يتمضمض ويستنشق. وهذا قلنا على قول الجمهور أن المضمضة والاستنشاق مستحبة، ومنهم من ذهب إلى وجوبها لظاهر الأحاديث. واستنثر، الاستنشاق إدخال الماء إلى الأنف ومجه، والاستنثار خروج الماء من الأنف. استنثر، والاستنشاق يستنشق الماء يدخله في أنفه، هذا الاستنشاق، والمضمضة دخول الماء إلى الفم. قال: ثم غسل وجهه ثلاث مرات. إذن الآن معنى الغسل ثلاث مرات: الغسل ثلاث مرات مستحب، الواجب الفرد في الغسل مرة واحدة، هذا هو الواجب أن يغسل مرة واحدة، لكن الأكمل أن يغسل ثلاث مرات. هذه الأعضاء الثلاثة تغسل ثلاث مرات إلا مسح الرأس، فوردت السنة بمسحه مرة واحدة كما سيأتي معنا في وصفه، كما سيأتي معنا في وصفه. فإذن: غسل الكفين هذا مستحب. وفي الوضوء هناك غسل الكفين واجب، متى؟ إذا قام المتوضئ من النوم، إذا قام من النوم فإنه يغسل كفيه ثلاثًا على سبيل الوجوب، بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغسل يديه...» أو «فلا يدخل يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده». فهنا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام، والأصل في الأمر الوجوب. فقال العلماء: هذا الغسل واجب. إذا أنت تريد أن تتوضأ من الإناء، ما هو من الحنفية، واضح، لأن النهي معلل هنا: لا يدري أحدكم أين باتت يده، قد يكون هناك في نجاسة، قد يكون من تلاعب الشيطان، وقد ذكروا عللًا كثيرة لهذا النهي. فإذا مثلًا عندك إناء، صحفة فيها ماء، تريد أن تتوضأ منها، وقمت من النوم، فهنا لا تغمس يدك مباشرة وتتوضأ، لا. تغرف بمغراف، بكأس أو بشيء من هذا الإناء، وتغسل يديك خارج الإناء، تغسل يديك ماذا؟ خارج الإناء ثلاثًا، ثم تشرع في الوضوء. فخلاص تدخل يديك، تغسل يديك ثلاثًا، هذا استحباب. قد يقول قائل: هل الثلاثة الذي غسلتها خارج الإناء تغني عن غسل الكفين ثلاثًا قبل الوضوء؟ لا، ما تغني. ذاك واجب وهذا إيش؟ مستحب. ذاك واجب وهذا إيش؟ مستحب. فيستحب كذلك، ولو غسلت يديك خارج الإناء أن تغسلهما مرة ثانية، تغرف من داخل الإناء، فهذا مستحب، أما الأول فهو واجب. وهل هو من نوم الليل والنهار؟ اختلف العلماء في ذلك، فكثير من أهل العلم ذهبوا إلى أنه من نوم الليل، لأنه جاء في الحديث: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، والبيتوتة إنما تكون ماذا؟ من الليل. لكن بعض أهل العلم خرج هذا الحديث مخرج الغالب، فقال: يعني الغالب أن النوم يكون من الليل. وهذا مثل حديث المرأة التي تمتنع من فراش زوجها، قال: «إلا بات الذي في السماء غاضب عليها»، قال: «بات»، معنى أنه دعاها في الليل، صح. طيب، لو دعاها في النهار هل يكون الذي في السماء غاضب عليها؟ الجواب: نعم، لأن الحديث خرج مخرج الغالب. فالغالب في المعاشرة أن تكون في الليل. هكذا ذكر العلماء. بل ذكروا أن المعاشرة في الليل صحية، ليس كثيرًا المعاشرة في النهار، هكذا يذكرون، والله أعلم. بل الأطباء يذكرون ذلك. ومرة في محاضرة الدكتور عبد الرحمن العندليبي سئل عن أفضل أوقات الجماع، فذكر أنه في الليل، استدل بهذا الحديث: «البات الذي في السماء غاضب عليها»، فقال: هذا دليل على أن المعاشرة تكون في الليل. لكن لو دعاها بعد الفجر أو في الظهر وأبت، فهل لها أن تستدل وتقول: لا، الله عز وجل ما يغضب علي إلا إذا امتنعت عليك في الليل، أما في النهار لا؟ لا، لأن الحديث خرج مخرج أيش؟ الغالب. وهكذا ذكر بعض أهل العلم في هذا الحديث أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدري أين باتت يده»، هذا خرج مخرج الغالب. فبعضهم ذكر أيضًا أنه لو نام من النهار، طيب، وقد يكون نوم النهار طويلًا، مساء مثلًا ينام من بعد الفجر، من ساعة عشر أو عشر، هذا يمكن خمس ساعات أو ست ساعات. طيب، فقال: والعلل كأن العلل موجودة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وجودًا وعدمًا. فبعض أهل العلم عمم وقال: في أي نوم، والحديث خرج مخرج الغالب، والله تعالى أعلم. قال: ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات. هذا أيضًا من الوضوء الكامل. قلنا المضمضة والاستنشاق اختلف فيها، والأقرب والله أعلم أن المسلم لا يدعها، المسلم لا يدعها، لقوة الخلاف، ولأمر بها، ولمداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ويخرج من خلاف أهل العلم، فلا يدعها. وقلنا كما ذكرنا: غسل اليدين أو الكفين، وغسل اليدين، وغسل الرجلين، والمضمضة والاستنشاق، هذا ورد فيها التثليث وهو الأكمل. طيب، وورد أيضًا فيها أنه توضأ مرتين مرتين، هذا في البخاري، وورد أيضًا في الصحيح أنه توضأ مرة مرة، وورد عنه أيضًا أنه توضأ مخالفًا، فيغسل وجهه ثلاثًا ثم يديه مرتين ثم رجليه ثلاثًا، يعني يخالف في عدد الغسل. كل هذا جائز، لكن الواجب هو الغسل مرة واحدة في جميع الأعضاء، هذا الواجب. والأكثر من فعله ومما نقله الصحابة في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام التثليث، كما في حديث عثمان المتقدم معنا: فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك. واضح؟ فهذا مما يستحب أن يغسل هذه الأعضاء ثلاث مرات، ومنها المضمضة والاستنشاق. وإن لم ترد في حديث عثمان، لكنها وردت في حديث آخر، وهو حديث عبد الله بن زيد، أنه قال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: تمضمض واستنثر ثلاثًا من غرفة واحدة. إيش معنى من غرفة واحدة؟ يعني يأخذ الماء بيده اليمنى غرفة واحدة، فيضع نصفًا في فمه ونصفًا في إيش؟ في أنفه. هذه هي السنة، يعني لا يأخذ ثلاث مرات لأنفه ثم ثلاث مرات لفمه أو العكس، لا، ثلاث غرفات، لكن كل غرفة نصف للفم ونصف لإيش؟ للأنف، نصف للمضمضة ونصف للاستنشاق. هذا ما ورد به حديث عبد الله بن زيد، وهو في صحيح البخاري، وهو في صحيح البخاري. فهذه كيفية المضمضة والاستنشاق، كيفية المضمضة والاستنشاق، والسنة فيها. طيب، نكتفي بهذا ونكمل بقية صفة الوضوء في درسنا القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.