الدرس في كتاب البيوع 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناولت المحاضرة شروط جواز المراهنة والعوض في السباقات، حيث أشار إلى أن المراهنة بعوض لا تجوز إلا في ثلاثة أشياء واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. وناقشت آراء العلماء حول جواز المراهنة إذا كان العوض من المتسابقين أو من طرف أجنبي.
يتناول المقطع شروط جواز المراهنة في السباق، حيث يشترط تعيين المتسابقين وتحديد المسافة واتحاد نوع المركوبين. وقد استدل العلماء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة على جواز المراهنة مع هذه الشروط.
السبق يعتبر جعالة ويجوز الفسخ فيه عند الحنابلة وأبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي. ورجح الشيخ ابن عثيمين أن السبق كالجعالة ويجوز الفسخ وأنه عقد جائز.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد، اتخذنا من مسائل السبق والمسألة معنى مهمة في هذا الباب، حيث إن المؤلف لم يشر إليها أو يذكرها بصراحة. أولًا، من ناحية العوض، لا تجوز المراهنة بعوض إلا في هذه الثلاثة أشياء التي ذكرها المؤلف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصب». وذكر بعض العلماء، كشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، أنه يقاس عليها ما كان مثلها. ومن ذلك مسابقات العلم، مسابقات العلم تدخل في ذلك أيضًا، أي في الجواز، حتى لو بعوض. لكن المسألة الآن هي كيف يكون العوض؟ فإذا كان العوض من شخص أجنبي، أي ليس من اللاعبين وليس من المتسابقين، فلا شيء في ذلك، وهذا جائز عند الجميع. وكذلك إذا كان الواضع أحد المتسابقين، مثلًا يقول: «إن سبقتني أو إن سبق خيلك خيلي، فسأعطيك كذا وكذا»، والآخر لا يعطي شيئًا، فهذا ليس مقامرة، وهذا جائز أيضًا. لكن إذا كانت الجائزة من المتسابقين كليهما، هذا يدفع وهذا يدفع، وهو ما يسمى المقامرة، مثلًا يقول: «إن سبق خيلك أعطيتك عشرة آلاف، وإن سبق خيلي تعطيني عشرة آلاف»، أو مثلًا على رمي، يترامون، يقول: «إن أصبت الهدف تعطيني كذا وكذا، وإن أنت أصبته أعطيك كذا وكذا»، فهذه المسألة هل هي جائزة حتى في هذه الثلاثة؟ الجمهور منعوا من ذلك، جمهور العلماء قالوا: لا، ما يجوز، فهذه مقامرة صريحة. وقالوا: القمار محرم، لكن الجمهور ذكروا حتى تكون هذه المقامرة حلالًا، قالوا: لا بد من محلل، لا بد من محلل، أي شخص يلعب معهم لكنه لا يدفع شيئًا، أو يسابق معهم لكنه لا يدفع شيئًا. مثلًا يأتي ثالث معهم، أيضًا يرمي، الأول يقول: «سأدفع عشرين ألفًا»، والثاني يقول: «سأدفع عشرين ألفًا»، لمن أصاب الهدف يأخذها، الثالث يقول: «أنا ما سأدفع شيئًا»، هذا يسميه الجمهور محللًا، لا بد أن يكون هناك محلل لا يدفع شيئًا. فهذا عند الجمهور يجوز، لكن بشرط ألا يكون حيلة، أن يكون مثلًا ضعيفًا في الرماية، ما يعرف يرمي، فهذا يعتبر حيلة لأنه دخل بلا فائدة. وقد جاء في التحليل حديث أخرجه أحمد وأبو داود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أدخل فرسًا بين فرسين لا يأمن أن يسبق فلا بأس، وإن أمن فهو قمار». لكن الحديث فيه ضعف. وهناك قول آخر في المسألة الأصلية، في المتسابقين إذا دفعوا حتى ولو لم يجعلوا محللًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة من العلماء إنه يجوز ولو بغير محلل. وذكروا أن القمار أكل المال بالباطل، وهذا ليس بأكل المال بالباطل، بل هو أكل المال بحق، لأنه عوض عن ما أمر الله به من الجهاد في سبيله جل وعلا. وأما الحديث، فلا يصح، لأنه من رواية سفيان بن حسين عن الزهري، وسفيان بن حسين إن كان ثقة، لكن روايته عن الزهري ضعيفة. وقد رواه أصحاب الزهري، كمالك ومعمر وغيرهم، أنه من كلام سعيد بن المسيب، وليس حديثًا مرفوعًا. والذي تقتضيه الأدلة أن كلام شيخ الإسلام وغيره هو الصحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز السبق في هذه الثلاثة أشياء: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصب». وقد جاء أيضًا عند أحمد في مسنده أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قيل له: هل كنتم تراهنون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، لقد راهن النبي صلى الله عليه وسلم على فرس يقال له سبحة فسبق. فسبق فهش له وعجبه. وأيضًا سابق وراهن أبو عبيدة شابًا من شباب المسلمين في سباق الفرس. وكذلك جاء في الترمذي حديث أبي هريرة أن أبا بكر الصديق راهن قريشًا على غلبة الروم على الفرس. فكل هذه الأدلة تدل على جواز المراهنة ولو بدون محلل. قال المؤلف: ولا بد من تعيين المركوبين، تعيين المركوبين، أي لا بد أن يعين أن هذا المركوب هو الذي سيسابق، لا يقول مثلًا: «سيسابقك أحد خيلي». أيضًا الرماة لا بد من تعيينهم، سيُرمي فلان، فلان، لا يقول مثلًا: «هل تراهن على الرمي؟ سأعطيك أحد أصحابي». قالوا: لا بد من التعيين، وكذلك اتحادهما، اتحادهما، أي يكونان من نفس النوع، مثلًا هذا خيل عربي، لا بد أن يكون الثاني عربيًا، أو هذا هجين وهذا هجين. هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهناك قول عند الحنابلة أيضًا أنه يجوز ولو كان مختلفًا، وهذا لا شك أنه صحيح. قالوا: المسافة أيضًا لا بد من تحديدها، لا بد من تحديدها إلى عين، سيسابق أو الرمي على ماذا؟ وجاء في الصحيح في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد ضمرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. وقال العلماء: إن المسافة إذا لم تحدد قد يفضي هذا الخلاف إلى التنازع، لأنه ليس هناك شيء محدد يكون فيه المسابقة وفيه الرمي، وهذا يفضي للجهالة، وبعد ذلك يكون فيها النزاع. قالوا: بقدر معتاد، أي لا بد أن يكون بقدر معتاد ليحصل المقصود، لا يكون مسافة ليست بعيدة، أو إذا كان مثلًا رمي، لا يضع مثلًا الرمي بعيدًا جدًا حتى قد يصعب الهدف، بل يضعه بحيث يراه الرامي. قال: وهي جعالة، لكل واحد فسخها، أي السبق يعتبر جعالة، والجعالة لكل واحد أن يفسخ العقد، لأنه عقد شركة. الجعالة مثلًا كما ذكرنا قبل أن يقول: «من يأتي بكذا أو يأتي ببعيري فله كذا وكذا»، أو «من يبني حائطي فله كذا وكذا»، فيجوز له أن يرجع ولو بدأ في العمل، مثل العامل، وكذلك يجوز للصاحب العمل أن يرجع، هذا لأنه يعتبرونه شراكة. وهذا قول عند الحنابلة، لكن الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الفروسية» بين أن هناك فرقًا بين باب السبق وباب الجعالة، ولأن الجعالة غالبًا يكون نفع الإنسان لنفسه، أما في السبق فهو يوفيه لمن يعجزه ويقهره ويغلبه، فلا يعطيه مالًا. وذكر رحمه الله أشياء كثيرة مما يدل على الفرق بين السبق وبين الجعالة، وأراد أن يتوصل إلى أنه لا يجوز الفسخ إذا استمروا في السباق. وأيضًا قالوا: إن هذا الفسخ يجوز لمن له الغلبة، أما إذا كانوا ليس لأحدهما فضل فيجوز الفسخ، وخلاص، أنا ما أريد سابق. وأما إذا كان لأحدهما الغلبة فلا يجوز للمغلوب، فلا يجوز للمغلوب لأنه فيه ضرر على الغالب. وهذا أيضًا مذهب أبي حنيفة، أي أنه جعالة ويجوز الفسخ فيه على أنه عقد جائز. وهو أيضًا أحد قولي الشافعي. والقول الثاني في هذه المسألة أن هذا العقد عقد لازم، ليس عقدًا جائزًا، العقد الجائز الذي يجوز فسخه. لكن قالوا: هذا عقد لازم إذا شرع فيه فليس لأحد أن يفسخ، وجعلوه عقد إجارة. لكن الصحيح أن القياس بأنه عقد إجارة ليس صحيحًا، وأن الإجارة أيضًا السبق يختلف عن الإجارة. ولهذا رجح كثير من المعاصرين، كالشيخ ابن عثيمين في هذه المسألة، أن القول الأول وأنه كالجعالة يجوز الفسخ وأنه عقد جائز. قال: ويصح المناضلة، أي القول الأول على أنها جعالة، فيجوز أن يفسخ العقد، أي على أنه عقد جائز ما لم يكن فيه ضرر، ما لم يكن مثلًا هناك غالب ومغلوب، فالغالب يجوز له أن يفسخ، أما المغلوب لا. قال: ويصح المناضلة على معينين يحسنون الرمي، المناضلة أي المسابقة في الرمي تسمى مناضلة. قال هنا: يحسنون الرمي، فإن كان بعضهم لا يحسن الرمي، فإن هذه من المسابقة التي يؤمن فيها السبق، وهذا لا يجوز عند جمهور العلماء لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. أنا يأتي بإنسان رامي وإنسان يتعلم الرمي ويقول: «تسابقة»، لا، هذا ما يصح، هذا ما يصح. أو خيل مثلًا متعبة وخيل نشيطة، أو غيرها مثلًا بعير متعب ما يجري ببعير نشيط جدًا، فهذا مسابقة غير صحيحة.