الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 129، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع موقف شيخ الإسلام ابن تيمية القائل بأن كل بدعة ضلالة، ويرد على مزاعم وجود بدعة حسنة بخمسة أوجه تفصيلية. ويخلص إلى أن دلالة حديث «كل بدعة ضلالة» سالمة، وأن المستثنى إما ليس بدعة شرعية أو مخصوص بالحسن.
يبين المقطع أن صلاة التراويح جماعة سنة ثابتة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وليست بدعة، وأن حديث «كل بدعة ضلالة» عام لا يخصص إلا بدليل. ويوضح أن قول عمر رضي الله عنه «نعمة البدعة» وارد على سبيل اللغة أو الإلزام لا على المعنى الشرعي المحدث.
يفصل المقطع الفرق بين البدعة اللغوية ككل ما لم يسبق له مثال، والبدعة الشرعية المخالفة للشرع، مستشهداً بأمثلة تاريخية. ويؤكد أن أعمالاً كجمع القرآن وإخراج اليهود والنصارى سُميت بدعة لغةً لا شرعاً لموافقتها السنة وانتفاء موانعها.
يناقش المقطع رفض الصحابي قبول العطاء الذي غيّر حكمه الأمراء بعد النبي صلى الله عليه وسلم مستدلاً بحديث في عدم أخذ العوض عن الدين. ويسرد قصة أهبان بن صيفي وكسره السيف بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عند اقتتال المسلمين كواقعة صحيحة في عهد علي رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن كل بدعة ضلالة، وأنه ليس هناك ما يسمى ببدعة حسنة، وذكر أن من عارض هذا على أن هناك بدعة حسنة فهو مردود، ورد عليه بجوابين: أولًا: أن ما ثبت حسنه فليس من البدعة. وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص. إنه ليس من البدعة وإنما هو من السنن. فإن كان هناك شيء اسمه بدعة أو حسن فهو مخصوص من عموم هذه البدعة، فيدخل تحت السنة والمستحب، وليس داخلًا تحت البدعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل بدعة ضلالة». فلذلك لا يجوز لأحد أن يحمل هذه البدعة على البدعة التي نهى عنها بخصوصها، لأن هذا تعطيل لفائدة الحديث؛ لأن ما نهى عنه الشرع من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم، سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة. فحمل البدعة عليه كما يفعله كثير من المبتدعة ليس صحيحًا، وتعطيل لفائدة الحديث. يجعلون البدع هي الأشياء التي نهى عنها الشرع، مثلًا التبتل، يقولون: إن التبتل بدعة لأن الشرع قد نهى عنه. التبتل: معنى ترك الزواج لأجل العبادة، أو الاختصاء. يقولون: بدعة. هذه الأشياء قد جاء النهي عنها، فهي لا تدخل في هذا الباب. وإنما هذا الباب: أشياء تخترع في دين الله، وليست أشياء قد جاء النهي عنها. قال: والقول بأن هذه... أو أن الحديث يدل على أن هذه البدعة التي نهى عنها بخصوصها، تعطيل لهذه النصوص، وهو نوع من التحريف أو من نوع التحريف والإلحاد. قالوا فيه من المفاسد أشياء: أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث؛ فإنما علم أنه منهي عنه بخصوصه، فقد علم حكمه. ما علم أنه منهي عنه، مثلًا التبتل، التبتل هذا قد جاء النهي عنه عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم، فليس الاعتماد هنا على هذا الحديث أنه بدعة، لا، وإنما الاعتماد على ما جاء في ذمه في الشرع، في ذمه بعينه. فلذلك ما علم نهيه في الشرع لا يدخل ولا يندرج في هذا الحديث. فإن قلنا أنه يندرج كله، فلا فائدة في هذا الحديث، ولا يعد أيضًا من جوامع الكلم. ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب به، كما جاء في حديث جابر وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمر وجهه، وعلا صوته، وانتفخت أوداجه، كأنه منذر جيش، يقول: «صبحكم ومساكم»، ثم يقول: «ألا إن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». قال: والثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسمًا عديم التأثير، إذا جعلنا البدعة هي ما نهي عنه، صار اسم البدعة هذا عديم التأثير؛ لأننا قد نسميه معصية، قد نسميه فسقًا. فتعليق الحكم بهذا اللفظ أو المعنى تعليق له بلا تأثير له، ما في فائدة نقول: بدعة، لا، مع أن الشرع قد جاء بتسمية أشياء بدعة. والثالث: أن الخطاب مثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر وهو كونه منهيًا عنه، كتمان لما يجب بيانه، وبيان لما لم يقصد ظاهره. فإن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص؛ إذ ليس كل بدعة عنها نهي خاص، وليس كل ما فيه نهي خاص بدعة. فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض. أنا أقول مثلًا: هذا منهي عنه، وأردت أنه بدعة، هذا ليس صحيحًا. فالبعدة غير المنهي عنه، المنهي عنه قد جاء في الشرع، وأما البدعة فهي شيء آخر لم يأتِ أصلًا في الشرع، وإنما يخترعه الإنسان. قال الرابع: أن قوله: «كل بدعة ضلالة، وإياكم ومحدثات الأمور»، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص، كان قد أحال في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد؛ المنهيات كثيرة. قولنا مثلًا: الأشياء المنهية عنها، فقوله: «كل بدعة ضلالة»، أي: كل منهي عنه ضلال، هذا شيء معلوم أصلًا. وإذا كان أراد به هذا، فمعنى أنه معنى لا يكاد يحاط به، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجود بحال. قاله الخامس: أنه إذا أريد به ما فيه النهي الخاص، كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من البدع. فإنك لو قارنت البدع التي نهى عنها بأعيانها، وما لم ينهى عنها بأعيانها، وجدت هذا الضرب هو الأكثر، التي لم ينهى عنها بأعيانها. واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو الناذرة. وقد اتفقت الأمة، مثلًا، اتفق أهل السنة على تسمية المعتزلة أنها بدعة، بدعة المعتزلة بدعة، بدعة الخوارج بدعة، بدعة المرجئة بدعة. وهذا البدعة ليس كلها عينها النبي صلى الله عليه وسلم. صحيح عين النبي صلى الله عليه وسلم بدعة الخوارج، وأشار إليهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقولنا مثلًا: إن البدعة لابد أن يكون مما نهى عنه، بمعنى أن المعتزلة ليست مبتدعة، وأن المرجئة ليست مبتدعة، لماذا؟ لأنه لم ينهى عنه في الشرع. هذا كلام ساقط. قال: وهذه الوجوه تمنع جواز إرادة هذا المعنى بالحديث. فهذا الجواب عن مقامهم الأول، لأنه قال: الجواب من مقامين. المقام الأول: أن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظًا، لا خصوص فيه. ثم بين ذلك بعدة وجوه، وأن المعنى لو قيل: إن المراد بالبدع هنا ما نهي عنه في الشرع، فسيكون هذا المعنى فاسدًا من عدة وجوه، وذكرها خمسة وجوه. قال: وأما مقامه الثالث، فيقال: أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح. فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه إذا ثبت أن هذا حسن، يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة. وقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن وهو بدعة، إما أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث. إذا قلنا: إن البدعة مثلًا تنقسم إلى حسن وقبيح، فهنا هذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالًا على قبح الجميع، أي قبح جميع البدع. فما كان منها حسنًا يكون مستثنى من العموم، يخرج من العموم، وليس يقال له بدعة؛ لأن عندنا البدعة ضلالة. فيكون إما مستثنى من العموم، أو أنه مخصوص، مخصوص بالحسن. قال: فعمّا أمور أخرى، قال: وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حسنه، أي في الشرع، ما جاء حسنه في الشرع. فعمّا أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح معارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن، فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصًا، وإن لم يثبت أنه حسن، فهو داخل في العموم. فمثلًا: صلاة التراويح جماعة، هل هي من الحسن؟ نعم، لأنها قد جاء في الشرع، قد جاء حسنه في الشرع، فهي مستثناة من البدعة المضمومة. حتى لو قلنا أنها بدعة، فهي ليست بدعة باللفظ الشرعي. فقول عمر رضي الله عنه: «نعمة البدعة هذه»، أي: من باب اللغة، أو من باب الإلزام. يعني: لو قلنا أنها بدعة، فهي نعمة البدعة، لكنها ليست بدعة أصلًا. قال: وإذا عرفت أن الجواب عن هذه المعارضة بأحد الجوابين، فعلى التقديرين الدلالة من الحديث باقية، لا ترد بما ذكروا. يعني هذه العبارة: «كل بدعة ضلالة»، هذا عبارة عامة، وسيف على أهل البدعة، ليس هناك ما يخصه أبدًا، ليس هناك ما يخصه. كيف نخص كلام النبي صلى الله عليه وسلم بكلام بعض العلماء؟ يحتاج إلى دليل آخر يخصه، أنه يحتاج إلى دليل آخر من كلام النبي عليه الصلاة والسلام أنه بدعة. ولهذا جاء تقرير هذا عن الصحابة، جاء عن ابن عمر أنه كان يقول: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة»، كما في الدار. «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة»، فليست بحسنة أبدًا، بل هي ضلالة. قال رحمه الله: ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة»، لسلب عمومها، وهو أن يقال: ليس كل بدعة ضلالة. فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل. حتى في كلام الأئمة، ليس هناك من تجرأ مثل تجرأ بعض البدع أن يقول: ليس كل بدعة ضلالة. ممكن أنه مثلًا يقول: هناك من البدع ما هو مذموم، وهناك من البدع ما هو ممدوح، مثلًا، مثل ما يؤثر عن الشافعي رحمه الله. لكن هذا لا يبين أنه يرد على هذا الحديث، أن كل بدعة ضلالة، وأنه يخصص هذا الحديث بأن هناك بدعة حسنة. لا، وإنما المقصود أن هناك... لأجل ما قاله عمر، أن هناك بدعة في لغة العرب قد تسمى بدعة في العرف، عرف الناس، لأنهم لم يعهدوها، لم يعهدوا هذا الشيء، فسموه بدعة. ولهذا لما كان الناس لم يعهدوا الصلاة جماعة في التراويح، فقال بعضهم: إنها بدعة، فقال عمر رضي الله عنه: «إن كانت هذه بدعة، فنعمة البدعة». فإذا كنتم تسمون هذا بدعة، فهذه نعمة هذه البدعة، لكنها ليست بدعة أصلًا، وإنما هي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: بل الذي يقال فيما ثبت أنه حسن من الأعمال التي قيل هي بدعة: إن هذا العمل معين، مثلًا، ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث. وإن اندرج، فهو مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم. معنى: إذا قلنا: إن هذا حسن، وهو مثلًا قد يسمى بدعة، أين الدليل على حسنه؟ يحتاج إلى دليل. لو قال الإنسان مثلًا: من البدع، كما ذكر ابن عبد العزيز، أن من البدع الحسنة بناء الأربطة، وبناء المدارس، وبناء كذا، سمى هذا بدعة حسنة. طيب، إذا قلنا: إن هذا حسن، من أين أنه حسن؟ حسن يدخل في مثلًا نشر العلم وتعليم الناس، وهذا قد جاء حسنه في الشرع. فلماذا نحن نسميه بدعة، وهو قد جاء حسنه في الشرع، وقد جاء دليله في الشرع؟ فهو من الأمور المستحبة، من الأمور المستحبة التي جاء الحسن عليها في الشرع. لأن الحديث قد جاءت، والأدلة قد جاءت على نشر العلم، وكل ما فيه نشر للعلم يدخل في هذا الباب. قال: الذي هو أقوى من العموم، أي: هذا المستثنى. مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر. فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده، أبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام. مقصوده أن كل بدعة ضلال. ثم ذكر أن سيوضح هذا الأمر. فقال رحمه الله: فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفعله في الجماعة. فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه». وهذا الحديث حديث حسن في الشواهد، وقد ذكر ابن خزيمة أن هذا الحديث له شواهد، وقد ذكر أيضًا الشيخ الألباني بعض شواهده أو ما يدل عليه. وفيه نظر، ابن شيبان. لكن هذا الحديث فيه شواهد تدل عليه، قد جاء من حديث عبد الرحمن بن عوف. ومن أهل العلم من يضعفه، لأن هذا الحديث بهذا اللفظ فيه هذا النظر، ابن شيبان. قال: أولاً: صلاتها جماعة ليست بدعة، بل هي سنة في الشريعة. ومسألة أن النبي عليه الصلاة والسلام حث على قيام رمضان، فهو ثابت في الصحيحين: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهو ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث عليه. لكن هنا على الجماعة، الكلام على الجماعة. فالجماعة صلاها النبي عليه الصلاة والسلام، لهذا قال شيخ الإسلام هنا: بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا. أنا بل ثلاث ليالي، صلىها أيضًا في العشر الأواخر في الجماعة. مروان، أنا حديث بسر، وحديث أبي الدرداء، أنا جاء من حديث بسر، وجاء من حديث أبي الدرداء، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». أنا لفظه: «من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». أنا حديث أبي درد، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في سبع خلت من رمضان، معنا في ليلة الثالث والعشرين، فقام بهم قيامًا، ثم أنه قام بهم في خمس خلت من شهر رمضان، قال: «فصلينا حتى نصف الليل»، فقلنا: يا رسول الله، ألا نفلتنا بقية الليل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من قام مع إمامه حتى ينصرف، كتبت له قيام ليلة». ثم أنه قام بنا في ثلاث خلت من شهر رمضان، حتى خشينا الفلاح. قال: وما الفلاح؟ قال: السحور. إلى آخر الحديث. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها جماعة. في حديث زيد بن ثابت وعائشة أنها صلىها ثلاث ليالي، ثم ترك. قال: «خشيت أن تفرض عليكم». فلما ذهبت تلك العلة، قام بالناس عمر رضي الله عنه، أو أمر بمن يقوم بهم في شهر رمضان. قال: قال كما قام بها حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن. قالوا: بهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد. كيف سيقولون أفضل وهي بدعة؟ لا شك أنهم ما قالوا أفضل إلا لأنها سنة. قالوا في قول: هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة. وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وآله وسلم. أنه كان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرجل بصلاة الرجل، والرجل يصلي خلفه الجماعة. هكذا أيضًا في عهد أبي بكر. فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأناس يصلونها جماعة، أيضًا يعتبر أنها كذلك سنة. قال: وأما قول عمر رضي الله عنه: «نعمة البدعة هذه»، فأكثر المحتجين بهذا، لو أردنا أن نثبت حكمًا بقول عمر، الذي لم يخالف فيه، لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة. فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهذا كلام صحيح. كم من مسألة يردها كثير من الفقهاء بأن هذا قول صاحب، وهذا لم يكن معارضًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف نقبل قول الصاحب وهو مخالف لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وإنما حصل الخلاف في قبول قول الصاحب إذا لم يكن يعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». أنا جعلها واحدة، سنة واحدة، تمسكوا بها. فإذا حصل الخلاف، إذا خالف أحد الخلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقول قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، باتفاق الأمة. قال: ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث. أنا يقول الذين يقولون: إن قول الصاحب حجة، ما يقوله إذا كان يخالف الحديث؟ بل حتى لو خالف صحابي آخر، فليس قول صحابي حجة على حل الآخر، فما بالك إذا كان يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال: فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. نعم، يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى الروايتين. فيفيدهم هذا: حسن تلك البدعة أم غيرها؟ فلا. حتى لو قلنا: إن قول الصاحب حجة يخصص العموم، فلا يفيدهم هذا أن هذه البدعة حسنة. وإنما قال: ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمى لغوية، لا تسمى شرعية. أنا حتى لا نعارض كلام النبي عليه الصلاة والسلام بكلام عمر، حملنا كلام عمر على أنه أراد البدعة اللغوية، أو البدعة العرفية التي في عرف ذلك الواقع. فهي قد يقال لغوية، وقد يقال عرفية. قالوا: ذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق. يعني: هذا البدعة في اللغة، شيء. البدعة في اللغة هو أن يفعل شيء من غير مثال سابق. كيف يعرف هذا المثال السابق؟ يعرف أن هناك من شاهد هذا الشيء أو حضره. لكن أكثر من كان في زمن عمر لم يحضر صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بالناس، إلا ما كان من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الوقت. وإلا أكثر المجتمعات، أو أكثر المجتمع في المدينة، لم يكن حضر ما حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فلذلك ظنوا أنه بدعة. قالوا: أما البدعة الشرعية، فما لم يدل عليه دليل شرعي. فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقًا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي كتبه لأبي بكر، الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه. أنا حديث أنس في البخاري في كتاب الصدقة. قال: فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صح، يسمى بدعة في اللغة، لأنه لم يسبق أن عمل بهذا الحديث في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فقد يسمى بدعة لغة، لأنه عمل مبتدأ. كما أن نفس الدين الذي جاء به، أو الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، يسمى بدعة، ويسمى محدثًا في اللغة، لأنه لم يكن موجودًا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام المهاجرين للحبشة: «إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك»، أي: يريدون أصحم النجاشي، وجاءوا بدين محدث لا يعرف. وجاءوا بدين محدث لا يعرف. يعني: قالوا هذا. قاله عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، لما ذهبوا إلى النجاشي، فقالوا: إنهم جاءوا بدين محدث. أي: أن هذا الدين لم يعهدوه، فسموه محدثًا. قال: ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة، ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمّي بدعة في اللغة. فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة»، لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن جاء الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ. وإنما أراد محدثًا من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإلا مثلًا: الذي ابتدأ الصدقة، لما جاء بعض من مضر، عندهم ثياب مرقعة، فلما رأاهم نبي صلى الله عليه وسلم، حث على الصدقة، حث على الصدقة، فلم يتصدق أحد، حتى قام الرجل معه سرة من مال، كادت يده أن تعجز، بل عجزت عنه من كثرته، ووضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى سر النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فاستدلال بهذا الحديث خطأ على أن البدعة أو السنة هذه بدعة. أنا الآن بعضهم يستدل أن هناك بدعة حسنة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة». فسبب الحديث يبينه، ما هو سبب الحديث؟ هذا الذي ابتدأ بالصدقة، بعدما تقاعس الناس عن الصدقة، لم يتصدق أحد، فجاء هذا بصدقة عظيمة، فتتابع الناس بعد ذلك للصدقات، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فهذه سنة حسنة، معنى أنها لم تكن موجودة فوجدت، معنى: لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وإلا الشرع قد حث عليها، قد حث عليها الشرع. فلذلك ابتدأها هذا الشخص، مثل الذي يحيي سنة قد أميتت، يحيي سنة قد أميتت. مثلًا: سنة الصفوف، تسوية الصفوف في الصلاة، يهتم بتسوية الصفوف في الصلاة، لا يتعخر بعيدًا عن الناس، ولا يتقدم، فيكون في الصف. هذه السنة قد مثلًا يكون كثير من الناس لا يبالي بهذه السنة، فيأتي شخص ويقررها ويحث الناس عليها، فتكون سنة. كم من سنة أميتت، ثم أحياها بعض العلماء رحمة الله عليهم، كالشيخ الألباني والشيخ ابن باز وغيرهم من علماء الأمة، يحيون سنة. هذه سنة حسنة، لأنها لم تكن تعمل، ثم عملت بعد ذلك، لأنها سنة في شرع الله جل وعلا. ففرق بين البدع: البدع أصلًا لم تعمل أصلًا في شرع الله. مثل تلك السنة التي أحيت، لو قيل لها بدعة من باب اللغة، ما في شيء، أنها لم تكن موجودة ثم وجدت عند هؤلاء الناس. وإلا فأصلها سنة. فأصلها سنة. جاء مثلًا في حديث عمران بن حسين، لما صلى علي رضي الله عنه في البصرة، بكى عمران بن حسين، قال: «لقد ذكرني هذا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بكل خفض ورفع». هذه السنة، مع أنها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها في زمن، في زمن ليس ببعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أميتت. أنا ما كان أحد يصلي، يكبر في كل، في كل خفض ورفع، حتى صارت أنها ليست بسنة. فجاء بعض الصحابة وطبقها. الوقت، كما قلنا، الوقت صلاة في بني أمية، كانوا يصلون في آخر الوقت، حتى صارت عندهم سنة أن الصلاة تكون في آخر الوقت، بل أحيانًا يخرج الوقت. وهذا كثير. حتى جاء زمن عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه عروة بن الزبير، وقال له: إن أبا أسيد دخل على مروان بن الحكم، أو على فلان، وذكر له حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الصلاة. فقال: يا عروة، انظر ما تقول، أن هذا شيء ما كان موجودًا عند الناس، حتى استنكره عمر. عمر بن عبد العزيز يقول لعروة: «يا عروة، انظر ما تقول». قال: قد سمعت عقبة بن عامر يقول هذا. ضعر عقبة بن عامر، قال: قد سمعت عقبة يقول هذا. فقام عمر، وغير ما كان عليه الناس من تأخير الصلاة. فهذه سنة، قد يقول مثلًا ذلك المجتمع: هذه بدعة، ما كان يعهدونها. لكن لو قلنا أنها بدعة، فهي بدعة لغوية، بدعة من ناحية لغة الناس، لأنهم هذا الشيء لم يسبق له مثال، ما يعرفون هذا الشيء، مع أنها سنة. فابتدائها سنة حسنة. قال رحمه الله: ثم ذلك العمل... قال: وإذا كان كذلك، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده، جماعة أو فرادة. وقد قال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة، لما اجتمعوا: «إن لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، وصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وهذا الحديث في الصحيحين، في حديث زيد بن ثابت، وجاء نحوه عن عائشة. قال: فعلل صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، أو إن المقتضى للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم. قال: فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه، جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، واجتماعهم في المسجد، وعلى إمام واحد، مع الإسراج، عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة، لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته صلى الله عليه وسلم، فانتفى المعارض. فهذا التبيين وتفصيل لمن عارض كلام النبي صلى الله عليه وسلم بقول عمر رضي الله عنه. قال: وهكذا جمع القرآن. أنا يذكر لأن بعضهم يقولون: كيف أبو بكر جمع القرآن، وعثمان أيضًا جمعه، وهذا لم يسبق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء، ويحكم ما يريد. فلو جمع في مصحف واحد، لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، لأن نزول هذه الآيات ليست كلها بالترتيب الذي هو في المصحف، ولا أيضًا معروفة، مثلًا: أن هذه الآية في سورة كذا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: ضعوها في سورة كذا، هذه الآية ضعوها في سورة كذا. فأحيانًا ينزل بعض السورة، وبعضها ينزل بعضًا. مثلًا: أول سورة نزلت هي قول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، العلق، لكن ليس كلها نزلت معًا، نزل منها مقدمتها، ثم بعضها نزل بعد ذلك. فلذلك معنى: بعد هذا نزل بعضها، أو بعد النصف الآخر منها، بعدما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، وأما الآيات الأولى فنزلت في بداية الدعوة. فهذا يدلك على أن الآيات ليست كلها، أو سورة ليست كلها تنزل في وقت واحد. فلو كان هناك مصحف، لغير هذا المصحف عدة مرات. فامتنع أن يكون المصحف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم، واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم، آمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضى للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته أن جمعوا القرآن. وزد على ذلك أنه سنة من سنن الخلفاء، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة. وصار هذا كنفي عمر رضي الله عنه يهود خيبر، أنه لما نفاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ما نفاهم، وإنما قال لهم: «أقركم فيها ما شئنا». لكن عمر نفاهم، حتى أنهم اعترضوا على عمر، أنه كيف ينفيهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم؟ فقال لهم: «قد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أقركم فيها ما شئنا، والآن نحن ما نريده». فطردهم عمر. وطرد أيضًا نصارى نجران، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب». قال: وإنما لم ينفذه أبو بكر رضي الله عنه لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة. أبو بكر انشغل بحروب أهل الردة، فلم يستطع أن يخرج اليهود والنصارى. قال رحمه الله: لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة، وشروعه في قتال فارس والروم. وكذلك عمر لم يؤاخنه فعله في أول الأمر لاشتغاله بقتال فارس والروم، فلما تمكن من ذلك، فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا الفعل قد يسمى بدعة في اللغة. كما قال له اليهود: كيف تخرجنا، وقد أقرنا أبو القاسم؟ وكما جاء إلى علي رضي الله عنه في خلافته، فأرادوا منه إعادتهم، وقالوا: كتابك بخطك، أنا نحن اتفقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب بخطه. قال: فامتنع من ذلك، لأن ذلك الفعل كان بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان محدثًا بعده، ومغيرًا لما فعله هو صلى الله عليه وسلم. وكذلك قول صلى الله عليه وسلم: «خذوا العطاء ما كان عطاءً، أو ما كان عطاءً، فإذا كان عوضًا عن دين أحدكم فلا تأخذوه». وهذا الحديث لا يصح. قال: فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن يعينهم على أهوائهم، وإن كانت معصية، كان من امتنع من أخذه متبعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك قبول العطاء، مع العطاء الذي يعطيه الأمراء من أولي الأمر، محدثًا. لكن لما أحدثوا لهم، وأحدث لهم حكم آخر، بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكذلك دفعوا إلى أهبان بن صيفي سيفًا، وقوله له: «قاتل به المشركين، فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا، فاكسره». فإن كسره لسيفه، وإن كان محدثًا، حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفًا مع عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه هو بأمره صلى الله عليه وسلم. وهذه القصة حصلت في عهد علي، وقد صحت عند أحمد وغيره. طيب، وقت هذا... وقد اشتركوا في القناة، وقد اشتركوا في القناة، وقد اشتركوا في القناة.