التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 18

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 18

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة: مكانة إبراهيم عليه السلام وبداية دعوته لقومه

يبرز المقطع مكانة الخليل إبراهيم عليه السلام كأسوة حسنة وأمة قانتة لله، مبيناً أنه أوتي الرشد منذ صغره وأُري ملكوت السماوات والأرض. ثم يصف بعثته إلى قوم مشركين يعبدون الكواكب والأصنام، وبدءه دعوته باستخدام أسلوب النظر العقلي والمناظرة لإثبات بطلان معبوداتهم.

مناظرة الكواكب: أسلوب الإلزام بالحجة العقلية

يشرح المقطع كيف استخدم إبراهيم عليه السلام أسلوب الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، قائلاً للكوكب والقمر والشمس "هذا ربي" على سبيل الإلزام لا الاعتقاد. ثم برهن على نقصها وعدم استحقاقها للإلهية بأفولها وغيابها، مقتدياً بنفس المنهج في تحطيم الأصنام وإلزام الحجة على المشركين.

إعلان التوحيد الخالص وحجة الأمن للموحدين

يستعرض المقطع خاتمة مناظرة إبراهيم بإعلانه البراءة من الشرك وتوجيه وجهه لله خالق السماوات والأرض حنيفاً، ومواجهة قومه الذين خوّفوه بآلهتهم الباطلة. ويبين ردّه عليهم بأن الأمن الحقيقي والطمأنينة إنما هما لفريق الموحدين لا المشركين، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، ومؤكداً أن الله رفع إبراهيم بالعلم والحجة بينما أصر قومه على باطلهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء"، قصة إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم: قال: قد ذكر الله في كتابه سِيراً وأخباراً كثيرة من سيرة إبراهيم، فيها لنا الأسوة بالأنبياء عموماً، وبه على وجه الخصوص؛ لأنه جاء النص في القرآن بأمر المؤمنين بالاقتداء به: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. قال: فإن الله أمر نبينا وأمرنا باتباع ملته، وهي ما كان عليه من عقائد وأخلاق وأعمال قاصرة ومتعدية. بمعنى أن الله عز وجل أمر نبيه باتباع طريقته، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]. والملة هنا بمعنى الطريقة، فيشمل ذلك العقائد والأخلاق وجميع الأعمال. وقوله: "قاصرة ومتعدية": القاصرة التي تقتصر على أي اقتصر أجرها ونفعها على العامل وحده، والمتعدية هي التي تعم العامل وغيره ممن وصل إليه نفع وأثر هذا العمل، فهذا يقال لها أعمال متعدية. قال: فقد آتاه الله رشده وعلمه الحكمة منذ كان صغيراً، وأراه ملكوت السماوات والأرض. وهذا في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]. "رشده من قبل" أي في حال شبابه وصغره. ﴿وَأَرَيْنَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 75]، يعني ربنا سبحانه وتعالى حبب إلى إبراهيم التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وما أبدع الله عز وجل وخلق في هذا الكون من المخلوقات العظيمة، ومن كذلك الأمور المتقنة الحكيمة. قال: ولهذا كان أعظم الناس يقيناً وعلماً وقوة في دين الله ورحمة بالعباد. ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: 260]. هذه كلها من الآيات وكذلك الدلالات التي ميز الله عز وجل بها نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام. قال: وكان قد بعثه الله إلى قوم مشركين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، بل وكذلك منهم من كان يعبد الأصنام، كما جاء كذلك في قصته، وكما سيذكره المؤلف فيما يأتي إن شاء الله. فانظر بعثةً بين قوم يشركون بالله في معبودات مختلفة متعددة: فمنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد الأصنام. فبعثه الله عز وجل كي يدعوهم إلى التوحيد وإلى عبادة الله عز وجل وحدَه، وترك ما كانوا يعبدون من دون الله. قال: وكان قد بعثه الله إلى قوم مشركين يعبدون الشمس والقمر والنجوم، وهم فلاسفة الصابئة الذين هم من أخبث الطوائف وأعظمهم ضرراً على الخلق. فدعاهم بطرق شتى، فاجتهد عليه السلام في دعوتهم إلى التوحيد. فما هي هذه الطرق؟ ما هي هذه الطرق؟ قال: فأول ذلك دعاهم بطريقة لا يمكن صاحب عقل أن ينفر منها، يعني لا يستمع ولا كذلك يجلس ليرى ما عند هذا الداعية، أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ما هو هذا؟ قال: ﴿وَلَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ السَّبْعَ السَّيَّارَاتِ﴾ يعني الكواكب السيارة التي منها الشمس والقمر، ﴿وَقَدْ بَنَوْا لَهَا الْبُيُوتَ وَسَمَّوْهَا الْهَيَاكِلَ قَالَ لَهُمْ نَاظِرًا وَمُنَاظِرًا﴾. "ناظراً" يعني متفكراً في هذه المخلوقات التي عبدوها من دون الله، و"مناظراً" لهم يعني أتى بحجج عقلية تبين لهم أن هذه الكواكب ليست أهلاً لأن تعبد من دون الله؛ لأنها قاصرة ناقصة مخلوقة، ليست خالقة، وليست قادرة على أن تخلق شيئاً أو ترزق أحداً أو تشفي أحداً أو نحو ذلك. فأتى لهم بهذا الأسلوب، وهو أسلوب النظر والمناظرة: أسلوب النظر في هذه المعبودات التي يعبدونها، ومناظرتهم وإقامة الحجة عليهم. قال: "ومناظراً: هلم يا قوم ننظر هل يستحق منها شيء الإلهية والربوبية". فلما جن عليه الليل، يعني دخل الظلام، ظلام الليل، وغطى هذا الظلام ضوء النهار؛ لأن مادة الجيم والنون تدل على الخفاء والاستتار، لذلك سميت الجنة بالجنة لأنها مغطاة بالأشجار، وهكذا سمي الجن بالجن لأنهم يستترون عن أنظار البشر، وهكذا سمي ما يلبس في الرأس جنة لأنه يقي الرأس ويخفيه من أي أذى أو من أي ضرب أو نحو ذلك. فلما جن عليه الليل، أي دخل الليل وغطى بظلامه ضوء النهار، وهذا الوقت هو الذي تظهر فيه الكواكب، تظهر فيه الكواكب كالنجوم والقمر ونحو ذلك. فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، طلع كوكب، فقال لهم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76]. هذا هو الخالق الذي يستحق العبادة، يستحق العبادة. وهذا فيه من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا كثير في القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: 40]، والآيات في هذا كثيرة. فقال لهم: "هذا ربي". والمناظرة تخالف غيرها في أمور كثيرة، ولم يقل ذلك مقتنعاً بما قال ومصدقاً بما قال، وإنما قال ذلك على سبيل المناظرة وإقناع الخصم، إقناعه ببطلان ما هو عليه، ببطلان ما هو عليه. فقال لهم: "هذا ربي". وهذه المناظرة تخالف غيرها في أمور كثيرة، منها أن المناظر يقول الشيء الذي لا يعتقده ليبين، أو ليبني عليه حجته، ليبني عليه حجته، وليقيم الحجة على خصمه. كما قال في تكسيره الأصنام: لما قالوا له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 62]، لما كسر الأصنام، فكسرها كلها إلا واحداً منها وهو أكبرهم، لم يكسره، وجعل الفأس الذي كسرت به هذه الأصنام على هذا الصنم، على هذا الصنم. فلما جاءوا وقالوا له: "أأنت فعلت هذا؟" قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: 63]، ومعلوم أن غرضه إلزامهم بالحجة، وقد حصلت. ولذلك ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]. أنت تعرف أن هؤلاء ما ينطقون، كيف نسألهم ما ينطقون؟ طيب، أجمل رب، هذا ما ينطق، أجمل إله ما ينطق. استغل هذا فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: 66]. أنكر عليهم هذا وأقام عليهم الحجة. فلو كان أحد منهم متجرداً للحق ومستقيمياً عقله في التدبر وفي كذلك تمعن لنقاد وانصاع، وعلم أنه على ضلال وباطل، ولكنه الكبر والهوى والعياذ بالله. قال: فهنا يسهل علينا فهم معنى قوله: "هذا ربي"، أي أنه قال ذلك على سبيل ماذا؟ المناظرة. فقول "هذا ربي" مثل قوله: "بل فعله كبيرهم هذا"، كل ذلك على سبيل ماذا؟ المناظرة. قال: أي إن كان يستحق الإلهية بعد النظر في حالته ووصفه فهو ربي، كان يستحق الإلهية بعد النظر في حالته ووصفه فهو ربي، مع أنه يعلم العلم اليقيني أنه لا يستحق من الربوبية والألوهية مثقال ذرة، ولكن أراد أن يلزمهم بالحجة. فلما أفل، أي غاب، لأن هذا النجم يجلس ساعات معدودة ثم يغيب ويذهب، ما يبقى ويستمر، حتى في الليل ما يبقى ويستمر، لربما ذهب. فلما أفل، أي غاب، قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]. كيف أجعل هذا رباً وإهاً وهو يغيب ويزول ويذهب ولا يبقى؟ قال: فإن من كان له حال وجود وعدم، أو حال حضور وغيبة، قد علم كل عاقل أنه ليس بكامل. فكيف إله له حال وجود وحال عدم، أو له حال حضور وحال غياب؟ كيف يصح أن يكون هذا إلهاً ورباً؟ لا يستقيم ذلك ولا يقبله العقل الصحيح. قال: قد علم كل عاقل أنه ليس بكامل، فلا يكون إلهاً. ثم انتقل إلى القمر، الأول نجم عادي من النجوم، ثم بعد ذلك انتقل إلى القمر. فلما رآه بازغاً واضحاً ظاهراً قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 77]. فلما أفل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]. أي يريهم، صلوات الله وسلام عليه، وقد صور نفسه بصورة الموافق لهم، كأنه موافق لهم، وهو يريد أن يقيم عليهم الحجة. فقال لهم: "هذا ربي"، كما أنهم يعتقدون أن هذا ربهم، فهو قال: "هذا ربي"، كالموافق لهم، لكنه على سبيل المناظرة وإقامة الحجة عليهم. قال: لكن لا على وجه التقليد، يعني موافق لهم لكن ليس على وجه التقليد، بل يقصد إقامة البرهان على إلهية النجوم والقمر. فالآن وقد أفلت، وتبين بالبرهان العقلي مع السمعي، العقلي يعني ما ذكره لهم من تلك الحجج العقلية، والسمعي ما جاء في كلام الله مما أنزله على رسله من أنه لا إله إلا الله وأن كل ما سوى الله فهو باطل. قال: قال: وتبين بالبرهان العقلي مع السمعي بطلان إلهيتها، فأنا إلى الآن لم يستقر لي قرار على رب وإله عظيم. كيف يعني إله وهو يأفل ويغيب، له حال وجود وعدم، وله حال حضور وغيبة؟ فلما أفل القمر قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 77]. كيف غاب علي، كيف غاب علي هذا القمر؟ فلا يمكن أن يكون إلهاً، لا يمكن أن يكون إلهاً. فلما رأى الشمس بازغة، أي لما طلعت الشمس في النهار، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: 78]. الشمس أكبر وأعظم إنارة وقوة ونحو ذلك. قال: "هذا أكبر"، أكبر من النجم وأكبر من القمر، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]. من النجوم ومن القمر. فإن جرى عليها ما جرى عليهما كانت مثلهما. قال: هذا الآن أكبر، لعله لا يغيب، لعله يبقى، لعل هذه الشمس تبقى لا تذهب مثل القمر والنجم. نعم، فإذا لم يغب فهو الإله. طبعاً هذا مستحيل، الشمس لا بد أن تغيب، لكن من باب قيام الحجة عليهم. وإن غاب فهو مثل النجم والقمر، كيف إله له حال وجود وعدم، وله حال حضور وغياب؟ قال: فحينئذ ألزمهم بهذا الإلزام. قال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]. وقد تقرر عند الجميع فيما سبق أن عبادة من يأفل من أبطل الباطل، عبادة من يأفل ويغيب من أبطل الباطل. قال: فحينئذ ألزمهم بهذا الإلزام، ووجه عليهم الحجة، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]. أعلنها مدوية صريحة: أن ما يعبدون من النجوم أو القمر أو الشمس هذا شرك بالله، وهذه آلهة باطلة، هذه آلهة باطلة. فقال لهم: "إني بريء"، تبرأ مما تشركون. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. أعلنها مدوية صريحة أنه بريء مما يشركون، وأنه وجه وجهه ظاهره وباطنه لله عز وجل الذي هو الإله العظيم الجليل الكامل الخالق البارئ سبحانه وتعالى. قال: فهذا برهان عقلي واضح أن الخالق للعالم العلوي والسفلي هو الذي يتعين أن يقصد بالتوحيد والإخلاص، وأن هذه الأفلاك والكواكب وغيرها مخلوقات مدبرات، ليس لها من الأوصاف ما تستحق العبادة لأجلها. فجعلوا يخوفونه آلهتهم. هذا هو شأن أهل الباطل. قالوا: "أنت تتكلم على آلهتنا وترميها بالبطلان، ستنتقم لنفسها وستصيبك بالأذى، ستصيبك بالأذى، بالأذى؛ لأنها يعني آلهة وقادرة". فهذا في ظنهم، في ظنهم. فخوفونه بهذه الآلهة. قال: وهذا دليل على أن المشركين عندهم من الخيالات الفاسدة والآراء الرديئة... سبحان الله، حتى في عباد القبور! لما ينكر أهل التوحيد عليهم ما يصنعونه مع معبوداتهم القبور والأولياء بزعمهم، يقولون: "بيحوط بك هذا القبر"، يخوفونك به، يخوفونك بهذا القبر الذي أنت تنكر عليهم عبادتهم إياه، يقولون لك: "هذا بيمسك بسوء، هذا بيفعل بك ويفعل بك، ويحوط بك ويفعل بك كذا"، يخوفونه بهذا المخلوق. قال: قال: وهذا دليل على أن المشركين عندهم من الخيالات الفاسدة والآراء الرديئة ما يعتقدون أن آلهتهم تنفع من عبدها وتضر من تركها أو قدح فيها. فقال لهم مبيناً لهم أنه ليس عليه شيء من الخوف، وهذا هو شأن أهل التوحيد؛ لأنهم قد علقوا قلوبهم بالله عز وجل وحده، فلا يخافون من مخلوق، ويعلمون أن هذا المخلوق ناصيته بيد الله، لا ينفع ولا يضر. فلما خوفوه، بين لهم أنه ليس عليه شيء من الخوف، وإنما الخوف الحقيقي عليهم هم، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22]. فالمخذول والخائف، وكذلك القلق والمضطرب، هو الذي جعل مع الله إلهاً آخر، أما الموحد فهو قوي القلب، وهو قوي الإيمان الذي يعني بإيمانه لا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى وحده. فماذا قال لهم إبراهيم عليه السلام لما خوفوه بهذه الآلهة الباطلة؟ قال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 81]. "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟" هل فريق الشرك أو فريق التوحيد؟ أي الفريقين أحق بالأمن وأحق بالطمأنينة، وكذلك ذهاب الخوف. فرفع الله خليله إبراهيم بالعلم وإقامة الحجة، وعجزوا عن نصر باطلهم، ولكنهم صمموا على الإقامة على ما هم عليه، ولم ينفع فيهم الوعظ والتذكير وإقامة الحجج. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر