الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعث الله نبيه صالحاً إلى قوم ثمود الذين نعموا بنعم الله فكفروا بها، فدعاهم للتوحيد وأرسل لهم الناقة آيةً واضحة. عقر الأشقياء الناقة رغم التحذير، فكان ذلك سبباً لهلاك القبيلة جميعاً.
بعد عقر الناقة ورضا القوم بالمنكر، أيقن صالح بتحتم العذاب فأنذرهم بوقوعه بعد ثلاثة أيام. في هذه المدة تآمر التسعة الذين عقروا الناقة على قتله سراً خوفاً من قبيلته.
قوة الداعية تتعزز بحماية قبيلته كما حدث مع النبي محمد وصالح، وقد عاجل الله الماكرين بصخرة أهلكتهم ثم أهلك الباقين بالصيحة والرجفة ونجّى صالح والمؤمنين. استخدم الأنبياء كل الوسائل لتبليغ الرسالة بأوضح بيان، لكن الكفار أصروا على العناد فكانت عاقبتهم السيئة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فقرأنا في الدرس الماضي شيئاً مما ذكره المؤلف رحمه الله في قصة نبي الله صالح. فذكر المؤلف أن ثمود، وهي عاد الثانية، كانوا في نعم عظيمة من المواشي والحقول والزروع، ولكن لم يشكروا هذه النعمة، فعبدوا غير الله. فأرسل الله عز وجل إليهم نبيه صالحاً عليه السلام، فدعاهم إلى الله وإلى توحيد الله، فما آمن معه إلا قليل، وأصر واستكبر كثير منهم، وردوا دعوته. وكذلك لم يستجيبوا له مع أنهم اعترفوا قبل مبعثه أنه من أفضلهم، ومن أكملهم أخلاقاً وآداباً، ولكنه الكبر والهوى وتقليد الآباء. وذكر المؤلف أيضاً ما من الله به على نبيه صالح من تلك الآية العظيمة وهي الناقة. فجعل الله عز وجل هذه الناقة آية، لأن هذه الناقة لا يشبهها شيء من النوق، لا في ذاتها، ولا في شرفها، ولا في منافعها. فطلب منهم نبي الله صالح أن تجعل هذه الناقة ترد يوماً الماء، وفي هذا اليوم يَرِدون إلى ضرعها فيحلبون منه، فيأتي الناس فيملؤون آنيتهم، وفي اليوم الثاني يَرِدون هم على الماء. وقال: وكان في مدينتهم تسعة رهط من شياطينهم، يعني شياطين الإنس. فهؤلاء التسعة هم من أشقى وأعتى هؤلاء، قال: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ [النمل: 48]. قالوا: ﴿ تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ [النمل: 49] إلى آخر الآيات. وقال: وكان صالح قد حذرهم من عقر الناقة لما رأى من كبرهم وردهم الحق. أي لما أتاهم بهذه الناقة حذرهم من أن يعقروا هذه الناقة، أي يقتلوها. قال: فأول ما فعل أولئك الملأ الأشرار، أي الرهط التسعة، أن عقدوا مجلساً عاماً ليتفقوا على عقر الناقة، فاتفقوا، فانتدب لذلك أشقى القبيلة، يعني برز من هؤلاء التسعة واحد وهو أشقاهم، التسعة أشقى القوم، وهذا الواحد أشقى التسعة. قال: ولهذا قال الله تعالى: ﴿ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ [الشمس: 12]، أي ندبوا هذا الشقي واختاروه لعقر هذه الناقة، أي بعد اتفاقهم وندبهم إياه بعثوه لذلك. قال: فانبعث واستعد وتكفل لهم بعقرها، وهم جميعهم راضون بل آمرون، لأنهم هم الذين أمروه بذلك. فعقرها، أي قتل الناقة، فكان هذا العقر مؤذناً بهلاك القبيلة بأسرها، أي كان هذا العقر سبباً موجباً لهلاكهم لأنها آية من الله، واشترط عليهم نبي الله صالح ألا يعقروها، فلما خالفوا وعصوا لا شك أن هذا الفعل مؤذن بهلاكهم. ولِمَ بهلاك القبيلة بأسرها؟ لأنهم راضون بهذا الفعل، لم ينهه أحد، ولم يأخذ بيده أحد، بل بقية التسعة الذين معه أمروه بذلك وندبوه لذلك. وهذا فيه أن غير الفاعل للمنكر إذا كان راضياً فإن العقوبة تعمه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]، أي إذا كنتم راضين ولم تنهوا أهل الظلم عن ظلمهم. وكما جاء في حديث زينب بنت جحش: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». قال: فلما شعر صالح بالأمر ورأى منظراً فضيعاً، ما هو هذا المنظر الفضيع؟ عقر الناقة. عقر الناقة، علم أن العذاب قد تحتم لا محالة، أي قد وجب على هؤلاء. قال: لأن الجريمة قد تفاقمت، كان في أول الأمر إنما هو معارضة له وعدم استجابة واستهزاء ونحو ذلك، لكن في هذا الفعل فعل ومباشرة لأمر نُهُوا عنه خاص، فلذلك لما رأى هذا الأمر علم أن العذاب قد تحتم لا محالة لأن الجريمة قد تفاقمت. قال: ولم تبقَ حالة يرجى فيها لهم تقويم. ومعنى يرجى لهم فيها تقويم: يعني أمل في رجوعهم وفي استجابتهم، وقد وصل بهم الأمر إلى هذا الحد. فقال لهم صالح: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 65]. ونبه بهذا الكلام دانيهم وقاصيهم، ونبه بهذا الكلام دانيهم وقاصيهم. ولا شك أن هذا التحديد إنما هو وحي من الله، فأعلمه الله عز وجل بأن قومه سينزل عليهم العذاب بعد ثلاث، بعد ثلاثة أيام. نعم، لأن الأمر لله سبحانه وتعالى. قال: ففي أثناء هذه المدة، الآن الكل أخبر من قبل هذا النبي. ومعنى دانيهم وقاصيهم: أي بعيدهم وقريبهم، حتى البعيد أخبر بهذا وأوصل إليه هذا الخبر، وأن بعد ثلاثة أيام سينزل عليهم العذاب من الله سبحانه وتعالى. قال: ففي أثناء هذه المدة اتفق هؤلاء الرهط التسعة على أمر أغلظ من عقر الناقة، على قتل نبيهم صالح. قالوا: إذن قبل أن تنتهي هذه الثلاث، وفي أثنائها سنقتل صالحاً، نقتله. فتمالؤوا على ذلك واتفقوا على ذلك، وتعاهدوا وتعاقدوا، وحلفوا الأيمان المغلظة لذلك. قال: ﴿ تَقَاسَمُوا ﴾ [النمل: 49]، تقاسموا، أي حلفوا الأيمان المغلظة، وكتموا أمرهم خشية من منع أهل بيته، يعني جعلوا الأمر سراً لم يخبروا أحداً بذلك، لماذا؟ خشية أن يتسرب هذا الخبر فيثور أهله وبنو عشيرته. فهم فعلوا ذلك سراً خشية من منع أهل بيته، لأنه في بيت عز وشرف، أي أن معه قبيلة، ومعه من يدافع عنه، ومن يحوطه وينتقم له. وفي هذا أن الداعي إلى الله عز وجل كلما كان ذا منعة، وما ذا قبيلة تحوطه وتمنع الأعداء من الوصول إليه، كان أقوى في دعوته، كما في هذه القصة، وكذلك في بعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فكانت قبيلة تحوطه وتمنعه، ومنهم عمه أبو طالب، فلم يستطع الكفار قريش أن ينالوه بقتل أو طرد أو نحو ذلك لأن معه من يحوطه. وهكذا نبي الله صالح كان معه من يحوطه من قبيلته وعشيرته. وقالوا: ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ [النمل: 49]، يعني نأتيه وهو بين أهله، نقتله بين أهله، ثم إذا ظن بنا أننا قتلناه حلفنا لأوليائه أننا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون. قالوا: نقتله سراً ونختفي فلا يرانا أحد، فإذا جاءت قبيلته وقالوا: أنتم الذين قتلتموه، قلنا لهم: أبداً، نحن ما قتلنا. كذب، يكذبون، سيقولون: ما قتلناه، وإننا في قولنا ما قتلناه لصادقون. قال: فدبروا هذا المكر العظيم، ولكنهم يمكرون ويمكر الله لنبيه صالح، أي أن الله عز وجل انتقم منهم قبل أن يصلوا شيئاً بنبي الله صالح، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 54]. قال: فحينا كمنوا في أصل جبل، يعني اختبؤوا لينظروا الفرصة في صالح. بدأ الله بعقوبتهم، فكانوا سلفاً مقدماً لقومهم إلى نار جهنم، أي أن الله أبادهم وانتقم منهم وقتلهم شر قتلة، فأرسل الله صخرة من أعلى الجبل فشدختهم وقتلوا أشنع قتلة، وهذا قبل انتهاء الثلاثة الأيام. فلذلك قال المؤلف هنا: فكانوا سلفاً مقدماً لقومهم، أي ماتوا قبل قومهم وصاروا عبرة لقومهم. قال: ثم لما تمت ثلاثة، أو لما تمت ثلاثة هذه الأيام، جاءتهم صيحة من فوقهم ورجفة من أسفل منهم، صيحة من فوق فأحرقتهم، ورجفة من تحت أقدامهم فأسقطتهم في أسفل الأرض. فجاءهم العذاب من فوقهم ومن أسفل منهم، من فوقهم ومن أسفل منهم، فعذبوا وأهلكوا بالرجفة وكذلك الصيحة. قال: فأصبحوا خامدين موتاً، ونجَّى الله صالحاً ومن معه من المؤمنين، والله على كل شيء قدير. فلم يبقَ منهم إلا نبي الله صالح ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل. قال: فتولَّى عنهم لما رآهم خامدين موتاً، وقال: ﴿ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ [الأعراف: 79]. لا يتألم أحد على أمثال هؤلاء، ولا يأسى أحد على أمثال هؤلاء. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بذلوا كل وسيلة وكل طريقة في الدعوة إلى الله، فبينوا أتم بيان، ووضحوا لهم أكمل وضوح وبيان، ولكن الكفار أبوا وأصروا، فكانت هذه الخاتمة وهذه العاقبة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله. فعلا ترجمة نانسي قنقر.